31 October 2014

وجهي القبيح

وجهي القبيح




بمناسبة الهالوين..
سأريكِ الليلة يا حبيبتي وجهي القبيح!
أعلم أنك كنتِ تتطلعين لهذا في الخفاء في عتمات روحكِ.
أمّا أنا..
فلطالما أردتُ أن أحز عنقك بطرف لساني
وحين يتضرج بالدم..
أحشره في خزان دمكِ الحرام.. الخزان الذي طالما عذبتيني بالحرمان منه.
أنا الدراكولا خاصتك هذه الليلة.
شفاهي دماء. عروقي دماء. ولا شيء في رأسي إلا الرغبة.
سأخمشكِ بأظافري.. أسوأ من قطٍ نذل، كان خطأُ أُمّهِ أنها لم تلتهمه وهو حديث الولادة!
سأخضّب الغرفة بعَرَقي.. والسماء ستمطر حمضا يذيب الأجساد.
وسأحول نهديكِ إلى نوتيللا.. ذائبةً ألَغْوِصُهَا بأصابعي العشر.
حتى عانتكِ قد أنتفُها وأتعمدُ أنْ آلمكِ، إذا لم تؤلِمِي عانتي بما يكفي.
أنا الشر الليلة.
أنا الجوع. أنا اللزوجةُ انقذفتْ على عينينكِ الصابئتين. أنا مسمارُ الرحمةِ في نعشِ الجسدِ الظامئ.
أنا من سيدغدغ باطنَ قدميكِ باللعق حتى تحتارين هل تركليني أم تعصريني.
أنا صليبٌ ﻷلفِ مسيحٍ يبحثُ عن الخطيئة.
أنا مُستَقَرُّ الحليبِ المتقاطر، المعصورِ عنوة.
أنا حيثُ تستريحُ تأوهاتكِ الوحشية.. وحيث ينبتُ العشبُ الطالما اشتاقَ للمطر.
انعصدي الليلةَ كمن تتشهى دورَ المغتَصَبة.
أنا الغاصبُ فلتتشقق الشمسُ من صرخاتنا البرية.. وتسقطَ على الأرض ساعةُ الحائطِ--مفككة الأزرار.
الليلة يا حبيبتي سأريك وجهي القبيح.. الطالما اشتقتي إليه.
الليلة أنتِ الملاكُ الذي سيقتلني بدم بارد، بكل حرارةِ الكونِ التي أحبها فيك.

21 October 2014

عن أمهاتنا في الطفولة التي عشتها

نساء في زمن البساطة!


قضى والدي –رحمه الله- آخر عشرين سنة من حياته في السعودية، عاملا بسيطا كغالبية أبناء جيله، يكدح لتنشئة عائلة في دواخل عُمان؛ البلد التي لم يكن يتسنى له أنْ يزورها إلا مرة في السنة لأقل من شهر (وقطعا كان أكثر حظا من غيره في هذا). قبل السعودية كان أبي قد عمل في قطر والكويت بأعمال أكثر مشقة منذ كان مراهقا. أما أمي فلم تزر السعودية إلا عندما أصيب أبي بنوبة قلبية أدخلته العناية المركزة لعدة أيام، وزارتها لاحقا للحج والعمرة. في ذلك الزمن، لم تكن البنوك موجودة أصلا في ولايتنا، ولذا كان أبي –حاله كحال مغتربي عُمان في دول الجوار- يرسل مبلغا سنويا أو نصف سنوي مع أحد رفاقه العمانيين المغتربين. يأتي الرجل بالمبلغ نقدا يسلمه كأمانة إلى أهل الرجل الآخر المغترب—الذي هو أبي في هذه الحالة.

هكذا عندما كان سالم بن علي القيوضي –أعز أصدقاء أبي- (أعطاه الله الصحة أو أسبغ عليه رحمته إنْ كان قد غادر دنيانا).. أقول عندما كان القيوضي –طيّب الله ذكره- يعود من السعودية إلى بلدته في نفس ولايتنا، كان يأتي للبيت لتسليم الأمانة عندما تسنح له ظروفه. لم يكن هناك هاتف لنعرف أن الرجل سيزورنا اليوم أو غدا، ولكن لعل أحد أبناء تلك البلدة يزورنا او يزور جارا لنا فنستعلم منه أن القيوضي قد وصل، ولأنه يحمل أمانة فسوف يحرص على تسليمها في أقرب فرصة متاحة لديه. كنا جميعا أطفالا. وأكبر أخوتي كان مراهقا. وكانت الحال بسيطة. ولم تكن الفواكه تتوافر في البيوت إلا في الأعياد وعند وصول نبأ أنّ ضيفا سيحل على بيت من بيوت القرية. لذا كان الرطب أو التمر (حسب الموسم) والقهوة الطازجة هي كل أدوات إكرام الضيف. وإذا توافر السفرجل أو الموز العماني فتلك مائدة فاخرة. لم يكن في هذا "الحال البسيط" غضاضة بين الناس البسطاء المتكافلين المتراحمين. فالجود بالموجود. ولكن أمر الجود لا يقف هنا فحسب، فزيارة ضيف لبيت أحد من أبناء القرية كانت تعني تكاتف القرية كلها لضيافته. هذا هو الشيء الجميل الوحيد الذي أستعيده من حياة القرية، وهو شيء أتذكره بمناسبة يوم المرأة العمانية. فالحكاية كلها هي حكاية امرأة ودورها في المجتمع وصلاحياتها آنذاك والآن.

عند وصول الضيف القادم من بلدة أخرى، ستعرف الحارة جميعها أن بيت (ولاد قوم فلان الفلاني) جايينهم خطّار. الكل حاله واحد، أو متقارب، من مُتع الدنيا. ولكن الكل سيبذل أفضل ما لديه. بيتٌ من بيوت الجيران سيرسل دلة قهوة صنعوها للتو. بيت ثانٍ سيرسل وجبة دنجو و "سِفّ خبز" بلدي. بيت ثالث سيرسل السفرجل، وربما عنبا محليا، وربما الجح. وسيأتي أقرب الجيران الشيّاب لاستقبال الضيف لأنه يعتبره كأنه قادم لبيته، فهذا الجار نفسه يعتبر أن بيتنا هو بيته ولذا من واجبه الترحيب بالضيف. ولكن قبل وصول الجار تكون أمي قد استقبلت الضيف وصافحته وهي تلف يدها بطرف "الوقاية" التي ترتديها، وأدخلته المجلس ورحبت به، وسألته عن العلوم والأخبار وعن جديد أهالي بلدته جميعا. بعد القهوة سيسلم الضيف الأمانة التي جاء من أجلها. مبلغ المال الذي جاد به الزمن على والدي. و كيسا من الهيل. و مَنٌّ مِن القهوة (المَن: وحدة تعادل أربعة كيلو)، كلها مرسلة من أبي. وقد يكون هناك كيلو هيل من نوع آخر هدية من الضيف نفسه. أو نوع من الدنجو الملون الجاهز للأكل كهدية من الضيف للعائلة وتفريحة للأطفال. المشهد إجمالا هو التكاتف والإخاء في أنبل صوره وأطهرها. ستكون الصورة واحدة سواء كان الضيف ضيفنا نحن أم ضيف الجيران. الكل سيؤدي ما يؤمن أنه واجبه إزاء حقوق الجيرة. ولن يلوم أحدٌ امرأة أنها جلست مع الضيف. بل سيشيد بها الكل أنها تصون بيتا كاملا في ظل غياب الأب—فما أكثر البيوت التي كانت كبيتنا بأب غائب حاضر وبأم هي تجسيد للمهارة والكفاءة في إدارة شؤون عائلة تتكون غالبا من سبعة أطفال إلى اثني عشر طفلا!

في ذلك الوقت، أي ما تستعيده ذاكرتي من ذكريات أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، كانت المرأة العمانية لها كلمتها في محيطها. كانت تستقبل الضيوف تماما كما كان سيفعل زوجها الغائب، بذات الترحاب وحسن الضيافة. كانت تذهب للحقل وتعود جالبة البرسيم وطعام الحيوانات على رأسها. كانت تذهب تروّي الماء و الهاندوّة على رأسها. وفي بعض القرى، كانت تخاشم الرجال كما يفعل الرجال مع بعضهم البعض. كان هناك تقاسم قديم للأدوار بينها وبين الرجل فرضته ظروف المجتمع الاقتصادية والتاريخية قبل أن تفرضه العادات والتقاليد. باختصار، كانت المرأة ذات مقدار معقول –وفقا لطبيعة زمنها- من الأدوار القيادية فيما يتعلق بالبيت والعائلة. وكانت كثير من ممارساتها الفطرية عادية وغير مستنكرة. لم تكن العباءة بالطبع موجودة، والبرقع كان لظروف محددة مؤقتة فقط في الحياة الريفية والحضرية وليس شيئا يتم ارتداؤه طوال اليوم. لم يكن البرقع أداة قمع متعمدة، بل كان مجرد جزء تقليدي من زي بعض المناطق. اليوم، ذهبت الكثير من هذه الأشياء أدراج الرياح، وتحاول شابة اليوم استعادة بعض مناخ "المشاركة في لعب الأدوار القيادية" كما كانت تفعل أمهاتهن. اليوم اختفت المصافحة، أو بالأحرى تقلصت، بينما كان مخاشم المرأة للرجال لا غبار عليه قبل 30 عاما! واختفى البرقع التقليدي كزي تقليدي، وفُرِض مكانه على بعض النساء نقاب أسبابه دينية وإقصائية وعنصرية، وصارت هؤلاء العواجيز أنفسهن يرتدين قفازات سوداء بعد أن كانت سواعدهن مشَّمرة للعمل في الحقل! حتى بعض الأمثال الشعبية التي كانت تستخدمها النساء في حوارهن اليومي العادي، لو استخدمها أحد اليوم لبدت صاعقة، وأترك هنا لمن هم في مثل عمري وأكبر أن يتذكروا بعض الجمل الشعبية التي لم تعد نساء ورجالات اليوم يستطيعون تبادلها في حواراتهم العامة.

