Showing posts with label خارج اللعبة-1. Show all posts
Showing posts with label خارج اللعبة-1. Show all posts

22 November 2014

خبزٌ عَفِن

خُـبْــزٌ عَـفِـن*



الخبز يفسد في مطبخي، حتى والكيسة لم تُفتح بعد!
* * *
أعاني فقرا مُدقعا في عدد أصدقائي
إنني بحاجة لأصدقاء جدد. من أين آتي بهم؟
بل أين ذهب الأصدقاء القدامى؟!
* * *
بحاجة إلى حاسوب جديد لأن الحالي قد شاخ
ماذا أفعل بحاسوب جديد، وأنا قد شختُ أيضا؟!
* * *
إذا استبعدتُ الحبَ كشرط للزواج لغياب من تبادلني إياه، واكتفيت بالاستلطاف ....................
.......................................
.......................................
............ وحتى لو التقيتُ بفتاةٍ أستلطفها وتصلح لي كزوجة
الاستلطاف لا يستحق تجديد سلفيتي البنكية
الحب يستحق. الحب يستحق كل شيء.
* * *
أريد شراء سيارة جديدة. رغبة ملحة هذه الأيام.
ولكن، لماذا وأعطال الحالية قابلة للتصليح بواحد بالمائة من تكلفة شراء سيارة جديدة؟! أظنني سأغير السيارة لا لأنني مللتها، ولكن لأنني مللتُ نفسي بداخلها (لا أستطيع أن أغيّر نفسي) كما مللتُ المشاوير التي تأخذني إليها لا إلى غيرها كل يوم. هل سيارة جديدة تعرف دروبا جديدة لم أطرقها من قبل؟
* * *
السينما هي الشيء الوحيد الذي أشتهيه الآن
لكن كل الأفلام المعروضة رديئة
عليّ عدم الذهاب لتظل الشهوة قائمة.
* * *
"نهاري مع الناس، حتى إذا بدا لي الليل
هزتني إليك المهاجعُ"
صح لسانك يا طلال
* * *
ومع أنني بصفة عامة ضد زواج الرجل من امرأتين
إلا أنني ساعدتُ صديقا للقيام بهذا
فقط إنقاذا للزوجة الجديدة من مصير مؤلم (وذلك أخف الأضرار)

تبا لها من مجتمعات: إنها لا تعلمنا فعل ما نؤمن به، إنها تعلمنا اختيار أخف الأضرار
الأضرار التي مهما خفّت، تظل أضرارا
* * *
صديقتي المتزوجة (وأم الأطفال الأربعة) قالت حين علمتْ أني خسرتُ حبّا:
- عليك أن تفرح! ذلك يعني أن حبا جديدا آت!. ليس كل واحد يُرزق نعمةَ أن يبدأ حبا جديدا مرة أخرى في حياته!
* * *
نومة الظهيرة صارت أقسى من نوم الليل. أصبح هذا نمطا تسير عليه الأمور: بدء الإغفاء يتلازم مع انقباض حاد في القلب. أحس لحظتها أن سكتة قلبية ستخترق فؤادي، وأفز من نومي مذعورا.
أما نومة الليل فتأتي سلسة في بدايتها لأن التعب رؤوف بأبنائه. لكن نهايتها تكون قفزة من على السرير قاطعة كابوسا دمويا. المتوسط قفزتان مذعورتان في كل ليلة. لو أن امرأة تنام بجواري فإنها لاشك كانت ستُذعر حتى الموت للرعب الذي يُقفّزني من فراشي. ولكن يا صاحِ، لو كانت ثمة امرأة بجواري لما كنتُ أصلا سأقفز مذعورا من فراشي!
* * *
من أين يأتي كل هذا العنف في أحلامي؟
لاشك أنني أبذل جهدا كبيرا لكي أبعده عن واقع حياتي، طوال النهار!
* * *
قبيل نومي، كثيرا ما أفكر بترك باب الشقة غير مقفول بالمفتاح. وذلك إذا متّ فلن يصعب عليهم اكتشاف جثتي قبل تعفنها. أريدهم أن يجدوا جثتي يوم وفاتي، لا بعد ذلك بأيام.
كثيرا ما فكرتُ في فعل ذلك، لكني أخاف القيام به. وينتهي بي الأمرُ النومَ وبابُ شقتي مُقفل بالمفتاح.
أخاف أن أتركك يا بابُ مفتوحا لكي لا يكون ذلك نذيرا حقيقيا بموتي اليوم.
لا أريد أن أموت، ولتتحلل جثتي مائة مرة لغاية اكتشافها، ولكن يا موتُ امهلني اليوم، اليومَ أيضا!
* * *
ربما هو الشعور بالوحدة ما يدفعني للتفكير باقتناء قطة منزلية. لا، بل قطتان. قطة واحدة ستشعر بالوحدة. قطتان، هذا جيد. قطة بدلا عن امرأة. علّق أحد الخبثاء: الأمور تبدأ بقطة وتنتهي بنمرة! وأضاف من هو أخبث منه: ودورك أنت يا عزيزي هو الترويض! قلت: ترويض نفسي، ربما، أما عدا ذلك فلا أؤمن بما تقولون.
* * *

حلاقة لحيتي والاستحمام: أكثر شأنين يجلبان لي الفرحة بعد إتيانهما


حلاقة لحيتي والاستحمام: آخر شأنين أتحمس أبدا للقيام بهما!
* * *
ماذا لو رميتُ نفسي للمجهول؟
هل سأتأكد حينها أن المجهول لم يُخلق بعد!
* * *
لن أعترف لأحد مهما كانت الأسباب
أن لديّ ما لم أعترف به بعد!
* * *
لا الماضي كان سعيدا، ولا الحاضر، ولا المستقبل القصير المتبقي لي.
لماذا إذن عليّ أن أتشبث بهذه الحياة؟
* * *
لم تكن طفولتي سعيدة لأفتقدها، كما أنها والحق يقال لم تكن بائسة على نحو تجاوز العاديَّ لأي طفل ولد في مكاني وزماني.
لماذا إذن كلما تيقنتُ أن حاضري بائس وخاو، يرتد بصري باحثا عن نقطة مبهجة في ماضيّ... في ماضيّ الذي بالكاد أتذكره؟ أذلك لأنني أعلم علم اليقين أن مستقبلي الباقي قصير زمنيا، وأنه مملوء بالأوبئة والديدان؟
* * *
اليوم مثلا، لم أكن سعيدا لكل هذا الوقت الذي أهدرته أمام الحاسوب لمجرد قتل الوقت. ماذا كان لدي غير ذلك لأفعله؟
اليوم مثلا. الأمس أيضا. الغد كذلك، ماذا لدي غير هذا لأفعله؟!
* * *
إلى متى سأظل أخصائي إعلام تربوي. أنا الذي ليس إعلاميا حقيقيا، ولا يعنيه الشأن التربوي في شيء!
* * *
علينا قتل الأب (غير البيولوجي). علينا قتل أب الوصاية—لاسيما أب الوصاية الذكورية. علينا جميعا قتله، ولتبدأ الفتيات بذلك أولا.
* * *
الآن قد عدتُ لعُمان وكأنني لم أسافر منها أكثر من ثلاثة أعوام. هي ذي العلامة الدامغة على العودة:
لا يشعر المرء بالخواء كما يشعر به في هذي البلد.