ليس الأمر هنا تباكيا على الماضي أو تقليلا من شأن الحاضر. ولكنه استعادة لزمن كان أكثر فطرية وتسامحا حين لم يكن ذوو اللحى الكثة قد تناسلوا وسمموا المجتمع بأفكارهم حول الحلال والحرام. كان الناس يعرفون الحلال والحرام بدون مشايخ الفضائيات وبدون أطنان من الرجال بدشاديش قصيرة ونوايا خبيثة شديدة الطول. لأن أمثال هؤلاء قد توغلوا في حياتنا، تضاءلت البراءة. فحين تنتشر الذئاب تصبح الحملان كثيرة التلفت خوفا حولها، وقد تُؤْثِر عدم الخروج إلى المراعي الخضراء. أما حياة الدعة الحالية لكلا الرجل والمرأة، فأدت إلى ضياع ما كانت تمتلكه المرأة من ثقل في اتخاذ القرار بشأن حياة أسرتها، لأن دورها قد تضاءل بوجود أكثر من نصف المتزوجات مَعيلات من قبل الزوج حالهن كحال الأطفال والقُصر. بينما لم تكن أمي ونساء جيلها يعتمدن الاعتماد الكامل على ما يبعثه أبي سنويا أو كل ستة أشهر مع القيوضي من السعودية، بل كانت لديهن أبقار وأغنام ودجاج تلبي احتياجات العائلة جزئيا، وكن يعملن في الحقل. كن يساهمن في نصف اقتصاد المنزل. الحظ الأوفر اليوم لتحقيق الذات واستعادة أدوار المرأة المُشارِكة في اتخاذ القرار في مجتمعها وعائلتها هو في يد النساء العاملات المستقلات اقتصاديا والواعيات فكريا، المساهِمات بدخلهن في الإنفاق على الأسرة في احتياجات الأسرة الفعلية، وليس من ينفقن مرتبهن في شراء سيارة فاخرة منذ أول يوم للتعيين ويصرفن فيها ثلاثة أرباع المرتب، ويبقين لآخر الشهر معولات كليا من قبل أزواجهن كالأطفال والقُصّر! بلا مشاركة اقتصادية فاعلة في إدارة شؤون العائلة اليومية، لن تتحقق للشابة اليوم القدرة الكاملة على أخذ دور مهم في تقرير مستقبل العائلة ومصيرها، ولن تتمكن من فرض كلمتها وتعزيز موقفها المستقل في اختيار خياراتها بعيدا عن وصايا الرقباء والفضوليين وأصحاب الدشاديش القصيرة والنوايا الخبيثة الطويلة.

12 October 2014

ما خفي عن عيون ركاب الطائرات

ما خفي عن عيون ركاب الطائرات!


نسافر في الطائرة مطمئنين، لا نعرف غير رقم مقعدنا، وربما كانت لدينا رفقة صغيرة من الأهل أو الأصدقاء، وربما كنا بمفردنا. ربما نكون –كأغلب الناس- محشورين في كراسينا الضيقة في الدرجة السياحية، وربما نكون مرفهين في درجة رجال الأعمال. كل ما نعرفه ان الرحلة تستغرق عددا محددا من الساعات. وأنه ستأتينا وجبة طعام بعد قليل. وأنّ لدينا خيارات من برامج الفيديو والأفلام والإذاعات المسموعة لنتابعها. نحاول في الرحلة أن نستجلب الراحة ونبعد عنا المنغصات. أنْ نتجاهل مثلا، احتمالية تعرض الطائرة لمطبات هوائية (أو ما هو أسوأ)، كما نتجاهل ثرثرة من يجلس خلفنا فيما نحن نحاول النوم. بل نحاول حتى أن نتجاهل كرسي الشخص الجالس أمامنا حين يميل به للخلف ليرتاح فيحشرنا في محيط ضيق لا نستطيع معه التنفس. نشغل أنفسنا بكل ذلك وقد لا تخطر ببالنا أسئلة أخرى. هل ثمة شيء تخفيه هذه الطائرة عنا؟ مَن يسافر أيضا على المتن؟ وهل جميع ركاب هذه الطائرة هم من الأحياء؟

لعل أكثر فكرة مخيفة لكثير من الناس، هي أن يتخيلوا أنهم خارجون في رحلة وبرفقتهم جثمان شخص ميت. لكنّ هذا أمر واقع في الكثير من الرحلات. جثث الموتى المجمدة تحملها الطائرات في الرحلات العادية. ليست هناك طيارات أو رحلات خاصة لنقل جثامين المدنيين. لكن هناك متسعا في الطائرات التجارية لجثمان ميت، وليس نادرا أن نسافر في رحلة مع شخص متوفى يُشحَن جثمانه إلى الهند أو الفلبين أو أية وجهة أخرى. يحدث في الحقيقة أحيانا، ولكن بشكل نادر، أن يتوفى شخص داخل الطائرة. يقع هذا غالبا لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، ولذا فإن الطائرات يُسعدها أنْ يكون على متنها طبيب من بين المسافرين، فهو يُسعف في حالات كثيرة. وعلى عكس وفاة أحدهم، يحدث بشكل نادر جدا أن تضع سيدة مولودا مبكرا داخل الطائرة! إن ركوب النساء الحوامل للطائرة ممنوع منذ الشهر السابع وأحيانا السادس في بعض شركات الطيران، لكن هناك نساء جيدات في إخفاء الحمل (خصوصا المسافرات لأمريكا ليضعن مولودهن هناك كي يحصل على الجنسية الأمريكية تلقائيا)، مثلما هناك أجنّة مستعجلون للخروج إلى العالم. ترى ماذا يُكتب في خانة (مكان الميلاد) في جواز سفر طفل تمت ولادته في السماء؟

لوحات تشكيلية ثمينة وذات قيمة تاريخية كثيرا ما تسافر معنا في الطائرات. هذه اللوحات تكون مسافرة لمعرض فني سيقام بإحدى البلدان. لن نعرف يوما عن لوحة مسافرة في طائرة إلا في حالة واحدة: إذا سقطت الطائرة وتحطمت! عدا ذلك فهناك مبلغ تأمين كبير لسفر اللوحات، وينبغي أن يظل أمرها  سرا خشية وصول الخبر للآذان الخطأ! يسافر أحيانا أشخاص مشهورون معنا في نفس رحلاتنا دون أن نعرف بوجودهم، هم بشهرة اللوحات الثمينة أو أكثر. مطربون وممثلون وكتّاب وشعراء يكونون –غالبا- في الدرجة الأولى. يحرص طاقم الطائرة على إبقاء وجود هؤلاء سرا، كي لا يتدافع عليهم المعجبون طلبا للتوقيع فتحدث فوضى قد لا تكون محمودة العواقب.

وماذا عن المسدسات والأسلحة؟ هل هي ممنوعة حقا لدى كافة المطارات وشركات الطيران؟ الحقيقة، كلا! المسدسات مسموحة لدى كثير من شركات الطيران حول العالم، ولكن بضوابط. يجب أن يكون المسدس مرخصا ومسجلا باسم صاحبه. وأن يتم الإبلاغ عن وجوده في استمارة خاصة بشركة الطيران. وأن يوضع المسدس في شنطة الشحن وليس في الحقيبة اليدوية. وأن لا يكون محشوا، بمعنى أن تُستخرج الرصاصات منه وأن توضع بجواره وليس داخل المسدس. وأخيرا، أن تكون الرصاصات مصنوعة من المعدن، وليس من مادة قابلة للإنفجار. وقبل كل هذا، أن تكون وجهة السفر تسمح بإدخال المسدسات إليها!

تحوي الطائرات أيضا أدوية مشحونة لإحدى البلدان، وتحوي أحيانا عينات من دم شخص مريض مُرسلة لأحد المختبرات الطبية في الخارج لفحصها وتحليلها. الجزئية الأخيرة ليست نادرة الحدوث في السلطنة، فعند ظهور أعراض مرض مجهول تُرسل عينة من دم المريض للفحص في مختبر إحدى الدول الأوروبية. تُنقل في الطائرات كذلك أعضاء بشرية مرسلة للزراعة في جسم مريض آخر. أيضا يُشحن في الطائرات الرسائل والطرود البريدية، وإذا كان معظم الناس يستخدمون اليوم البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع ذويهم عبر البحار، فكم ساهمت الطائرات في الماضي في ربط شمل الأسر والاصدقاء وفي "جمع رأسين في الحلال"!

يحاول كثير من الناس تهريب أشياء ممنوعة داخل الطائرات. هناك من يحاولون تهريب حيواناتهم الأليفة (القطط والكلاب الصغيرة)، وهناك من يحاولون تهريب كائنات أكثر خطورة، مثل الثعابين وصغار التماسيح! وثمة من يحاولون تهريب الآثار وبعض التحف والهدايا النادرة. هناك بالطبع تهريب المخدرات الذي ينجح في بعض الأحيان. وهناك تهريب البشر بجوازات سفر مزورة. أما من أغرب الأشياء الممنوعة على متن الطائرات والتي تعرضتُ لها شخصيا، فهي عدم السماح بتمرير المكسرات غير المحمصة إلى أستراليا. إن استراليا جزيرة، وهي –حفاظا على بيئتها الخاصة- تمنع استقدام أية نباتات قابلة للزراعة في أراضيها إلا التي تستوردها الشركات المرخصة لمزاولة هذا النشاط. أما الأفراد فُيمنع عليهم جلب أية مواد قابلة للاستزراع، ومنها المكسرات النيئة، حتى ولو كانت هذه المكسرات تباع أصلا داخل أستراليا. في مرة من المرات كنت أحمل تمرا على هيئة كرات مزينة كل واحدة منها بحبة لوز، ومغلفة كهدايا في علب أنيقة. تم مصادرة هذه الهدايا مني التي أحملها لأصدقائي الأستراليين بحجة أن اللوز الذي على التمر قابل لإعادة الاستزراع، مع أن نفس نوعية هذا اللوز النيئ تباع في أستراليا! تفهمت الأسباب (نوعا ما)، ولكني كنت حزينا على هدايا التمر الفاخر التي سيأكلها موظفو المطار بشراهة وينحرم منها أصدقائي الأستراليون. على أية حال فهذا ليس أغرب شيء تمنعه مطارات أستراليا. فعند الوصول ينظرون إلى حذاءك، لو كنتَ قد خضتَ به في الوحل قبل صعودك للطائرة فلن تدخل به أرض أستراليا، خشية أن تكون هناك بذور أعشاب عالقة به قد تنمو في جزيرة أستراليا! أيها المسافر، ادخل إلى أرض الكنغر بحذاء نظيف وإلا فلتدخل حافيا!

11 October 2014

زوجي العزيز.. أريدك فاشلا محطما

زوجي العزيز.. أريدك فاشلا محطما!


يتساءل الرجال عن تفسير لسلوك يرونه شائعا لدى النساء، ألا وهو –ما يعتبرونه هم- اختلاقَ المشاكل في ذروة انشغالات الرجل الوظيفية والمهنية، أو في الظروف الصعبة الطارئة مثل أن يكون الرجل منغمسا في تأسيس مشروع جديد أو في دورة تدريبية أو، أحيانا، حتى وهو يقضي رحلة ترفيهية صغيرة نادرة الحدوث في عطلة نهاية الأسبوع مرتب لها سلفا مع رفاقه الذكور. يتساءل الرجال عن أي شيء ذاك الذي يجعل النساء أكثر رغبة في إفساد عملهم أو بهجتهم بمشكلة مفتعلة تحديدا في الوقت الذي يشعرون هم فيه بالحاجة إلى التركيز فيما يعملونه وإلى دعم الشريك لهم. يتهم الرجالُ النساءَ هنا بأنهن قاسيات وغامضات، وأن ما يفعلنه ببساطة –من اختلاق لمشكلة في ذروة انشغالات الرجل- ما هو إلا سعي لإفساد نجاح الرجل. وما يثير حنق الرجل وحيرته هو: أليس من المفروض أن يكون نجاحه نجاحا للعائلة كلها؟ فلماذا إذن تُشن عليه الحرب من أقرب المقربين إليه؟

لعل الفكرة تحتاج بعض الأمثلة للإيضاح، علنا نفتت معا تفاصيل المشهد ونعرف ماذا يجري بالضبط. هو ذا شخص اسمه "خالد" كان يسعى لدورة تدريبية مكثفة في مجال عمله، وكان يشتكي من التجاهل في العمل من قبل رؤسائه، ولذا عنى له شأن الحصول على الدورة شيئا مهما لإثبات الذات وفرصة للترقية. كانت زوجة "خالد" على فهم كامل لحاجة زوجها لهكذا دورة تدريبية. وكانت في حقيقة الأمر قد ساهمت في تشجيعه لنيل ما يريد من فم الأسد. كانت داعمة له إلى أن جاءت الدورة التدريبية لتصبح –لاحقا- وكأنها أكثر من يتمنى إفشال الأمر!  في اليوم الثالث للدورة التدريبية المكثفة التي عقدت في مسقط وكان مقررا لها أن تستمر أسبوعا واستلزمت التركيز و"الدوام" صباحا ومساء، بدأت الزوجة –التي تعيش في "البلد"- بالتذمر من "غياب دعم" زوجها لها وأنه لا يعبأ بها وأنه "سبب حزنها في الحياة"! لم يكن أي شيء قد استجد في حياتهما سوى أن أمها قد مرضت خلال تلك الفترة، وقد رأى "خالد" الأمر في إطار العادي لأنه متوقَعٌ من كبار السن أن يمرضوا، لاسيما أن في عائلته بعض المرضى المزمنين ومع ذلك فالحياة دائما تسير ولا تتوقف. إلا أن مرض الحماة، على ما بدا لـ "خالد"، هو الذريعة التي اتخذتها زوجته لخلق مشكلة أسرية أثناء خوض الزوج لتحدٍ رئيسي في حياته كان يتمنى أن تكون زوجته خير داعم له أثناءه—على الأقل لأنها كانت تدعم الفكرة لحين تحققها!

ثمة مثال آخر يخص صديقا لي. توقف "أبو محمد" عن التدخين. كنت أعلم أنها رغبة قديمة لديه لم تواتِه الإرادة الكاملة لتحقيقها إلا خلال هذه الفترة. إلا أنه فاجأني بالقول: تصور إن زوجتي زعلانة عشان تركت التدخين!
لماذا؟ (سألتُه)، فأجاب: تقول إنها زعلانة لإنها ما كانت هي السبب وراء تركي للتدخين، وإنما كان ولدي "محمد" لإنه كل يوم يجيب لي من المدرسة منشورات عن أضرار التدخين. أنا استحيت من ولدي وحبيت أكون قدوة حسنة. بس المدام زعلانة. هي دومها ما يرضيها إلا إنها تكون وراء كل شيء في حياتي حتى لو ما صحيح. ليش هذا كله؟
أما "ليش هذا كله"، فذا هو سؤال الأسئلة جميعها!

الفروقات في السلوك وأنماط التفكير وردود الفعل على الموقف الواحد كبيرة جدا بين الرجال والنساء، وهذا ما حدا بالدكتور "دون جري" إلى القول أن "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، ولكنه أيضا قال أن التقليل من الفروقات ممكن من خلال إدراك وجودها. أي إدراك أننا حقا جنسين مختلفين وأن استجابتنا للموقف الواحد من الطبيعي أن تكون مختلفة. بعض جوانب الاختلاف تعود لاختلاف الجنس نفسه وما يعنيه ذلك من اختلاف وظائف الدماغ وقدراته واختلاف الهرمونات والمركبات الكيميائية بين الذكر والأنثى. إلا أن ثمة اختلافات أخرى تلعب فيها الثقافة والمجتمع دورا أكبر. من ضمن هذه الاختلافات رغبة المرأة في أن تكون دوما مركز اهتمام الرجل، وأن تشعر أن لها الفضل في ما يصل إليه. وعلى النقيض من ذلك فإن ما يطلبه الرجل هو بعض المساحة وعدم سرقة منجزاته وإعفاءه من الإحاطة بالحب المطوِّق الخانق. إن علامة الحب التي يطلبها الرجل من المرأة هي المسافة النفسية البسيطة لكي يستطيع التنفس، لأن الالتصاق به يقتله ويلغي فردانيته وإحساسه الغريزي بأنه قادر على إنجاز الأشياء بنفسه. الأمر عكس ذلك بالنسبة للمرأة، فعلامة الحب لديها هي الوصال، وأن يكون الرجل قريبا أكثر يصغي إليها. ليس هناك "صح" أو "خطأ" في هذه المشاعر والسلوكيات. إنهما نمطان مختلفان من أنماط التعبير عن ذات الشيء: الحاجة إلى الحب والتفهم والقبول. ولكي لا نخرج عن الموضوع فلنجرب معا إسقاط هذه الفكرة وتطبيقها على المثالين اللذين سقناهما أعلاه. بالنسبة لمثال "أم محمد" مع زوجها الذي ترك التدخين: يبدو لي طبيعيا جدا أن يندهش الزوج مما طرحته زوجته. ذلك أن مشروع ترك التدخين خياره هو، وهو من نفذ الأمر بإرادته لأسباب موضوعية معينة ساهمت في دفع الأمر للحدوث. لماذا إذن ينبغي أن يُنسب هذا للزوجة؟ أليس في حياة هذا الرجل كائن آخر يراه ويعمل معه ويتحدث إليه سوى زوجته؟ هل على الزوجة بهذا المعنى أن تزعم أنها هي من عيّنه في الوظيفة وأنها سبب غزو العراق وأنها من سيحل مشكلة ظاهرة الاحتباس الحراري؟! تبدو كل هذه شطحات قد يستغرب القارئ (لاسيما القارئات العزيزات) أنني أجلبها في هذا السياق. إلا أن الأمر يبدو هكذا لـ "أبو محمد" لأنه قد فقد الخيط المنطقي في فهم رغبة زوجته في "سرقة نجاحه" ونسبته إليها. ذلك ما يفكر فيه هو، وما دام الأمر كذلك فإنه لن يبدو غريبا عليه أن تدعي زوجته أي شيء آخر مهما شطحت الأفكار، كأن تكون هي مثلا سبب حدوث إعصار جونو ما دامت هي السبب وراء كل شيء! ما فات صديقي أن يلاحظه هو أن زوجته مشارِكة حقيقية في مسألة توقفه عن التدخين. فهي قد احتملت تدخينه سنوات صابرة قليلة التذمر، ولم يكن ليضيرها ان تُقدَّم لها كلمة شكر وتعبير عن الامتنان على صبرها وتحملها تلك الرائحة العفنة في البيت. إن صفعة اللاعرفان هي ما يفاقم الأمر، وذلك لأن التجاهل يجعل المرء مبالِغا في التمسك بحقه. كان حريا بـ "أبو محمد" حين اتخذ قرار التوقف عن التدخين أن يبلغ زوجته عن ذلك أولا ويطلب مساندتها في الآمر، مؤكدا لها أنه بلا دعمها فسيكون الأمر قاسيا عليه. وكان عليه أيضا أن يشكرها على تحملها لتدخينه. من المؤكد أن ردة فعل "أم محمد" كانت ستختلف وستقول له: "أنت قادر على فعل ذلك. أثق بقوة إرادتك لأنك دائما مثابر وعزيمتك قوية، وهو أمر ستتغلب عليه بمقدرتك لأنك قادر على فعله". لكن ذلك لم يحصل، لا صديقي شكر زوجته وأطلعها على الأمر مسبقا، ولا هي شدت على يديه، بل هي تجاهلت مشروع توقفه عن التدخين لأنه قرار فردي تم تجاهلها في اتخاذه. إن المشكلة هي أننا حقا من كوكبين منفصلين، ولن يعرف أحد ما يريده الآخر أو كيف يتصرف الآخر. على أية حال فإن ما حدث على أرض الواقع هو عودة "أبو محمد" للتدخين (وأراهن أن أحد أسباب ذلك هو أنه قد فهم أن زوجته غير داعمة له ولا ترى أن ما قام به يستحق الاهتمام والتقدير)، ومن المؤكد أن "أم محمد" قد شعرت بالأسف على عودة زوجها للتدخين، وهو أسف لن يفهم صديقي سببه بل سيقول: "لا التوقف عن التدخين عاجبنك ولا الرجوع إليه عاجبنك، شو يعجبك بالضبط؟"! إن المؤسف حقا هو أننا نستخدم لغتين للتعبير. فلا "أم محمد" تتمنى زوجها مدخنا ولا هو يحب أن يبقى مدخنا، لكن سوء التفاهم هو ما قاد إلى خلق المشكلة.

المشكلة الأكبر هي لدى صاحبنا "خالد" الذي يخوض دورة تدريبية مكثفة صعبة في مسقط، فيما تخبره زوجته في "البلد" أنها "تفتقد دعمه وأن هذا يسبب لها الحزن". لم يستطع خالد أن يفكر في هذا إلا باعتباره هجوما موجها ضده بلا سبب وفي وقت حرج جدا يحتاج فيه إلى التركيز الكامل لينجح ويثبت ذاته. خالد لا يفهم لماذا هو مُدان وما المطلوب منه. لقد فهم أن حالة والدة زوجته مستقرة، ولذا لم يأتِ فورا من مسقط تاركا الدورة التي حلم بها وسعى إليها طويلا. إن ما يراه "خالد" أنه الآن يتم عقابه لأنه يريد تحقيق وضع أسري أفضل له ولزوجته وأبنائه. تشوّش ذهن خالد واستحضر حالات سابقة تم فيها تأنيبه لأنه يقوم بالشيء الصح. ولأنه كان وحيدا في مسقط فقد طلب تفسيرا من أصدقائه هناك، إلا أن الجميع أكدوا له أن "النساء دائما هكذا، ناكرات للجميل وخالقات للمشاكل في اللحظات الحرجة. وعليك أن تتعايش مع هذا كواقع إذا كنت تريد لحياتك الزوجية أن تستمر".

لم يفهم "خالد" الموقف كاملا بعد، ووقت الدورة المكثفة لديه لا يسمح له بالفهم، لكن كل ما يعرفه أنه قد تم إزعاجه لسبب لا يفهمه، وأن التذمرات كان بإمكانها أن تنتظر حتى يعود للقرية في عطلة نهاية الأسبوع. كل ما فهمه خالد إلى الآن أن زوجته التي تحبه لا تمانع في ذات الوقت أن تكون مصدر متاعبه. لا شك ان في الأمر خللا أو شيئا غير مفهوما، لأن هذا التناقض غير مقبول منطقيا.