ها قد عدت لعمان بذات أحلام اليقظة التي عشتها فيها قبل السفر: أن أفوز بسيارة ثمينة في سحب أحد المجمعات التجارية فأبيعها وأسدد أقساطي البنكية. هذه هي عمان اختصارا: حلم يقظة سخيف لا يتحقق أبدا.
* * *
أما أصعب ما في الأمر، فهو ضرورة أن لا تعرفي أي شيء عمّا أعانيه لفقدك. لكي يسهُلَ عليكِ نسياني. ما أوجع أن أبذل قصارى جهدي لأساعدك على نسياني، أنا الذي لن أنساك يوما!
* * *
ما أكثر خبزي العفن. هل من يأكله؟
* * *
أمّا حين أترك الكيسة مفتوحة، فالخبز يجف. لذا لا أمل له حتى في أن يفسد، مثلما لا أمل له في أن آكله!
ها أني أدرك أن الخبز الجاف والعفن متساويان في واحدة: كلاهما غير صالح للاستهلاك الآدمي!
* * *
"أملنا لا شفاء منه"، بدليل أننا نتذكر ذلك فقط في لحظات القنوط!

*نصوص متفرقة كتبت في أسابيع مختلفة من عام 2006. نشرتها أصلا في مجلة الرؤيا بمناسبة دخول عام 2007. كنتُ بالكاد قد بدأت أتعافى من قصة حب فاشلة وعظيمة.

21 November 2014

من أجل أن لا يتفركش الزواج بعد كتب الكتاب وقبل ليلة الدخلة..

طقوس الزواج بين المرأة والرجل!