لا يزال خالد يتساءل أين الخلل. ونحن معه أيضا. إلا أنّ ما نعرفه هو أن الصورة لا تزال ناقصة، فنحن لم نسمع صوت زوجته وزاوية نظرها للأمر. وإلى أن يحدث ذلك فلا ندري إلى أية درجة من السوء سيصل الأمر بخالد، فكل ما نعرفه عنه أنه قد أغلق هاتفه لأنه لا يريد إزعاجا حتى نهاية الأسبوع. لاشك أن "خالد" وزوجته بحاجة للمساعدة الآن لفهم ما يجري. فهل تستطيعون مد يد العون لهما؟ إن كان ثمة من يستطيع المساعدة فليتواصل معي بالرأي والتعليق، وإلا فلينتظر تتمة الحكاية في العدد القادم إن استجد فيها جديد!


*كُتبت في 30 يناير 2008، و نُشرت في وقتها في مجلة الرؤيا الشهرية.

01 October 2014

الإنسان العماني والدب البني.. وجبات العيد

العيد والدب البُني!


توضح مناسبات شهر رمضان والعيدين (الفطر والأضحى) أن الناس يقومون بجملة ممارسات تقودهم إلى كثرة التردد على المستشفيات خلال تلك الفترة. معظم الحالات المرضية التي تستقبلها المؤسسات الصحية خلال هاتين المناسبتين مرتبط بنتائج الإسراف في تناول الأطعمة، من آلام وانتفاخات في المعدة واضطرابات في الهضم وحالات غثيان وقيء وصداع ناجم عن عدم تنسيق الأوقات التي يتم فيها تناول الوجبات، فضلا عن ارتفاع ضغط الدم الفجائي لدى البعض –لاسيما أيام الأعياد- لكثرة تناول اللحوم الدسمة. ومع أن الناس يدركون أنّ ما يصيبهم مرتبط بتغذيتهم اللاحمة والشرهة جدا خلال هذه المناسبات والفترات، إلا أنهم لا يفعلون الكثير للتعلم من تجاربهم، إذ توجد قناعات أن هذه "الوعكات الصحية" هي ضريبة الفرح والابتهاج! إن استمرار هذه القناعات على هذا النحو عاما بعد عام هو دليل فعلي على ضعف الوعي لدى الأفراد بقضاياهم الصحية، وبما تلعبه التغذية من دور كبير في الحفاظ على صحة الناس أو الإساءة إليها وتسريع تدهورها.

لا ألوم الناس تماما حين يأكلون فوق طاقتهم خلال ليالي شهر رمضان –وهذا لا يعني أنني أتفق مع مسلكهم-، ولكني أرى في الأمر ردة فعل طبيعية للجسم بعد قضاء ساعات طويلة بلا طعام، إذ يكون الجسم بحاجة إلى تعويض ما فاته خلال تلك الساعات من أغذية –تتحول إلى جلوكوز- لتمنحه الطاقة التي يحتاج إليها للحركة والحياة. وإذا لم يكن هناك شيء يُمكن فعله إزاء مسألة الصوم، فإنه على الأقل على المرء أن يجتهد كثيرا في تنظيم طعامه خلال الليل، وذلك عن طريق خطوات بسيطة منها أن يفطر إفطارا خفيفا ثم يرتاح ساعة حتى تبدأ المعدة تستعد مجددا لفكرة استقبال الطعام وهضمه بمختلف الأنزيمات التي تفرزها. وأنْ يكون طعامه بقية الليل خفيفا، وأن تكون وجبة السحور هي الأخرى خفيفة لا تتضمن مطلقا الرز واللحم. لكن ما يفعله غالبية الناس عكس ذلك، إذ يتحول كثير منهم –مدفوعون بغريزة دفاع الجسد عن ذاته إزاء نقص التغذية الحاد الذي يتعرض له خلال النهار-، يتحولون إلى ما يشبه أسراب الجراد في التهام الأخضر واليابس، وينتهي المطاف بكثير منهم إلى المستشفيات التماسا للعلاج مما أحدثه في أجسادهم هذا التزود الفجائي بقدر كبير جدا من الطعام.

يتكرر الأمر، بصورة أكثر تكثيفا وسوءا، خلال أيام العيد الثلاثة أو الأربعة (وفقا للولايات)، وكلما طالت أيام العيد وإجازته كانت المشاكل الصحية أسوأ. فلنقل أن رجلا يزن حوالي 100 كيلو جرام، فإن وزن هذا الشخص يحتاج يوميا إلى حوالي 80 جراما من البروتين يمكن أن يحصل عليها من اللحوم الحمراء والبيضاء والأجبان والبيض والأسماك والمكسرات وبعض البقوليات مثل الفول. ولنعلم أن شريحة لحم وزنها 100 جرام تتضمن حوالي 42 جراما من البروتين، والبقية ألياف وماء ودهون. شريحة لحم ذات 100 جرام كافية كحصة يومية من البروتين لشخص يزن 100 كيلو جرام، لأنه سيأكل إلى جوارها البيض للإفطار والفول للعشاء وغيرها من الأغذية التي تُوفر له نسبة البروتين المطلوبة. لكن ما يحدث في عمان أيام العيد هو أن الفرد العماني –لاسيما الرجال- يأكل في اليوم الواحد عشرة أضعاف حاجة جسمه من البروتين، وحوالي خمسين ضعفا أو أكثر من حاجة جسمه من السكريات. سأقول حقيقة علمية صادمة: أيام العيد، يأكل الرجل العماني في المتوسط –في اليوم الواحد- ربع التغذية اليومية التي يأكلها دب جريزلي البني (دب ألاسكا الأسمر) حين يكون في ذروة ملء جسمه بالطعام وتخزين الدهون استعدادا لبيات شتوي طويل يدوم أكثر من ستة أشهر لا يأكل الدب خلالها شيئا ويستهلك –ليبقى حيا- مخزونَه من الدهون التي أكلها خلال فترة الصيف والخريف. وزن الدب الأسمر هو ثلاثة أضعاف وزن رجل عماني معياري، وهو يأكل كثيرا لأنه سيبقى ستة أشهر كاملة أو أكثر قليلا بلا طعام، فيما يأكل الكثيرون منا ربع ما يأكله في اليوم الواحد خلال فترة أيام العيد الأربعة! لو حسبناها بلغة السعرات الحرارية فإن استهلاك الرجل العماني المعياري في اليوم الواحد من الغذاء المكون أساسا من اللحم المُشحِم والحلويات هو حوالي 5000 سعرة حرارية في كل يوم من أيام العيد غنية بدهونها الضارة، أما دب جريزلي فيستهلك 20000 سعرة من سمك السالمون الغني بدهونه الحميدة! إننا لا نأكل فقط ربع ما يأكله حيوان يفوقنا في الوزن ثلاثة أضعاف ويستعد لصومٍ ليلَ نهارَ لمدة ستة أشهر، ولكنّ بعضنا يتفوق عليه في أننا نكنز أجسادَنا بالدهون الضارة والمشبعة فيما يكنز هو جسمه بالدهون الحميدة! لو كان هؤلاء دببة لما امتلأت مستشفياتنا بكل هذا العدد من المرضى خلال أيام الأعياد وشهر رمضان! إنها المفارقة الصادمة التي علينا أن نواجهها بشجاعة لكي لا نلقي كل اللوم في زيادة الحالات المرضية على الحكومة، إذ كيف يمكن مساعدة من لا يريد مساعدة نفسه؟!

29 September 2014

حول تجفيف منابع الفكر المتطرف

هل محاربة داعش ستقضي على التطرف؟

بغض النظر عن الدوافع الحقيقية للحلف العالمي المكون من 40 دولة والتي يشن البعض منها حاليا غارات على تنظيم داعش الإرهابي الممتد بين العراق وسوريا، فإن وقف زحف هذا التنظيم الإرهابي قد أصبح ضرورة عالمية، ومطلبا إنسانيا. أما الضرورة العالمية، فهي أن هذا التنظيم لديه أهداف توسعية استعمارية، والفكر الذي يتبناه هذا التنظيم يهدد السلم العالمي، وينشر روح الكراهية والعنف بشكل مقيت، هذا فضلا عن أنّ مقاتلي التنظيم الذين يعودون لبلدانهم –في الشرق والغرب- يشكلون احتمالية تنظيم خلايا إرهابية تقوم بأعمال تخريبية في تلك البلدان. أما الناحية الإنسانية التي تدعو لضرورة التصدي لهذا التنظيم، فهي أن هناك بشرا لاقوا التنكيل الحقيقي بهم في المناطق التي سيطر عليها هؤلاء المقاتلون العنيفون المتعطشون للدماء، فشردوا مئات الالوف من المسيحيين وطوائف أخرى، واغتصبوا نساء بلا حصر، وقطّعوا الرؤوس بأبشع فصل في تاريخ كتاب التعذيب عبر العصور، وفرضوا الذعر في مجتمعات كانت آمنة قبلهم. من ناحية المبدأ، إذن، كان لابد من وقف زحف هذا التنظيم، بل والعمل على القضاء عليه في المعاقل التي احتلها وألحق بها الخراب العميم وأذاق أهلها صنوف الترويع والتنكيل. ومجددا، سأتجاوز دوافع الدول المشاركة في الخطة الطويلة المدى والمكلِّفة جدا للقضاء العسكري على داعش ووقف تمددهم. سأتجاوز هذه الجزئية لأنها ليست موضوع هذه المقالة، وأنتقل لسؤالي الذي يعنيني أكثر. هل يمكن بالقوة وحدها هزيمة داعش؟

قبل أن تصبح داعش تنظيما مسلحا، كانت تيارا فكريا سلفيا. لا أستخدم كلمة سلفي هنا للإشارة لمذهب محدد من المذاهب الإسلامية، وإنما أعني بها الفكر الديني المغلق الذي يستقي رؤاه من نصوص الماضي ومرجعياته دونما مراعاة لمتطلبات العصر، والذي يَعْمَد إلى اختيار الحزمة العنيفة من نصوص الماضي وتجاهل الحزمة المتسامحة. لقد كان أصحاب الفكر الداعشي موجودين دوما بيننا في زماننا الراهن منذ مرحلة التخلص من الاستعمار الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين (هذا على أقل تقدير)، وازداد تأثيرهم تدريجيا في السنوات الخمسين الأخيرة، حتى وصل حاليا إلى مرحلة التسلح وإقامة الدولة، حين غدت الظروف السياسية ملائمة لهم. لقد كان حولنا دائما من يرهنون حياتهم بشروط الماضي، سواء من رجال الفتوى أو الدعاة أو شيوخ الدين أو الأفراد العاديين، وكان ضمن هؤلاء قطاع كبير لا يعرف إلا الركون التام لبضعة كتب ألفها بعض الأسلاف ممن لا يُفترض أن نعود إلى كتاباتهم. أولئك قالوا ما يخص زمانهم، وزماننا ليس بحاجة للعودة إليهم لنعيشه بمقتضياته التي يطلبها العصر. هذا هو الجذر الأساس للفكر الديني المتشدد. إنه الاعتقاد بأنه علينا أن نرجع في كل شيء إلى ما كتبه فلان أو أفتى به فلان أو قاله هذا النص أو ذاك. ويا ليت أنّ العودة للماضي كانت تعني العودة لكتب المتقدمين في زمنهم ومَن مثلوا رموزا للانفتاح الذهني، ولكنها عودة لرموز الانغلاق والتعصب. ببساطة، دولة داعش في لحظتها الراهنة هي تحقق عملي للفكر السلفي المنغلق. إنها رفض للحاضر. هذا الفكر وحاملوه كان دوما بيننا وتشجعه حكوماتنا ويربينا الأهل على بعض توجيهاته.  فالنظر للمرأة بوصفها عورة أو ناقصة عقل ودين، مثلا، هو جزء من هذا الفكر الشائع في الحياة اليومية. وقِس عليه العشرات من التفاصيل الصغيرة –التي تخص حياة اليوم- ولكن لا يزال البعض يريد تطبيق رأي الأسلاف فيها، كالغناء و وضع أحمر الشفاه والاختلاط والسفور وتعلّم الموسيقى والنحت والرسم الخ.. والسؤال الآن: هل أنّ هزيمة داعش في العراق وسوريا، لو تمّت، ستلغي هذا الفكر المتغلغل في مجتمعات العرب والمسلمين؟