يُعتبر الزواج واحدا من أكبر التحولات في حياة الإنسان، فهو انتقال من الفردانية إلى الشراكة، ومن العزوبية إلى تكوين أسرة جديدة. ونظرا لأهميته فإن إجراءات الزواج نفسها تأخذ طابعا طقسيا واحتفاليا. ومهما ظن الرجل والمرأة أنهما مستقلين أو ناضجين أو أحرارا، فإن الزواج في الوطن العربي لا يتم أبدا إلا بتدخل مباشر من الأسرتين، وهو تدخل يعيد الزواج إلى جذوره الأولى الضاربة إلى إنسان الكهف. في حقيقة الأمر فإن طقوس الزواج إحدى العلامات التي تشير إلى أن الإنسان كحيوان إجتماعي لم يتغير كثيرا عن الكائن البدائي الذي كان عليه قبل 10 آلاف سنة. فاحتفال الزواج ومراسمه وإجراءاته التنفيذية من دفع مهر للعروس ودعوة المعازيم وكتب الكتاب وطقوس ليلة الدخلة، كل هذه طقوس بدائية يبدو وجودها من الناحية المنطقية غريبا على إنسان القرن الحادي والعشرين الذي يتمتع بالاستقلال النفسي والاقتصادي عن ربقة القبيلة. إلا أن الزواج يأتي ليقول أن المرء –فيما يخص طقس الزواج- لا يزال يتصرف بذات العقلية الجمعية التي كان يتصرف بها إنسان الكهف. إن المقاربة التي نجريها بين طقوس الزواج قديما وحديثا، وكذلك وصفنا لهذه الطقوس بأنها بدائية، لا يهدف، بدايةً، للإساءة لهذه الطقوس أو امتداحها، ولكنه مدخل استهلالي ضروري لنفهم من أين آلت إلينا طقوس الزواج الحتمية التي يندر أن يتم زواج بدونها. من أين أتانا شيء اسمه المهر والذهب وفستان العروس الأبيض ودعوة المعازيم وذبح الثيران؟ ولماذا لا يمكن للزواج أن يتم إلا بإشراف تنفيذي مباشر من كلا العائلتين رغم أن الرجل والمرأة قد بلغا سن النضج؟ ما هو الجيد والسيئ في هذه الطقوس؟ ولماذا تفشل العديد من الزيجات قبل إتمام كتب الكتاب بسبب تدخلات الأسرتين؟ أعني هنا لماذا لا يزال مصير رجل وامرأة مرتبطا بقرار ولي أمر البنت وبالمهر الذي يحدده أو غيره من الشروط التي قد تكون تعجيزية؟ ولماذا ينوب عن امرأة بالغة ناضجة رجل من أفراد أسرتها عند قراءة الفاتحة وإعلان المِلكة وتُقصى المرأة صاحبة الشأن عن الموضوع؟ لماذا لا يحق للمرأة أن تنظر في عيني حبيبها وهو يقول "قَبِلتُكِ زوجةً لي"، بل إنها أصلا لا يُسمح لها دخول "الصالة" التي تتم فيها عملية التوثيق القانوني للزواج؟ أليس عيبا أن تكون هناك امرأة في الثلاثين من عمرها ومع ذلك فهي غير مسموح لها أن تردد خلف المأذون جملة "قَبِلتُك زوجا" ناظرةً إلى وجه حبيبها لترى أثر هذه الجملة المصيرية منعكسا على عينيه؟ أليس عيبا أن يتزوج الرجل واضعا يده في يد رجل آخر وليس في يد المرأة التي اختارته شريكا لحياتها؟ كل هذه التساؤلات تفجرها طقوس الزواج المعقدة في الوطن العربي والتي كثيرا ما تؤدي إلى انهيار الرجل والمرأة نفسيا قبل الوصول لليلة الزفاف بسبب الاستنزاف النفسي لهذين الشخصين من قبل من نصّبوا أنفسهم أوصياء عليهم.
* * *
يمكن تقسيم طقوس الزواج العربية إلى فئتين: الأولى هي المراسم والإجراءات المرتبطة بكتب الكتاب (المِلكة)، والثانية هي الطقوس المرتبطة بالزفاف. بنظرة سريعة وبلا حاجة لكثير من الفحص يستطيع المرء أن يلاحظ أن طقوس كتب الكتاب مسألة رجالية، أو بألفاظ أخرى خيار وقرار رجاليّ، أما طقوس الزفاف نفسها فهي مسألة نسائية يتحكم في تفاصيلها –من حيث اتخاذ القرار- العروس وأمها وأخواتها وخالاتها.
ما يهم الرجل العربي في الزواج (وأعني هنا ولي أمر البنت) هو تكريس الذكورية بكافة متطلباتها وإفرازاتها. فهناك المهر وهو شيء بدائي جدا لم يعد له وجود إلا في المجتمعات الأقل تحضرا. يُسمى المهر بالإنجليزية Dowry ويسميه الأمريكيون بالعامية woman price وتعني حرفيا "سعر المرأة". ومهما كانت الجملة القادمة جارحة للنساء فإن المهر شيء مشين لأنه ببساطة عبارة عن عملية تسعير للمرأة وتحويلها إلى سلعة يبيعها مالكها الذي يسمّي نفسه ولي الأمر. لا نعرف أصلا من الذي أعطى الحق لرجل ما أن يزعم أنه ولي أمر لامرأة ناضجة فيقرر هو عوضا عنها ما إذا كان العريس المتقدم لها مناسبا أم غير مناسب! إلا أن ولي الأمر لا يكتفي فقط –عن غير وجه حق- بتقرير مصير إنسانة مستقلة وإنما يحدد السعر المطلوب لتشتري حريتها. لقد أدرك الإسلام البعد الجاهلي للمهر ولذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لعدم التشدد في هذا الأمر وقَبِل أن يكون المهر آية من القرآن الكريم. بالنسبة لي شخصيا أجد فكرة تخصيص مبلغ مالي إلزامي يسمى المهر فكرة قبيحة لاسيما عندما يتم تسليم حفنة النقود لولي الأمر (حتى لو قام هو بدوره بتسليم المبلغ كاملا غير منقوص للعروس كما يفعل بعض أصحاب الضمائر الحية). القبيح فيها أنها يتم تسليمها لشخص فرض نفسه وفرضه المجتمع وصيا على العروس، كما أن المطلب إلزامي ويكون المبلغ المطلوب عادة مغالى فيه. لا غضاضة مطلقا في مبدأ المهر لو كان الرجل يقدمه كهدية (وليس كفرض اجتماعي) مباشرة ليد حبيبته تعبيرا عن رغبته في مساندتها لبدء حياة معه—حياة لها بالطبع متطلباتها المادية. إلا أن الأسوأ في الأمر هو أنه على الرغم من الطابع القبيح للفكرة إلا أن الكثير من الفتيات يتعمدن المطالبة بمهور عالية لمجرد أن لا يكون سعر الواحدة منهن أرخص من سعر زميلتها أو جارتها التي تزوجت قبلها. إن النساء هنا يقمن بأنفسهن بتسليع أنفسهن والإقرار أنهن بضائع، وإذا كان الأمر هكذا فهل يكون هناك عتب على رجل يسيء معاملة زوجته لأنه ببساطة قد اشتراها وله حق التصرف فيها؟! هذا هو البعد القبيح لفكرة المهر الذي لا تدركه الكثير من الشابات الصغيرات. هناك فعلا رجال يقولون لنسائهم بالحرف الواحد "أنا دفعت فيش الشي الفلاني ولازم أطلّع قيمة فلوسي!". طبعا سنقول أن هؤلاء رجال سيؤون، لكن الأكثر سوءا منهم هم زوجاتهم إذا كنّ هنّ من اشترط المهر العالي فقط لمجرد التباهي أمام الآخرين والتقليد الأعمى للأخطاء الاجتماعية الشائعة. لقد تخلص الغرب من حكاية المهر، ولا عتب عليهم أبدا إن أسموا المهر "سعر المرأة" لأنه حقا كذلك.
ضمن طقوس الرجال أيضا في الزواج دعوة شيوخ العشائر وممثلي العائلة لإشهار الزواج. وهو مبدأ يهدف لترسيخ سلطة القبيلة وهرمية الأفراد بداخلها. إن الأمر ليس مجرد دعوة أفراد العائلة ليشاركوا العروسين الفرحة، ولكنه شكل من أشكال طلب الإذن من رب العشيرة لمباركة الزواج، وهو بالضبط ما كان يفعله البدائيون قبل آلاف السنين.
حين يحصل ولي أمر العروس على ما يرضيه من طقوس يُشبع بها ذكوريته وانتماءه البدائي للعشيرة، ينتهي دور الرجال. فقط سيهتمون لاحقا بذبح الثيران لأن التهام أطنان اللحوم يعكس مكانة ومقام العشيرة!
* * *
بالنسبة للنساء فإن دورهن يبدأ حين ينتهي دور الرجال. للنساء مطالب أخرى. لا تهتم النساء كثيرا بذبح الثيران ودعوة شيوخ العشائر، لكنهن يهتممن جدا بترتيبات حفل الزفاف وفستان العرس وصالون التجميل والشبكة والذهب وكافة المظاهر التي لا يفهم فيها العريس ولا تخصه. لا يفهم الرجل احتياجات النساء ولا يعلم لماذا كل هذا التكالب على هذه "الشكليات". بالنسبة للرجل فإن المرأة تكون قد أصبحت زوجته بمجرد انتهاء الدور الذكوري بكتب الكتاب ووجود عقد الزواج، لكن بالنسبة للنساء فالأمر مختلف. تنظر النساء لليلة الزفاف باهتمام بالغ يعكس قدرات المرأة في عملية التسوق والتأنق. ترتيبات الزفاف فيها الكثير من الذهاب للسوق وشراء الملابس الجديدة وهو أمر غير مفهوم للرجل. لا يعرف الرجال لماذا تشتري النساء كل تلك الملابس قبل الانتقال لبيت الزوجية وكأن العروس كانت حافية ممزقة الثياب طوال حياتها! لا يفهم الرجال هذا لأنهم لا يقومون به ولا يتسوقون للزفاف، وليس هناك محفز سيكولوجي أو هرموني يدفعهم لمثل هذا المسلك. إلا أن عدم فهمهم لا يمنعهم من مساندة النساء في عملية التسوق مرجعين ذلك إلى أنه "طبيعة نسائية". هذا يكفي. لكن الحقيقة أن المرأة تنظر للانتقال لبيت آخر غير بيت أهلها من منظور طقوسي شعائري. هو فعلا انتقال لحياة جديدة، ولذا يتصرف سلوك المرأة غريزيا لمحاكاة هذا الانتقال للحياة الجديدة بالاستعداد لها بكل ما هو جديد. هذا الجديد لا يشمل فقط شراء الملابس والذهب، لكنه يمتد للحرص على التأنق والتزين بما يبدو للرجل أنه شكل مبالغ فيه. الصالون ليوم الزفاف شأن مهم للمرأة، وهي تحرص أن تخرج منه مختلفة حرفيا عما دخلته. لكن كثيرا من الرجال لا يستطيعون احتمال هذه الفكرة لأن المرأة تخرج مختلفة عما ألفها الرجل عليه فيبدأ بالشعور أن هناك مقلبا ما مخبأ له: "لقد أعطوني امرأة أخرى غير التي تزوجتها!". تتم تنشئة البنات في مجتمعنا على أن الفتاة، كل فتاة، هي أجمل فتاة في الكون وأنها محط اهتمام العالم بأجمعه وأنها الأكثر جمالا في الوجود. هذه التنشئة العبيطة تشوه المرأة وتحولها إلى دمية بيد تجار بيع السلع النسائية كالملابس وأدوات المكياج. وفي العرس تحرص كل بنت على أن تكون هي الأكثر أناقة لأن كل واحدة تم تنشئتها وتلقينها وإيهامها أنها الأجمل في الوجود، لذا فإن صالة النساء في يوم الزفاف هي ميدان لإبراز خطأ التربية ولإثبات أن النساء كائنات عاشقة للمظاهر والشكليات. لا ترى المرأة غضاضة في هذا بل تراه حقا من حقوقها في أن يكون عرسها أنيقا، فهي في نهاية المطاف قد تم تحضيرها طوال حياتها لليوم الذي عليها أن تثبت فيه أنها الأجمل. إلا أن الرجل هو من يرى غضاضة في هذا ويشعر أن زوجته التي ظنها أكثر ذكاء من الأخريات هي في النهاية لا تختلف عن أية امرأة أخرى في حب المظاهر والبريق. إن الزفاف بكامل طقوسه شأن لا يعني الرجل في شيء وإنما يراه مطلبا نسائيا صرفا، مثلما لا يعني المرأة شيء في الإجراءات الرجالية المرتبطة بترتيبات كتب الكتاب مثل أهمية حضور شيوخ القبيلة وذبح الثيران. لقد تقاسم الرجل والمرأة أدوارا تاريخية واضحة لكل جنس منهما في طقوس الزواج، والمؤسف في الأمر أن طقوس الرجال تُنهك النساء وقد تسيء إليهن (مثل حرمان المرأة من تمثيل نفسها في النطق بقبولها للزوج)، و بمثل ذلك فإن طقوس النساء هي الأخرى تنهك الرجل وتجعله يشعر بالغربة لأنه يتم مطالبته بالتصرف كامرأة وذلك بالتزين الباذخ وتلبيس الدبل والشبكة والجلوس على "كوشة"، وكلها بالنسبة للرجل أشياء إن لم تكن سخيفة فهو على الأقل لا يفهم لماذا هي موجودة ولماذا هو مطالب بالتصنع والتصرف على هذه الشاكلة. للحد من عدد الزيجات التي "تتفركش" قبل الوصول لليلة الزفاف، يحتاج إنسان القرن الحادي والعشرين أن يتذكر أنه لم يعد يعيش في الكهف!