إذا كان ينبغي محاربة داعش، وهذه –كما قلتُ منذ البداية- ضرورة إنسانية وعالمية ملحة، فإنه ينبغي بالضرورة محاربة الفكر الذي أنجبها. وهذا هو المأزق الحقيقي. يقول واقع الحال أنه لم يصدر لغاية الآن من أية هيئة إسلامية معتبرة بيان رسمي يدين فكر داعش، وكلنا نعرف الأسباب، وهي أن فكر داعش لم يأت من فراغ، لكنه أتى من بعض النصوص المؤّسسة لأيديولوجيا هذه الأمة. إن إدانة فكر داعش غير ممكنة بالنسبة لبلدان لدى كل واحدة منها مؤسسة رسمية مهمتها إخضاع حياة الناس وربط غالبية قوانين البلاد وتشريعاتها بنفس الأيديولوجيا التي يعتنقها الدواعش. لأجل ذلك، فإن الحرب على (الدولة الإسلامية) تعني في نفوس الكثيرين حربا على الإسلام نفسه، وهذا هو السبب الذي جعل وسائل الإعلام العربية تتوقف منذ انطلاق الحرب ضد داعش عن استخدام مصطلح تنظيم الدولة الإسلامية واستبداله بمصطلح داعش. إذ لو عدنا للوراء قليلا، فإن التنظيم كان قد أسمى نفسه داعش في البداية (أي الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ثم تحول رسميا إلى (الدولة الإسلامية)، باعتبار طموحه العالمي. وقد استخدمت وسائل الإعلام العربية هذا المسمى في الشهرين الماضيين. واليوم عادت لتسمي هذا التنظيم باسم داعش، فقط لكي يبدو مستساغا لعموم المسلمين الهجوم عليه بوصفه تنظيما إرهابيا، وليس بوصفه ممثلا شرعيا للخلافة الإسلامية التي يحلم بتحققها كثير من البسطاء وتتبنى فكرها وفلسفتها تلك المؤسسات الرسمية في البلدان الإسلامية المشاركة في الحرب على داعش!

لابد من التدخل العسكري لوقف تمدد داعش، ولابد منه لتحرير الأراضي والشعوب التي احتلها هؤلاء البرابرة. لكن لابد أيضا من "حرب تنويرية" ضد منابع الفكر الداعشي، وهي حرب لن تقوم بها الحكومات، إما لأنها لا تستطيع ذلك، أو لأنها لا ترغب فيه حماية لمصالح معينة. من يستطيع محاربة الفكر الداعشي ووقف إمداده بمتطرفين جددا، هم ببساطة الأفراد وأولياء الأمور، وإلى جوارهم التنويريّون من أصحاب الفكر السببي الذين يعملون على تبصير عموم الناس بالممارسات التي تخلق الفكر المتشدد. إذا تمكن التنويريون من إصلاح مناهج التعليم، وكان لهم دور في وسائل الإعلام ووزارات الثقافة ومنابر التوعية الاجتماعية، فإن طاقة مضخات توليد الفكر المتطرف ستتقلص إلى أدنى مدى ممكن. أما الأهالي، فلن يكونوا لوحدهم قادرين على تنشئة أجيال متسامحة ومتحلية بالفكر السببي طالما كانوا هم ايضا مربوطين بالماضي الذي ترعاه مؤسسات الدولية الرسمية من وزارات دينية وسواها، لكنهم سيستطيعون فعل الكثير بعد ان يبدأ التنويريون العمل. لكن هل يستطيع المفكرون الطليعيون أن يفعلوا شيئا في أوساط شعوب تنتظر بفارغ اللهفة دخول طلائع داعش إلى أراضيها لينضموا إليهم؟

اليوم.. تلجأ أجهزة الاستخبارات العربية للتنويريين ليحاربوا الفكر الداعشي بدلا عنهم. لقد كانوا بالأمس هم رعاة القيادات الفكرية التي أدت إلى نشوئه. إن الدول التي تدفع المليارات لهزيمة داعش عسكريا، عليها ان تدرك أن خططها قد تنجح فقط في السيطرة عسكريا على هذا التنظيم في العراق والشام فحسب. أما تجفيف منابع هذا الفكر في المنطقة العربية فهو يأتي بالتوقف عن دعم المؤسسات الماضوية في هذه البلدان والتي تُفرد لها حكومات هذه الدول كافة وسائلها الإعلامية وتسن قوانينها بناء على رؤاها. إن رضى دولةٍ ما بتحريم أو تجريم أي سلوك يدخل في نطاق الحريات الفردية لأسباب أيديولوجية، وقيامها ببناء قوانينها المدنية وفقا لما قاله السلف، هو بالضرورة لبنة تضاف لجهودها الجبارة في بناء الجيل الجديد من مقاتلي داعش. والعكس صحيح! وكمثال فقط، كيف تعتقد دولة مثل السعودية أنها تستطيع محاربة الفكر الذي يولد الإرهابيين، بينما توجد ضمن مؤسساتها الرسمية هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي لا تختلف في منطلقاتها الفكرية عن فكر داعش؟ وإذا كانت هيئة الحسبة مثالا كبيرا واضحا وضوح الشمس على الفكر المتشدد ضمن مؤسسات الدولة وقوانينها، فهناك عشرات الأمثلة التي لا تحصى من تفاصيل الحياة اليومية توضح أن محاربة الفكر الداعشي تبدأ في اللحظة التي تَفْصُلُ فيها الحكومات دساتيرَها ومؤسساتها القانونية عن المرجعيات الماضوية المتعارضة مع الحريات الفردية وحقوق الإنسان المعاصرة. ما لم يحصل هذا الفصل، والذي لن تفعله الحكومات يوما إلا ربما بعد ضغط شديد من التنويريين، فإن محاربة داعش في سوريا والعراق ستكون مجرد علاج جزئي لمشكلة كبيرة. عموما، الحكومات وأجهزتها الأمنية خائفون الآن من داعش، ويريدون من التنويريين أن يحاربوا عنهم في الجبهة الداخلية، ولكنهم أيضا غير مستعدين للاعتراف بأن أنظمتهم تحمي الفكر الذي تترعرع في تربته النباتات الضارة. فإلى أين تتجه هذه الحبكة المعقدة في هذا المسلسل الطويل الذي ابتدأ منذ بداية التاريخ ويتجه للاستمرار حتى الأبدية؟ 

25 September 2014

ما الذي يتوقعه عبدالله خميس هذا اليوم؟

ما الذي يتوقعه عبدالله خميس هذا اليوم؟

حين يستيقظ المرءُ منا كلّ صباح، ما الذي يتوقعه من يومِه؟ ماذا ينتظر؟ ما هي تخيُّلاتِهِ لشكل اليوم إجمالا: مُرْهِقا، ممتِعا، مزعجا، مملا، عاديا، مميزا؟ هل يحق لنا أصلا أنْ توقع مثل هذا الأمر، أم أن الدقائق تليها الساعات تسير لوحدها كيفما اُتفق، بدون أن تنتظر منا توقعا معينا؟

يحلو لي أن أنطلق في تأمل الأسئلة أعلاه من زاوية شخصية. هئنذا أسأل نفسي الآن: ما الذي تتوقعه يا عبدالله خميس من يومك؟ وماذا لو كنتَ لا تتوقع شيئا؟ هل يمكن ألا أتوقع شيئا أصلا؟ هل عدم توقع شيء فرضيةٌ ممكنة بالأساس، سواء لي أو لغيري من الناس؟

ما أتوقعه ليومي لم يبدأ منذ لحظة استيقاظي، ولكنه بدأ بما كنت أقوم به بالأمس. قبل أن آوي إلى فراشي ليلا، كنتُ أعرف أنه عليّ أنْ أستيقظ باكرا هذا اليوم. لا أستيقظ باكرا في جميع الأيام، وحتى عندما أفعل، فإنني كغيري من الناس لا أستيقظ دوما بنفس المزاج. كلنا نستيقظ بأمزجة مختلفة، فيها الكسل أحيانا، والكدر أحيانا أخرى، والترقب في بعض المرات، والقلق في أيام أخرى إذا كان يومنا سيحفل بحدث غير عادي، مثل مقابلة عمل او امتحان مهم أو اجتماع لجنة معينة لتقر او ترفض مقترحا تقدمنا به. في الغالب، قبل أن ينام المرء يستشعر بالحدس كيف سيكون مزاجه في الصباح. إنه يعرف ذلك لأنه يدرك أن غده ليس إلا امتدادا ليومه. وإذا كان عليّ أن أتحدث بالتحديد عن يومي هذا، فقد كنتُ أدرك –قبل نومي البارحة- أنه على صباحي هذا أن يكون مكللا بالإصرار. كنتُ أعرف اني أريد أن أكتب مقالة هذا الصباح، وهو أمر غير روتيني لأني أفعل ذلك مرة واحدة في الاسبوع. لكن منبع الإصرار هذه المرة هو أنني كنت مدركا أنني سأكتب مقالتي في المكتب الذي يشاطرني فيه أربعة موظفين آخرين، حيث تتضاءل فرصة التركيز التي تحتاجها عملية الكتابة إلى أدنى مستوياتها. كنت مصمما على الكتابة، ولذا، قبل أن آوي إلى عالم الأحلام ليلا، كنتُ قد وطّنتُ النفس على أن أستيقظ اليوم نشيطا.