11 October 2014

زوجي العزيز.. أريدك فاشلا محطما

زوجي العزيز.. أريدك فاشلا محطما!


يتساءل الرجال عن تفسير لسلوك يرونه شائعا لدى النساء، ألا وهو –ما يعتبرونه هم- اختلاقَ المشاكل في ذروة انشغالات الرجل الوظيفية والمهنية، أو في الظروف الصعبة الطارئة مثل أن يكون الرجل منغمسا في تأسيس مشروع جديد أو في دورة تدريبية أو، أحيانا، حتى وهو يقضي رحلة ترفيهية صغيرة نادرة الحدوث في عطلة نهاية الأسبوع مرتب لها سلفا مع رفاقه الذكور. يتساءل الرجال عن أي شيء ذاك الذي يجعل النساء أكثر رغبة في إفساد عملهم أو بهجتهم بمشكلة مفتعلة تحديدا في الوقت الذي يشعرون هم فيه بالحاجة إلى التركيز فيما يعملونه وإلى دعم الشريك لهم. يتهم الرجالُ النساءَ هنا بأنهن قاسيات وغامضات، وأن ما يفعلنه ببساطة –من اختلاق لمشكلة في ذروة انشغالات الرجل- ما هو إلا سعي لإفساد نجاح الرجل. وما يثير حنق الرجل وحيرته هو: أليس من المفروض أن يكون نجاحه نجاحا للعائلة كلها؟ فلماذا إذن تُشن عليه الحرب من أقرب المقربين إليه؟

لعل الفكرة تحتاج بعض الأمثلة للإيضاح، علنا نفتت معا تفاصيل المشهد ونعرف ماذا يجري بالضبط. هو ذا شخص اسمه "خالد" كان يسعى لدورة تدريبية مكثفة في مجال عمله، وكان يشتكي من التجاهل في العمل من قبل رؤسائه، ولذا عنى له شأن الحصول على الدورة شيئا مهما لإثبات الذات وفرصة للترقية. كانت زوجة "خالد" على فهم كامل لحاجة زوجها لهكذا دورة تدريبية. وكانت في حقيقة الأمر قد ساهمت في تشجيعه لنيل ما يريد من فم الأسد. كانت داعمة له إلى أن جاءت الدورة التدريبية لتصبح –لاحقا- وكأنها أكثر من يتمنى إفشال الأمر!  في اليوم الثالث للدورة التدريبية المكثفة التي عقدت في مسقط وكان مقررا لها أن تستمر أسبوعا واستلزمت التركيز و"الدوام" صباحا ومساء، بدأت الزوجة –التي تعيش في "البلد"- بالتذمر من "غياب دعم" زوجها لها وأنه لا يعبأ بها وأنه "سبب حزنها في الحياة"! لم يكن أي شيء قد استجد في حياتهما سوى أن أمها قد مرضت خلال تلك الفترة، وقد رأى "خالد" الأمر في إطار العادي لأنه متوقَعٌ من كبار السن أن يمرضوا، لاسيما أن في عائلته بعض المرضى المزمنين ومع ذلك فالحياة دائما تسير ولا تتوقف. إلا أن مرض الحماة، على ما بدا لـ "خالد"، هو الذريعة التي اتخذتها زوجته لخلق مشكلة أسرية أثناء خوض الزوج لتحدٍ رئيسي في حياته كان يتمنى أن تكون زوجته خير داعم له أثناءه—على الأقل لأنها كانت تدعم الفكرة لحين تحققها!

ثمة مثال آخر يخص صديقا لي. توقف "أبو محمد" عن التدخين. كنت أعلم أنها رغبة قديمة لديه لم تواتِه الإرادة الكاملة لتحقيقها إلا خلال هذه الفترة. إلا أنه فاجأني بالقول: تصور إن زوجتي زعلانة عشان تركت التدخين!
لماذا؟ (سألتُه)، فأجاب: تقول إنها زعلانة لإنها ما كانت هي السبب وراء تركي للتدخين، وإنما كان ولدي "محمد" لإنه كل يوم يجيب لي من المدرسة منشورات عن أضرار التدخين. أنا استحيت من ولدي وحبيت أكون قدوة حسنة. بس المدام زعلانة. هي دومها ما يرضيها إلا إنها تكون وراء كل شيء في حياتي حتى لو ما صحيح. ليش هذا كله؟
أما "ليش هذا كله"، فذا هو سؤال الأسئلة جميعها!

الفروقات في السلوك وأنماط التفكير وردود الفعل على الموقف الواحد كبيرة جدا بين الرجال والنساء، وهذا ما حدا بالدكتور "دون جري" إلى القول أن "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة"، ولكنه أيضا قال أن التقليل من الفروقات ممكن من خلال إدراك وجودها. أي إدراك أننا حقا جنسين مختلفين وأن استجابتنا للموقف الواحد من الطبيعي أن تكون مختلفة. بعض جوانب الاختلاف تعود لاختلاف الجنس نفسه وما يعنيه ذلك من اختلاف وظائف الدماغ وقدراته واختلاف الهرمونات والمركبات الكيميائية بين الذكر والأنثى. إلا أن ثمة اختلافات أخرى تلعب فيها الثقافة والمجتمع دورا أكبر. من ضمن هذه الاختلافات رغبة المرأة في أن تكون دوما مركز اهتمام الرجل، وأن تشعر أن لها الفضل في ما يصل إليه. وعلى النقيض من ذلك فإن ما يطلبه الرجل هو بعض المساحة وعدم سرقة منجزاته وإعفاءه من الإحاطة بالحب المطوِّق الخانق. إن علامة الحب التي يطلبها الرجل من المرأة هي المسافة النفسية البسيطة لكي يستطيع التنفس، لأن الالتصاق به يقتله ويلغي فردانيته وإحساسه الغريزي بأنه قادر على إنجاز الأشياء بنفسه. الأمر عكس ذلك بالنسبة للمرأة، فعلامة الحب لديها هي الوصال، وأن يكون الرجل قريبا أكثر يصغي إليها. ليس هناك "صح" أو "خطأ" في هذه المشاعر والسلوكيات. إنهما نمطان مختلفان من أنماط التعبير عن ذات الشيء: الحاجة إلى الحب والتفهم والقبول. ولكي لا نخرج عن الموضوع فلنجرب معا إسقاط هذه الفكرة وتطبيقها على المثالين اللذين سقناهما أعلاه. بالنسبة لمثال "أم محمد" مع زوجها الذي ترك التدخين: يبدو لي طبيعيا جدا أن يندهش الزوج مما طرحته زوجته. ذلك أن مشروع ترك التدخين خياره هو، وهو من نفذ الأمر بإرادته لأسباب موضوعية معينة ساهمت في دفع الأمر للحدوث. لماذا إذن ينبغي أن يُنسب هذا للزوجة؟ أليس في حياة هذا الرجل كائن آخر يراه ويعمل معه ويتحدث إليه سوى زوجته؟ هل على الزوجة بهذا المعنى أن تزعم أنها هي من عيّنه في الوظيفة وأنها سبب غزو العراق وأنها من سيحل مشكلة ظاهرة الاحتباس الحراري؟! تبدو كل هذه شطحات قد يستغرب القارئ (لاسيما القارئات العزيزات) أنني أجلبها في هذا السياق. إلا أن الأمر يبدو هكذا لـ "أبو محمد" لأنه قد فقد الخيط المنطقي في فهم رغبة زوجته في "سرقة نجاحه" ونسبته إليها. ذلك ما يفكر فيه هو، وما دام الأمر كذلك فإنه لن يبدو غريبا عليه أن تدعي زوجته أي شيء آخر مهما شطحت الأفكار، كأن تكون هي مثلا سبب حدوث إعصار جونو ما دامت هي السبب وراء كل شيء! ما فات صديقي أن يلاحظه هو أن زوجته مشارِكة حقيقية في مسألة توقفه عن التدخين. فهي قد احتملت تدخينه سنوات صابرة قليلة التذمر، ولم يكن ليضيرها ان تُقدَّم لها كلمة شكر وتعبير عن الامتنان على صبرها وتحملها تلك الرائحة العفنة في البيت. إن صفعة اللاعرفان هي ما يفاقم الأمر، وذلك لأن التجاهل يجعل المرء مبالِغا في التمسك بحقه. كان حريا بـ "أبو محمد" حين اتخذ قرار التوقف عن التدخين أن يبلغ زوجته عن ذلك أولا ويطلب مساندتها في الآمر، مؤكدا لها أنه بلا دعمها فسيكون الأمر قاسيا عليه. وكان عليه أيضا أن يشكرها على تحملها لتدخينه. من المؤكد أن ردة فعل "أم محمد" كانت ستختلف وستقول له: "أنت قادر على فعل ذلك. أثق بقوة إرادتك لأنك دائما مثابر وعزيمتك قوية، وهو أمر ستتغلب عليه بمقدرتك لأنك قادر على فعله". لكن ذلك لم يحصل، لا صديقي شكر زوجته وأطلعها على الأمر مسبقا، ولا هي شدت على يديه، بل هي تجاهلت مشروع توقفه عن التدخين لأنه قرار فردي تم تجاهلها في اتخاذه. إن المشكلة هي أننا حقا من كوكبين منفصلين، ولن يعرف أحد ما يريده الآخر أو كيف يتصرف الآخر. على أية حال فإن ما حدث على أرض الواقع هو عودة "أبو محمد" للتدخين (وأراهن أن أحد أسباب ذلك هو أنه قد فهم أن زوجته غير داعمة له ولا ترى أن ما قام به يستحق الاهتمام والتقدير)، ومن المؤكد أن "أم محمد" قد شعرت بالأسف على عودة زوجها للتدخين، وهو أسف لن يفهم صديقي سببه بل سيقول: "لا التوقف عن التدخين عاجبنك ولا الرجوع إليه عاجبنك، شو يعجبك بالضبط؟"! إن المؤسف حقا هو أننا نستخدم لغتين للتعبير. فلا "أم محمد" تتمنى زوجها مدخنا ولا هو يحب أن يبقى مدخنا، لكن سوء التفاهم هو ما قاد إلى خلق المشكلة.