إننا نوطّن نفوسنا على ما نشاء. هذا شأنٌ بمقدورنا القيام به. أحيانا لا نفعل، ونترك الدقائق تقودنا عوضا عن أن نتولى نحن زمام الأمور. لكن الأيام الأفضل في حياتنا هي الأيام التي نفعل فيها العكس. ها إنني أكتب مقالتي وحولي الموظفون، وهناك مراجعون، وزملاء آخرون يدخلون للسلام، وآخرون أسمع رنات هواتفهم المزعجة. لكن لا شيء يستطيع إيقافي، حتى لو ناداني المدير فلن يمنع هذا اندماجي فيما أفعله الآن. لأنني كنتُ قد قررتُ أنني أريد الكتابة. ما أريده لهذا الصباح هو بعض الإنتاجية. هو إنجاز شيء ما. هذا الشيء هو أنْ أكتب. تحديدا، أنْ أكتب في ظرف استثنائي. أنْ أكتب في يوم عمل، ليس في عطلة نهاية الاسبوع. أنْ أكتب في المكتب، وليس في البيت.

كل شيء ساهم في خلق المناخ العام ليومي كان قد ابتدأ منذ الأمس. بالأمس، وضعتْ إحدى الصديقات تدوينة لها على الفيسبوك تتساءل فيها عما إذا كان علينا أن ننتظر شيئا من يومنا أو هل علينا الحياة دونما انتظار شيء. قرأت ذلك بالأمس في وسط يومي المزحوم بخطط معدة في اليوم السابق له. قرأتُ ذلك وفكرتُ فعلا انّ هذا التساؤل هو موضوع جيد لمقالة. "ماذا ينتظر عبدالله خميس من يومه؟"، سؤال وُلِد بالأمس. أما اليوم، فكنتُ مصرا على الإجابة عليه. المزاج الذي استيقظتُ به صباحا كان مرتبطا بهذا الموضوع. موضوع السعي للإجابة على هذا السؤال. لذا، حين دخلتْ عليّ طفلتي الغرفة بعد أنْ ايقظتها المربية لتتجهز للذهاب للحضانة، وأنا ما زلتُ بين النوم واليقظة، كنتُ مهيئا لأحضنها –كما أفعل دائما- ثم أنهض بعدها فورا لفنجان القهوة. أحيانا أعود للفِراش بعد حضن الصباح لطفلتي: أتكاسل في النهوض، وأطيل أمد التلذذ بلذعة البرد التي يكون جهاز التكييف قد أشاعها في الغرفة. لكني اليوم كنتُ مهيئا لمزاج الإصرار على الإنتاجية. لذا، قبل أنْ أنهي فنجان قهوتي وأنا بالبيت، كنتُ قد ألقيتُ التحية برسالة نصية على صديقة أعلم أنها بحاجة لتحية الصباح من احدهم حتى أستحث يومها للعمل. ثم أرسلتُ لها مقطعا موسيقيا ليكون –كما آملُ- مُفتَتَحا جيدا ليومها. هكذا إذن: النشاط معدٍ! الإصرارُ قابلٌ للتوزيع على الآخرين! وبهذا المنطق، أرسلتُ رسالة مصورة لصديقة أخرى منقوش عليها كلمة (صباح التفاؤل). هذا ما كنتُ أنتظره من يومي: التفاؤل. إن التفاؤل أمر مُعد بالمعنى الإيجابي للعدوى. إنه طاقة خلاقة تشع لتنعكس على الآخرين.

الآن وأنا أسطّر ما قد يكون الفقرة الأخيرة من مقالي الصباحي هذا، أعرف بشكل عام ما الذي أنتظره من يومي. إنني أنتظر منه أن يكون مملوءا بالإنتاجية. هذا ما أريده منه. لا أريده يوما ضائعا بلا معنى. حتى صفحة الفيسبوك عليّ أنْ أملأها بالمفيد. هئنذا قد روّجت لعرض الغد (اليوم بالنسبة لك يا قارئ مقالتي) بدار الأوبرا السلطانية، أملا في ان يحظى عازف الكلارينيت باكيتيو دي ريفيرا بالجمهور الذي يستحقه من الذوّيقة لفن الجاز. كان هذا فور تشغيلي لحاسوب المكتب. والآن إتمامُ هذه المقالة، وهناك قابلية للقيام بأمور كثيرة فيما تبقى من ساعات هذا اليوم. لا أريد ليومي هذا أن ينقضي دون شيء آخر مفيد، أنْ أكتب مادة في مدونتي مثلا، و أنْ أنجز شيئا إضافيا في العمل الذي تم تكليفي به في وظيفتي الحكومية، أو أن أتخاطب مع الرفاق الذين أحبهم بمقاطع موسيقية أخرى علها تلامس شغاف أفئدتهم، وأن أقضي وقتا جيدا مع عائلتي عند العودة للبيت، وبالطبع السعي لِأنْ لا ينتهي ليلي إلا بمشاهدة فيلم جديد من سينما العالم الخلاقة. هذا ما أنتظره من يومي، وهذا ما سأسعى إليه.

أكان ممكنا ألا أتوقع حدوث شيء في يومي هذا؟ لا، ليس بمقدوري تخيّل شيء كهذا. سواء أكان يومنا كئيبا أو متفائلا أو مليئا بالتوقعات والإثارة، فما هذا إلا نتاج ما زرعناه في أمسنا. ربما هناك أشياء خارجة عن إرادتنا تؤثر في ما سيكون عليه يومنا، كوقوع خبر سيئ لا قدّر الله، أو أننا قد نمنا بروح كسيرة لهجر حبيب أو لعدم حصول شيء كنا قد انتظرناه في أمسنا. نعم هذه أشياء تحصل، لكن القاعدة، انّ غدنا هو ما نزرعه في يومنا، ويومنا هو ما غرسناه في أمسنا. لذا علينا ألا نتوقع شيئا إلا حصاد ما بذرناه، فنحن لا نجني ثمار الآخرين، لكننا نقطفُ غرسَ أيدينا.

22 September 2014

الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها المحلي.. عام 2009م

كُتبت بالأصل في الثاني من يناير 2009.. ونُشرت في وقتها في مجلة الرؤيا.


سنة صعبة يا جميل!

يتوعدنا خبراء الاقتصاد حول العالم بأن سنة 2009 ستكون صعبة على الجميع في مختلف بلاد العالم.. فالصورة التي يروجها الإعلام هي أن النصف الأول من 2009 على الأقل –إن لم يكن السنة بكاملها- سيشهد المزيد من الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية. إذ من المتوقع انهيار بعض الصناعات أو توقف نموها، وأن تقوم بعض الشركات بتسريح موظفيها أو تكف عن تعيين موظفين جددا وهو ما يعني ارتفاع نسبة البطالة، فضلا عن ذلك فإن بعض الدول ستجمد الكثير من برامجها التنموية وتعلق تنفيذها حتى إشعار آخر، أما أصحاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة فهم مهددون بفترة صعبة وبتقلص فادح في الأرباح وربما تغلق الكثير من المؤسسات الصغيرة أبوابها. ليس السؤال هنا عما إذا كانت هذه النبوءات جميعها صادقة ولا عن إلى متى يمكن أن يدوم الوضع هكذا، لكن السؤال الذي يطرحه المرء هو: ألا يمكن أن تعود الأزمة الاقتصادية العالمية ببعض النفع على البسطاء؟ إلى أي مدى سيتأثر المواطن العماني سواء أكان موظفا حكوميا أم في القطاع الخاص أم باحثا عن عمل بآثار الأزمة الاقتصادية على الصعيد المحلي؟ أليس لكل أزمة جانب خفي مشرق يمكن أن يحمل في طياته الأمل بغد أفضل؟ وهل علينا أن نتوقع 2009 سنة صعبة حقا أم أننا سننجح في اجتيازها بأقل الخسائر؟
          لغاية الآن تبدو الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية واضحة على فئات محددة فقط من المواطنين منهم أصحاب الأسهم في أسواق المال الذين سجلوا خسائر قد لا يكون من السهل تعويضها قريبا، كما تضرر سماسرة الأراضي والعقارات بانخفاض أسعار الأراضي والبيوت بشكل واضح في بعض مناطق السلطنة.. وهذه النقطة بالتحديد لها جانبان.. فمن خسروا هم في معظمهم من  السماسرة الذين أذاقوا الناس العذاب في السنتين الماضيتين بممارساتهم الجشعة في أعمال المضاربات التي أدت إلى ارتفاع جنوني في أسعار الأراضي والمنازل بلا سبب وجيه. إذا أردنا الصراحة فإن هؤلاء يستحقون الخسارة لأن ممارساتهم كانت من الأصل غير شرعية ولا أخلاقية، بل كانت على العكس من ذلك، مضرة بعموم الناس.. شهد عام 2008 أزمة ارتفاع أسعار البيوت والأراضي بحيث أصبح المواطن العماني ذو الدخل البسيط والمتوسط غير قادر مطلقا حتى أن يحلم ببيت يأوي فيه أسرته. لا أخجل هنا من أن أتخذ نفسي مثالا لمن أيقنوا أنه بسبب جشع السماسرة وتقصير جهات الاختصاص في كبح ظاهرة غلاء الأسعار قد فقدوا الحلم بأن يكون لديهم منزل صغير يؤويهم على هذه الأرض التي أشبعها التجار الجشعون غلاءً وحولوها إلى مكان لا يستطيع أبناء البلد أن يجدوا لهم موطئ قدم فيه. إذا أخذنا خريج الجامعة مثالا للحديث، وهو الذي ينال مرتبا يصل حاليا نحو 620 ريالا بعد مرور 5 سنوات على تعيينه بإحدى الوزارات الحكومية، كيف لشخص مثل هذا أن يحلم يوما ببيت يبنيه أو يشتريه جاهزا في ظل حقيقة أن أرخص بيت جديد في مسقط مكون من طابق واحد قد وصل سعره بنهاية عام 2008 إلى 80 ألف ريال عماني؟ إذا كانت أعلى سلفية يمنحها بنك محلي مقدارها 80 ضعفا للمرتب، أي حوالي 50 ألف ريال لمن يبلغ راتبه 620 ريالا شهريا، فماذا تفعل هذه النقود إذا كان أرخص بيت من طابق واحد، في العامرات تحديدا—وهي أرخص مكان متاح في مسقط، يصل سعره إلى 80 ألفا؟ ماذا تفعل 50 ألفا إذا كان سعر الأرض في العامرات في المناطق التي وصلتها الخدمات قد فاق الثلاثين ألفا؟! ما حصل في 2008 هو الجنون بعينه، ولقد نجح التجار ومن يقف خلفهم من مستغلي المناصب في خداع الناس بأن ذلك كان نتيجة للغلاء العالمي.. إن الغلاء المحلي كان معظمه في حقيقة الأمر نتيجة لتصرفات جشعة لم تجد من يلجمها فاستفحلت وتوحشت وكادت أن تجعل من عمان بلدا غير ممكن السكنى للعمانيين!
          قادت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ركود في سوق العقارات في الدول الغربية لامتناع البنوك عن الإقراض وتخوف الناس من العجز عن سداد أقساطهم إذا ما اشتروا عقارا مرهونا، أما في بلداننا الخليجية فإن آثار الأزمة الاقتصادية على سوق العقارات لا زالت جزئية.. لقد انخفضت أسعار الأراضي بعض الشيء في المناطق غير الخدمية، كما رخصت قليلا أسعار البيوت في بعض المناطق، لكن غالبية المناطق لم تتأثر بعد لكون أن السماسرة لازالوا قادرين على المناورة بانتظار ما ستسفر عنه الشهور القريبة القادمة.. يعود السماسرة مرة أخرى ليكونوا اللاعب رقم واحد في فترة الأزمة المالية العالمية مثلما كانوا أنفسهم اللاعب الأول في فترة طفرة ارتفاع الأسعار عامي 2007 و2008. لم يتغير شيء بعد في عقلية هؤلاء، فجيوبهم المتخمة بالمال وأدمغتهم المثخنة بالجشع لا زالت كما هي. إنهم يفضلون أن تظل البنايات التي بنوها خاوية على أن يبيعوها أو يؤجروها بأسعار معقولة، رغم علمهم المسبق بأن الأسعار التي يضعونها لهذه العقارات مبالغ فيها وتمثل صورة صريحة من صور الاحتكار والجشع والإضرار بمصالح الوطن والمواطنين. لا يعرف المرء إلى متى سيستطيع هؤلاء المقاومة قد أن يبدأوا بالرضوخ لضغوطات السوق والواقع ويخفضوا أسعار العقارات ويعودوا بها إلى المبالغ الفعلية التي تستحقها. إنه لا معنى بالمرة أن تكون قيمة أرض صغيرة في المعبيلة 60 ألفا فما فوق. هذا الرقم غير منطقي بكل المقاييس ولا يعني شيئا سوى أن الجشع والاستغلال قد وصلا أبعد مدى ولم يجدا ضوابط أو قوانين فاعلة تكبح جماحهما وتضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة لتلك الفئة المحدودة من ملاك العقارات الذين يريدون الثراء الفاحش –وليس الثراء المعقول والمشروع- ولو على حساب مئات الألوف من ذوي الدخل المحدود والمتوسط. إن إحدى إيجابيات الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة بالنسبة للإنسان العادي هي احتمالية انخفاض أسعار الأراضي والبيوت بحيث تعود لأسعارها الحقيقية الطبيعية وتصبح في متناول يد الطبقة المتوسطة من المواطنين. إن الجشع الحالي في الأسعار يؤدي إلى تحول الطبقة الاجتماعية الوسطى إلى طبقة فقيرة، وهو أمر مزعج للغاية كون الطبقة المتوسطة هي طبقة المتعلمين والخريجين الجامعيين والمثقفين المعوّل عليهم المساهمة في مجالات الإبداع المختلفة من سياسة وعلوم وأدب وطب وغيرها، وانهيار هذه الطبقة وتحولها إلى طبقة فقيرة من العمال الكادحين يعني غوص الاقتصاد في نمط الأشغال اليدوية البسيطة وبالتالي غياب الإنتاجية والمبادرات الخلاقة، وهو ما يعني تحول المجتمع إلى طبقتين فقط وليس ثلاثا هما طبقة الأرستقراطيين ذات الأقلية العددية البسيطة التي تتحكم في مصير الطبقة الثانية المكونة من الشغّيلة والعمال البسطاء. إن هذا السيناريو مرعب لأنه يعني وجود نظام قائم على ثنائية المالك والأجير مع غياب الطبقة الوسطى التي تصنع التوازن الحقيقي في أي مجتمع. حين يفكر المرء بأن لكل شيء جانبا مشرقا، حتى للكوارث، فإن الحسنة المأمولة للأزمة الاقتصادية العالمية على الصعيد المحلي هي أن نشهد عودة الطبقة العمانية الوسطى إلى ممارسة دورها الطبيعي الذي كان موجودا ذات يوم قبل استفحال جشع الإقطاعيين الجدد من التجار والسماسرة. إن أول ما يحتاجه أفراد الطبقة الوسطى هو تأمين متطلبات الحياة الرئيسية وعلى رأسها المسكن الملائم، فبدون هذا لن تكون الطبقة الوسطى وسطى ولكنها ستكون معدمة حالها حال الطبقة الدنيا. يأمل المرء صدقا أن تعصف الأزمة الاقتصادية العالمية بغطرسة الجشعين من الاحتكاريين ممن لم يفعلوا شيئا في السنوات الماضية سوى تهجير العمانيين إلى كافة دول الخليج بحثا عن لقمة العيش بعد أن انسدّت في وجوههم كافة أبواب الرزق في بلاد ثرية يفتَرض بها أنها قادرة على إعالة أهلها!
          قد تعاني الطبقة الدنيا أكثر في عام 2009، فالأيدي العاملة الافتراضية –أي التي هي حاليا خارج سوق العمل- والتي من المفترض أن تعمل في المهن ذات الخبرات البسيطة قد تزداد في أوساطها نسبة البطالة، وما يخشاه المرء أن تبدأ بعض الشركات فعلا في تسريح عدد من عمالها. إن أمنية المرء هنا هي ألا تدوم الأزمة الاقتصادية العالمية طويلا، كما أن بعض العزاء سيتحقق لو أسفرت هذه الأزمة عن نيل الطبقة المتوسطة بعضا من حقوقها المسلوبة حاليا وعلى رأسها حق المقدرة الشرائية لامتلاك منزل. على أية حال فإن انخفاض السلع الأساسية –وعلى رأسها المواد الغذائية- أمر متوقع كإحدى ثمرات الأزمة المالية الدولية.. قد يفيد هذا الانخفاض الطبقة الدنيا ويخفف من أعبائها. لقد بدأنا نشهد فعليا انخفاضا طفيفا في أسعار بعض السلع الاستهلاكية، وهو ما نتمنى له الاستمرارية من أجل البسطاء من الناس الذين أرهقهم الغلاء ووقفت الجهود المبذولة قاصرة عن فعل شيء جذري وفعال للتخفيف من معاناة الناس.
          هي سنة صعبة علينا مثلما هي صعبة على بقية العالم، ولكن هناك أمل في أن يستفيد منها البعض في استرداد بعض حقوقهم المسلوبة المتمثلة في توافر مسكن –تمليكا أو استئجارا- بأسعار مناسبة، وكذلك القدرة على الحصول على المواد الاستهلاكية الأساسية بأسعار لا تحوّل حياة الناس إلى جحيم.. إن جميع مؤسسات الدولة مدعوة للنظر إلى سنة 2009 باعتبارها سنة للوقوف إلى جوار المواطن البسيط، وليس المطلوب أكثر من بعض الرحمة بالناس وذلك بالوقوف في وجه سماسرة الأزمات ومستغليها من ملاك العقارات وملوك المضاربات المتوحشة على الأراضي والعقارات واللحوم والأسماك وحليب الأطفال.

21 September 2014

عن أوبرا (مكبث) بدار الأوبرا السلطانية

حين تحركتْ غابةُ بِرنام بدار الأوبرا السلطانية!