المشكلة الأكبر هي لدى صاحبنا "خالد" الذي يخوض دورة تدريبية مكثفة صعبة في مسقط، فيما تخبره زوجته في "البلد" أنها "تفتقد دعمه وأن هذا يسبب لها الحزن". لم يستطع خالد أن يفكر في هذا إلا باعتباره هجوما موجها ضده بلا سبب وفي وقت حرج جدا يحتاج فيه إلى التركيز الكامل لينجح ويثبت ذاته. خالد لا يفهم لماذا هو مُدان وما المطلوب منه. لقد فهم أن حالة والدة زوجته مستقرة، ولذا لم يأتِ فورا من مسقط تاركا الدورة التي حلم بها وسعى إليها طويلا. إن ما يراه "خالد" أنه الآن يتم عقابه لأنه يريد تحقيق وضع أسري أفضل له ولزوجته وأبنائه. تشوّش ذهن خالد واستحضر حالات سابقة تم فيها تأنيبه لأنه يقوم بالشيء الصح. ولأنه كان وحيدا في مسقط فقد طلب تفسيرا من أصدقائه هناك، إلا أن الجميع أكدوا له أن "النساء دائما هكذا، ناكرات للجميل وخالقات للمشاكل في اللحظات الحرجة. وعليك أن تتعايش مع هذا كواقع إذا كنت تريد لحياتك الزوجية أن تستمر".

لم يفهم "خالد" الموقف كاملا بعد، ووقت الدورة المكثفة لديه لا يسمح له بالفهم، لكن كل ما يعرفه أنه قد تم إزعاجه لسبب لا يفهمه، وأن التذمرات كان بإمكانها أن تنتظر حتى يعود للقرية في عطلة نهاية الأسبوع. كل ما فهمه خالد إلى الآن أن زوجته التي تحبه لا تمانع في ذات الوقت أن تكون مصدر متاعبه. لا شك ان في الأمر خللا أو شيئا غير مفهوما، لأن هذا التناقض غير مقبول منطقيا.

لا يزال خالد يتساءل أين الخلل. ونحن معه أيضا. إلا أنّ ما نعرفه هو أن الصورة لا تزال ناقصة، فنحن لم نسمع صوت زوجته وزاوية نظرها للأمر. وإلى أن يحدث ذلك فلا ندري إلى أية درجة من السوء سيصل الأمر بخالد، فكل ما نعرفه عنه أنه قد أغلق هاتفه لأنه لا يريد إزعاجا حتى نهاية الأسبوع. لاشك أن "خالد" وزوجته بحاجة للمساعدة الآن لفهم ما يجري. فهل تستطيعون مد يد العون لهما؟ إن كان ثمة من يستطيع المساعدة فليتواصل معي بالرأي والتعليق، وإلا فلينتظر تتمة الحكاية في العدد القادم إن استجد فيها جديد!


*كُتبت في 30 يناير 2008، و نُشرت في وقتها في مجلة الرؤيا الشهرية.

22 September 2014

الأزمة الاقتصادية العالمية وأثرها المحلي.. عام 2009م

كُتبت بالأصل في الثاني من يناير 2009.. ونُشرت في وقتها في مجلة الرؤيا.


سنة صعبة يا جميل!