بواحدة من أهم تراجيديات وليام شكسبير الكبرى، وبأحد أهم أعمال جوزيبي فيردي عند تأليفهِا (إذ كان عُمر مؤلفها 34 عاما فقط آنذاك)، افتتحت دار الأوبرا السلطانية مسقط موسمها الجديد 2014 / 2015 بعرض أوبرا (مكبث)، المبنية على نص أعده فرانسيسكو ماريا بياف عن المسرحية المعروفة. مسرحية (مكبث) عمل عميق، خالد، عن النفوس المعقدة التي تضحي بسلامها الروحي من أجل السُلطة، وليس مُهمّا لديها مقدار الدماء التي تتخضب بها يداها في سبيل الحفاظ على السُلطة. هذا الصراع الدرامي العميق ما يزال يُلهم اليوم مخرجين مسرحيين وسينمائيين عديدين لإعادة إنتاجه، إلا أنّ أوبرا فيردي هذه تضيف لعظمة النصِ الموسيقى المذهلة، والأداءَ المستحدثَ في أسلوبه الفني. أما إنتاج فرقة مسرح (فيردي تريستي) التي قدمت هذا العمل بدار الأوبرا السلطانية، فهو أخاذ بصريا وإخراجيا، وحابس للأنفاس على صعيديْ الإضاءة وتصميم المناظر.
سأقتبس تلخيص حكاية أوبرا (مكبث) من مقالة نشرها مؤخرا د. ناصر الطائي مستشار دار الأوبرا السلطانية للتعليم والتواصل المجتمعي، بتصرف محدود للغاية. تدور أحداث أوبرا "مكبث" في مقاطعة موراي في شمال أسكتلندا. تبدأ الأوبرا بالجنرال مكبث وصديقه بانكو اللذين تستوقفهما مجموعة من الساحرات وهما في طريق العودة من موقعة كبيرة، وإذ بالساحرات ينادين مكبث بلقبه الجديد لورد كاودور ثم بالملك. أما بانكو فألقين عليه التحية قائلات: "ستكون أقل شأنًا من مكبث وستكون موفور السعادة!" وتنبأن له بأن أبناءه من بعده سيكونون ملوكًا. وتحقيقا للنبوءة، تساعد الليدي مكبث زوجها على قتل الملك دنكن وتكتمل الجريمة بإدانة حارسي الملك النائمين بعد تلطيخ أيديهما بالدماء.
في الفصل الثاني نرى مكبث وقد أصبح الآن ملكًا ولاذ مالكوم ابن دنكن بالفرار. يسعى مكبث الذي تسيطر عليه نبوءة الساحرات حول مستقبل بانكو إلى قتل بانكو هو الآخر وابنه، إذ قالت الساحرات أن أبناء بانكو سيصبحون ملوكا لاسكتلندا. وبالفعل يلقى بانكو مصرعه فيما يتمكّن ابنه من الهرب. في إحدى مآدب الطعام، ليلة مقتل بانكو بتدبير من مكبث، تغني الليدي مكبث أغنية عن الشراب، ويبدأ مكبث بالهذيان حيث يرى شبح بانكو جالسًا مكانه على العرش. يعتقد الضيوف أن مكبث قد فقد صوابه على الرغم من محاولة الليدي مكبث إعادة النظام.
في الفصل الثالث، تعود الأحداث مرة أخرى الى عالم الساحرات المظلم إذ يجتمعن في كهف ويبلغن مكبث بثلاث نبوءات: أنْ يحذر من ماكدف (أحد القادة المخلصين للملك المغدور به دنكن)، وأنه لا يمكن لأي رجل ولدته امرأة أن يُلحِق الأذى به، وأنه لن يُغلَب إلا إذا تحركت أشجار غابة بِرنام وجاءت إلى قلعته.
وفي الفصل الأخير، يصر ماكدف على الانتقام لزوجته وأطفاله الذين لقوا حتفهم (على يد مكبث)، وينضم إليه كل من مالكولم ابن الملك دنكن والجيش الإنجليزي الذين يحملون فروعًا من أشجار غابة بِرنام متخفين خلفها، وينقضون على قوات مكبث.
كانت مسرحية (مكبث) مغرية دوما للمخرجين لتقديمها، لعمق موضوعها، وقوة البُعد السيكولوجي فيها. فمكبث والليدي مكبث تقودهما أطماعهما لارتكاب الجرائم، إلا أنّ كل جريمة يرتكبانها –للحفاظ على العرش- تزيد عذاب ضميرهما أكثر فأكثر. وكل جريمة لابد من التغطية عليها بجريمة أخرى، حتى يولغان تماما في الدماء، ولكنهما أيضا يوغلان في الهلاوس والخوف، وينسيان راحة البال تماما، بل وينسيان النوم. في الفصل الرابع من الأوبرا التي لحنها فيردي، ثمة مشهد مهم آسر. الليدي مكبث تسير وهي نائمة (مُسَرنَمة)، وتهذي بالكيفية التي لطّخت فيها يديها بدماء الأبرياء. يراها الخدم ويسترقون إليها النظر، وهي تسير مفتوحة العينين لكنها لا ترى شيئا. ثم تقوم بغسل يديها دونما ماء، في ذروة لحظات تأنيب الضمير، إذ تعتقد أن ذلك سيطهر يديها مما أراقته من دماء. لقد كانت الليدي مكبث أقوى شكيمة من مكبث، فقد بدا مكبث مترددا منذ البداية في ارتكاب الجرائم، لكن نبوءات الساحرات بأنْ يصبح ملكا كانت تغريه. وحين كان يتردد في القتل، كانت الليدي مكبث هي المحفز له، بل تُكمل جرائمه التي لا ينجح هو إلا في ارتكاب نصفها وتركها مُعلّقة. هذا ما يحدث في اليقظة، على مستوى الوعي: تكون الليدي مكبث الأكثر إصرارا على ارتكاب الجريمة بدم بارد. لكن على مستوى اللاوعي، فإن العذاب والندم يفعلان بها الأفاعيل، فيحرمانها حتى من النوم، لينتهي بها المطاف وقد قتلت نفسها لأنها لم تعد تحتمل أكثر!
المشهد الذي تسير فيه الليدي مكبث مُسَرنَمة، كان أكثر مقاطع الأوبرا لفتا للنظر بالنسبة لي من الناحية الموسيقية. لقد كان أطول مشهد تستمر فيه الموسيقى دونما غناء أو حوار (باستثناء مقدمة الأوبرا overture). وقد كانت الموسيقى مسترسِلة، ممتدة، مسافرة في حلم طويل. لستُ موسيقيا لأصف الأمر بكلمات أكثر تحديدا، لكنْ يمكنني القول أنّ موسيقى هذا المشهد كانت مسرنمة هي الأخرى. على أية حال، فقد شكلت أوبرا (مكبث)، منذ تقديمها لأول مرة، تحديا لمغني الأوبرا، وذلك بسبب طبقة الصوت المطلوبة لليدي مكبث ولمكبث ايضا. فبخصوص الليدي مكبث، فالأمر بحاجة لمغنية تؤدي بطبقة تجعل صوتها معبرا عن طاقة الشر الكامنة لدى الليدي مكبث، وهو أمر صعب للغاية، إذ انْ ذلك يتنافى ظاهريا مع فكرة "الصوت الجميل". السهل هو إيجاد مغنية تجعل صوتها يبدو كما لو أنه قبيح، ليحاكي روح الشر المنشودة. لكن مسألة "كما لو أنه" هي ما شكلت تحديا لفيردي ومن أتوا من بعده. المطلوب هو الشر، وليس محاكاة الشر. لذا يمكنني القول أن السوبرانو المجرية سيسيلا بوروس التي أدت دور الليدي مكبث في عرض دار الأوبرا السلطانية كانت مذهلة بحق.
يقول د. ناصر الطائي في مقالته المشار إليها: فيردي كان يعي تمامًا الأهمية التاريخية التي تمثلها مسرحية شكسبير، ولقد كتب إلى فرانشيسكو ماريا بياف، مؤلف نص عمله الأوبرالي قائلًا: "إن هذه التراجيديا هي أعظم ما أبدعه قلم إنسان! وإن لم نستطع أن نصنع منها شيئًا عظيمًا فدعنا نحاول على الأقل أن نصنع شيئًا مختلفا". إن الساحر الوحيد الذي يبدو أنه لم تواجهه مشكلة في عرض أوبرا (مكبث) هو هينينج بروخاوس، مخرج العمل، إذ قدم عرضا مبهرا وظف فيه الإضاءة والديكور بشكل يأخذ الألباب. لقد جعل بروخاوس غابة بِرنام تتحرك فعلا على خشبة المسرح، في مشهد مهيب، وأعطى مَشاهد الليل حقها من الوحشة، وجعلها "كناية عن الجانب المظلم من حياتنا ومن الإنسانية" (كما يقول بروخاوس نفسُه). كما كان الإخراج ثريا بصريا في مشاهد الساحرات أثناء طقس إلقاء نبوءاتهن. أما صور الجماجم التي امتلأ بها الديكور، فكانت انعكاسا لعتمات الشر وظلام الفوس، وقد أضافت بعدا "أخلاقيا" للعمل، وربطت واقعنا المعاصر –المملوء بالرؤوس المقطوعة- بهذا العمل المثخن بأساطير الساحرات والعرافات.
لا يزال عرض (مكبث) مستمرا ليوم غدٍ الإثنين على مسرح دار الأوبرا السلطانية مسقط، وهو عمل لا يمكن تفويته. أما فنانو المسرح والدراما في بلادنا، فعليهم بالقطع أن يجعلوا مشاهدته مساء الغد على رأس قائمة أولوياتهم –إنْ لم يكونوا قد فعلوا ذلك فعلا-، لأن عملا كهذا قد لا يتكرر في القريب العاجل. وستبقى أنّة الليدي (مكبث) ماثلة في نفوسنا إلى أمد بعيد، وهي تزفر بمرارة: "إن جميع العطور العربية لن تكفي لغسل يديّ الآثمتين". لا شيء آخر سيعصم حياتنا من الوقوع في المزيد من الآثام.. سوى الفن.

19 September 2014

كلُّ النساءِ تُحيلُ إليكِ

كلُّ النساءِ تُحيلُ إليكِ




وأنا أفتحُ فَصّ السُوتيانِ
حَضَرَتْ في رأسي سبعُ نساء!
اللعنة!
واحدةٌ همستْ في أُذُنيْ شيئا عن كيفَ أطوّعُ جسدَ الأنثى
ليكون لهيبا، وحشا يزأرُ بالشهوةِ.
إني يا صاحبتي.. -والشكر لنصحكِ موصولٌ- أعرفُ كيف يصير الجسدُ لهيبا
لا أحتاجُ سوى أن أعطيه الوقتَ الكافي
حتى يتفتحَ كالزهرةِ، ويفوحَ عبيرا.
هل أخبرتُكِ يوما، ونحن نثرثر في سَهَرٍ عن كيف يُربّي المرءُ الشهواتِ، هل أخبرتكِ كيف أحبُّ الجسدَ الفوّاحَ، وما يزعجني عَرَقٌ أو عطر، فالكل بِعُرْفِ الحب سواء؟
هل أخبرتكِ أني أسعى.. أبحثُ أصلا عن هذا العَرَقِ الناضحَ في الأنثى
فهو العطرُ لروحي في خفقاتِ الرعدِ وجلجلةِ الأنواءْ.
فدعيني الآنَ يا صاحبةٌ
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.
* * *
ولقد حضرتْ أنثىً أخرى
وأنا أرشفُ هذي الحلماتِ.. حضرتْ في رأسي أنثىً أخرى
كانت تجلسُ قربي في مقهىً ذي ضوءٍ هادئْ
كانت شاردةً، وأنيقةْ
ما كان الميكَبُّ بوجنتها أكثرَ مما يحتاجُ الأمرُ ليُشرقَ فِطْريُّ حلاوتها
والصمتُ على الشفتينِ أباحَ خَفِيّ الرغبةِ
تلك الرغبةُ والحرمانُ كانا سرا تحرسه نظراتٌ شاردةٌ.
كانت ضجرى حتى من هاتفها!
وبقيتُ أنا في الطرفِ الآخرِ من ذاتِ المقهى.. أرقبُ عبقا يتصاعد في الجوِّ
عبقا لا يدركه سوايَ
عن أنثىً شاردةٍ وتفيضُ أنوثة.
ما بالُ العبقِ يلاحقني الآنَ، وأنا أحضنُ أنثاي –الآنَ-
أنثى العمرِ الدائمِ
والسوتيان على الجانب منطرحا؟
يا العبقُ الآتي من أنثىً شاردةً في مقهى
لستُ الآن أناديكَ، ولا أدعوكَ
فأنا في عبقٍ آخر يغمرني حدَّ الدوخةِ
عبقُ العودةِ للُّقيا
عبقُ عناقٍ مشتعلٍ، مع أنثى حين أقبّل شفتيها
تَسكرُ روحي.. تتحدُ الروحانِ
ونغدو حقلا من زهرٍ شفافٍ
يتماوجُ طربا في الجنةْ.
فدعينا الآنَ –فتاةَ المقهى-
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.
* * *
ولقد حَضَرتْ أنثى ثالثةٌ –حين بمص النهدِ هممتُ-
وجاءتْ رابعةٌ، ولسانانِ كانا قد سَكِرا وانتشيا
وجاءت خامسةٌ، وذراعانِ اعتصرا جسدا مِطواعا، قد ذاب كما الشوكولا
وعَبَرَتْ بالرأسِ فتاةٌ سادسةٌ، تتلوها سابعةٌ
فكل فتاةٍ –دوما- تأخذني نحو امرأةٍ أخرى!
لكني- أقسمُ بإلهٍ يشرقُ من روحكَ يا أنثايَ المحبوبةَ-
لا أنظرُ. لا أصغي. لا أتحققُ إلا وأنا  في كُنهُكِ.
معطوبٌ إلا في حضنكِ
لا قيمةَ لي إلا وفمي يهمسُ بالآهٍ والعرقُ المنعشُ يُنشِينا
أبوسُ الإبطَ –ما أشهاهُ- وما أشهى لثمَ الصدرِ، الأنفِ، الرُكبةِ، لعقَ أصابعَ قدميكِ
وأعودُ صعودا للإبطِ.. يا للفتنة!
هل أخبرتِك يا أنثى وَلَعِي، ونحن نُرَخِيّ ذاك السوتيانِ الشفّافِ، هل أخبرتُكِ يوما كيف أحبُّ الجسدَ الفواحَ، وما يزعجني عَرَقٌ أو عطرٌ، فالكلُّ بِعُرْفِ الحبِ سواءْ؟
هل أخبرتكِ أني أسعى.. أبحثُ أصلا عن هذا العَرَقِ الناضحَ في الأنثى
فهو العطرُ لروحي في خفقاتِ الرعد وجلجلة الأنواءْ
فخذيني الآنَ -يا قُبلةُ روحي-
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.