يتوعدنا خبراء الاقتصاد حول العالم بأن سنة 2009 ستكون صعبة على الجميع في مختلف بلاد العالم.. فالصورة التي يروجها الإعلام هي أن النصف الأول من 2009 على الأقل –إن لم يكن السنة بكاملها- سيشهد المزيد من الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية. إذ من المتوقع انهيار بعض الصناعات أو توقف نموها، وأن تقوم بعض الشركات بتسريح موظفيها أو تكف عن تعيين موظفين جددا وهو ما يعني ارتفاع نسبة البطالة، فضلا عن ذلك فإن بعض الدول ستجمد الكثير من برامجها التنموية وتعلق تنفيذها حتى إشعار آخر، أما أصحاب الصناعات الصغيرة والمتوسطة فهم مهددون بفترة صعبة وبتقلص فادح في الأرباح وربما تغلق الكثير من المؤسسات الصغيرة أبوابها. ليس السؤال هنا عما إذا كانت هذه النبوءات جميعها صادقة ولا عن إلى متى يمكن أن يدوم الوضع هكذا، لكن السؤال الذي يطرحه المرء هو: ألا يمكن أن تعود الأزمة الاقتصادية العالمية ببعض النفع على البسطاء؟ إلى أي مدى سيتأثر المواطن العماني سواء أكان موظفا حكوميا أم في القطاع الخاص أم باحثا عن عمل بآثار الأزمة الاقتصادية على الصعيد المحلي؟ أليس لكل أزمة جانب خفي مشرق يمكن أن يحمل في طياته الأمل بغد أفضل؟ وهل علينا أن نتوقع 2009 سنة صعبة حقا أم أننا سننجح في اجتيازها بأقل الخسائر؟
          لغاية الآن تبدو الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية واضحة على فئات محددة فقط من المواطنين منهم أصحاب الأسهم في أسواق المال الذين سجلوا خسائر قد لا يكون من السهل تعويضها قريبا، كما تضرر سماسرة الأراضي والعقارات بانخفاض أسعار الأراضي والبيوت بشكل واضح في بعض مناطق السلطنة.. وهذه النقطة بالتحديد لها جانبان.. فمن خسروا هم في معظمهم من  السماسرة الذين أذاقوا الناس العذاب في السنتين الماضيتين بممارساتهم الجشعة في أعمال المضاربات التي أدت إلى ارتفاع جنوني في أسعار الأراضي والمنازل بلا سبب وجيه. إذا أردنا الصراحة فإن هؤلاء يستحقون الخسارة لأن ممارساتهم كانت من الأصل غير شرعية ولا أخلاقية، بل كانت على العكس من ذلك، مضرة بعموم الناس.. شهد عام 2008 أزمة ارتفاع أسعار البيوت والأراضي بحيث أصبح المواطن العماني ذو الدخل البسيط والمتوسط غير قادر مطلقا حتى أن يحلم ببيت يأوي فيه أسرته. لا أخجل هنا من أن أتخذ نفسي مثالا لمن أيقنوا أنه بسبب جشع السماسرة وتقصير جهات الاختصاص في كبح ظاهرة غلاء الأسعار قد فقدوا الحلم بأن يكون لديهم منزل صغير يؤويهم على هذه الأرض التي أشبعها التجار الجشعون غلاءً وحولوها إلى مكان لا يستطيع أبناء البلد أن يجدوا لهم موطئ قدم فيه. إذا أخذنا خريج الجامعة مثالا للحديث، وهو الذي ينال مرتبا يصل حاليا نحو 620 ريالا بعد مرور 5 سنوات على تعيينه بإحدى الوزارات الحكومية، كيف لشخص مثل هذا أن يحلم يوما ببيت يبنيه أو يشتريه جاهزا في ظل حقيقة أن أرخص بيت جديد في مسقط مكون من طابق واحد قد وصل سعره بنهاية عام 2008 إلى 80 ألف ريال عماني؟ إذا كانت أعلى سلفية يمنحها بنك محلي مقدارها 80 ضعفا للمرتب، أي حوالي 50 ألف ريال لمن يبلغ راتبه 620 ريالا شهريا، فماذا تفعل هذه النقود إذا كان أرخص بيت من طابق واحد، في العامرات تحديدا—وهي أرخص مكان متاح في مسقط، يصل سعره إلى 80 ألفا؟ ماذا تفعل 50 ألفا إذا كان سعر الأرض في العامرات في المناطق التي وصلتها الخدمات قد فاق الثلاثين ألفا؟! ما حصل في 2008 هو الجنون بعينه، ولقد نجح التجار ومن يقف خلفهم من مستغلي المناصب في خداع الناس بأن ذلك كان نتيجة للغلاء العالمي.. إن الغلاء المحلي كان معظمه في حقيقة الأمر نتيجة لتصرفات جشعة لم تجد من يلجمها فاستفحلت وتوحشت وكادت أن تجعل من عمان بلدا غير ممكن السكنى للعمانيين!
          قادت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ركود في سوق العقارات في الدول الغربية لامتناع البنوك عن الإقراض وتخوف الناس من العجز عن سداد أقساطهم إذا ما اشتروا عقارا مرهونا، أما في بلداننا الخليجية فإن آثار الأزمة الاقتصادية على سوق العقارات لا زالت جزئية.. لقد انخفضت أسعار الأراضي بعض الشيء في المناطق غير الخدمية، كما رخصت قليلا أسعار البيوت في بعض المناطق، لكن غالبية المناطق لم تتأثر بعد لكون أن السماسرة لازالوا قادرين على المناورة بانتظار ما ستسفر عنه الشهور القريبة القادمة.. يعود السماسرة مرة أخرى ليكونوا اللاعب رقم واحد في فترة الأزمة المالية العالمية مثلما كانوا أنفسهم اللاعب الأول في فترة طفرة ارتفاع الأسعار عامي 2007 و2008. لم يتغير شيء بعد في عقلية هؤلاء، فجيوبهم المتخمة بالمال وأدمغتهم المثخنة بالجشع لا زالت كما هي. إنهم يفضلون أن تظل البنايات التي بنوها خاوية على أن يبيعوها أو يؤجروها بأسعار معقولة، رغم علمهم المسبق بأن الأسعار التي يضعونها لهذه العقارات مبالغ فيها وتمثل صورة صريحة من صور الاحتكار والجشع والإضرار بمصالح الوطن والمواطنين. لا يعرف المرء إلى متى سيستطيع هؤلاء المقاومة قد أن يبدأوا بالرضوخ لضغوطات السوق والواقع ويخفضوا أسعار العقارات ويعودوا بها إلى المبالغ الفعلية التي تستحقها. إنه لا معنى بالمرة أن تكون قيمة أرض صغيرة في المعبيلة 60 ألفا فما فوق. هذا الرقم غير منطقي بكل المقاييس ولا يعني شيئا سوى أن الجشع والاستغلال قد وصلا أبعد مدى ولم يجدا ضوابط أو قوانين فاعلة تكبح جماحهما وتضع المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة لتلك الفئة المحدودة من ملاك العقارات الذين يريدون الثراء الفاحش –وليس الثراء المعقول والمشروع- ولو على حساب مئات الألوف من ذوي الدخل المحدود والمتوسط. إن إحدى إيجابيات الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة بالنسبة للإنسان العادي هي احتمالية انخفاض أسعار الأراضي والبيوت بحيث تعود لأسعارها الحقيقية الطبيعية وتصبح في متناول يد الطبقة المتوسطة من المواطنين. إن الجشع الحالي في الأسعار يؤدي إلى تحول الطبقة الاجتماعية الوسطى إلى طبقة فقيرة، وهو أمر مزعج للغاية كون الطبقة المتوسطة هي طبقة المتعلمين والخريجين الجامعيين والمثقفين المعوّل عليهم المساهمة في مجالات الإبداع المختلفة من سياسة وعلوم وأدب وطب وغيرها، وانهيار هذه الطبقة وتحولها إلى طبقة فقيرة من العمال الكادحين يعني غوص الاقتصاد في نمط الأشغال اليدوية البسيطة وبالتالي غياب الإنتاجية والمبادرات الخلاقة، وهو ما يعني تحول المجتمع إلى طبقتين فقط وليس ثلاثا هما طبقة الأرستقراطيين ذات الأقلية العددية البسيطة التي تتحكم في مصير الطبقة الثانية المكونة من الشغّيلة والعمال البسطاء. إن هذا السيناريو مرعب لأنه يعني وجود نظام قائم على ثنائية المالك والأجير مع غياب الطبقة الوسطى التي تصنع التوازن الحقيقي في أي مجتمع. حين يفكر المرء بأن لكل شيء جانبا مشرقا، حتى للكوارث، فإن الحسنة المأمولة للأزمة الاقتصادية العالمية على الصعيد المحلي هي أن نشهد عودة الطبقة العمانية الوسطى إلى ممارسة دورها الطبيعي الذي كان موجودا ذات يوم قبل استفحال جشع الإقطاعيين الجدد من التجار والسماسرة. إن أول ما يحتاجه أفراد الطبقة الوسطى هو تأمين متطلبات الحياة الرئيسية وعلى رأسها المسكن الملائم، فبدون هذا لن تكون الطبقة الوسطى وسطى ولكنها ستكون معدمة حالها حال الطبقة الدنيا. يأمل المرء صدقا أن تعصف الأزمة الاقتصادية العالمية بغطرسة الجشعين من الاحتكاريين ممن لم يفعلوا شيئا في السنوات الماضية سوى تهجير العمانيين إلى كافة دول الخليج بحثا عن لقمة العيش بعد أن انسدّت في وجوههم كافة أبواب الرزق في بلاد ثرية يفتَرض بها أنها قادرة على إعالة أهلها!
          قد تعاني الطبقة الدنيا أكثر في عام 2009، فالأيدي العاملة الافتراضية –أي التي هي حاليا خارج سوق العمل- والتي من المفترض أن تعمل في المهن ذات الخبرات البسيطة قد تزداد في أوساطها نسبة البطالة، وما يخشاه المرء أن تبدأ بعض الشركات فعلا في تسريح عدد من عمالها. إن أمنية المرء هنا هي ألا تدوم الأزمة الاقتصادية العالمية طويلا، كما أن بعض العزاء سيتحقق لو أسفرت هذه الأزمة عن نيل الطبقة المتوسطة بعضا من حقوقها المسلوبة حاليا وعلى رأسها حق المقدرة الشرائية لامتلاك منزل. على أية حال فإن انخفاض السلع الأساسية –وعلى رأسها المواد الغذائية- أمر متوقع كإحدى ثمرات الأزمة المالية الدولية.. قد يفيد هذا الانخفاض الطبقة الدنيا ويخفف من أعبائها. لقد بدأنا نشهد فعليا انخفاضا طفيفا في أسعار بعض السلع الاستهلاكية، وهو ما نتمنى له الاستمرارية من أجل البسطاء من الناس الذين أرهقهم الغلاء ووقفت الجهود المبذولة قاصرة عن فعل شيء جذري وفعال للتخفيف من معاناة الناس.
          هي سنة صعبة علينا مثلما هي صعبة على بقية العالم، ولكن هناك أمل في أن يستفيد منها البعض في استرداد بعض حقوقهم المسلوبة المتمثلة في توافر مسكن –تمليكا أو استئجارا- بأسعار مناسبة، وكذلك القدرة على الحصول على المواد الاستهلاكية الأساسية بأسعار لا تحوّل حياة الناس إلى جحيم.. إن جميع مؤسسات الدولة مدعوة للنظر إلى سنة 2009 باعتبارها سنة للوقوف إلى جوار المواطن البسيط، وليس المطلوب أكثر من بعض الرحمة بالناس وذلك بالوقوف في وجه سماسرة الأزمات ومستغليها من ملاك العقارات وملوك المضاربات المتوحشة على الأراضي والعقارات واللحوم والأسماك وحليب الأطفال.

03 September 2014

الجذور التي قادت إلى إضراب الأطباء

كُتبت بالأصل في 30 يوليو 2008، ونُشرت في وقتها في مجلة الرؤية
المقالة تأتي سابقة بعدة سنوات لخطوة زيادة المخصصات المالية التي تم تدعيم رواتب الأطباء بها، وهي أيضا سابقة على اضرابات الأطباء التي حدثت خلال العامين الماضيين

إجمالا، يمكن أن يرى المرء في المقالة الجذور التي قادت لإضراب الأطباء.. وهو ما لم تره الجهات المختصة في بلادنا في الوقت المناسب


تحديات الخدمات الصحية في السلطنة

تواجه الخدمات الصحية في عُمان تحديات كبيرة يبدو أنها تزداد عاما بعد آخر، في ذات الوقت الذي لا يبدو فيه أن الجهود المبذولة لتحسين هذه الخدمات قادرة على أن تكون حلا جذريا أمام هذه التحديات. ومما استجد في الآونة الأخيرة أن انخفاض سعر الدولار الأمريكي قد ألقى بظلاله سلبا على الخدمات الصحية المحلية مما يضعها أمام تحد جديد هو هجرة الأطباء العمانيين والوافدين إلى الخارج، وهو أمر لو لم يتم إيجاد حل جذري عاجل له فإنه سيؤدي إلى تدهور حاد في الخدمات الصحية المحلية، وسيؤدي إلى تفاقم الأوضاع السيئة وازديادها سوءا على سوء.


مما لا شك فيه أن مستوى الخدمات الصحية المحلية قد تحسن كثيرا في البلاد قياسا بثلاثين عاما مضت. ينعكس هذا التحسن في زيادة نسبة المستشفيات والقضاء على بعض الأمراض التي كانت شائعة، وانخفاض معدل وفيات الأطفال، وارتفاع معدل العمر الافتراضي للسكان. إلا أن هذا التحسن في الخدمات كان منذ الأساس دون مستوى الطموح لبلد لديها موارد اقتصادية جيدة وعدد سكانها محدود للغاية. فلو قسنا هذا التحسن بمستوى الخدمات الطبية المقدمة في بعض البلدان العربية –لكي لا نفكر في الأجنبية تجنبا لأي إحراج- لوجدنا أن ما وصلنا إليه زهيد للغاية. فالمستوصفات الحكومية تعاني من نقص حاد في الأطباء، ويعاني المرضى من ساعات انتظار طويلة لرؤية الطبيب المناوب. أما من يضطره قدره السيئ للتنويم (الترقيد) في المستشفى فإنه قد يقع أسير معاملة غليظة لا إنسانية من حفنة من الممرضات الوافدات يتسمن بالقسوة المفرطة في التعامل مع المريض كما لو أنهن يتعمدن مفاقمة معاناته. أما من كان بحاجة إلى عملية جراحية أو تصوير مقطعي بالرنين المغناطيسي أو غيره، وكذلك من كان بحاجة إلى لقاء طبيب اختصاصي أو استشاري لفحص مرض معين لديه مثل آلام في الظهر، فإن الموعد الذي سيُمنح له للقاء الطبيب يأتي بعد عدة أشهر تمتد أحيانا إلى سنة كاملة. أيّ منطقٍ أن يظل المريض يشتكي الألم مدة عام كامل؟! إن هذا لوحده مؤشر على أن مستوى الخدمات الصحية المقدم في البلاد يقف كليا دون ملامسة مستوى الطموح الذي يتمناه المواطن. باختصار شديد: إن الخدمات الصحية المحلية ترقد منذ سنوات في غرفة الإنعاش، وقد جاءت مؤخرا أزمة هبوط قيمة الدولار الأمريكي لتكون الضربة القاضية التي وضعت هذه الخدمات في حالة موت سريري، والمطلوب إنقاذ عاجل وجذري قبل أن يفوت الأوان الذي بدأ يفوت بالفعل.

أدى ضعف الخدمات الصحية المحلية إلى فقدان المواطن العماني للثقة في ما يقدّم محليا من خدمات، وأصبحت الهند وتايلند وإيران ودبي البدائل الأربعة الأولى أمام المواطن العماني للعلاج. إن من يركب الطيران التايلندي في رحلة متجهة إلى بانكوك فسوف يفاجأ بامتلاء الطائرة عن بكرة أبيها بعائلات عمانية متجهة بكاملها للعلاج في الخارج. وكل طائرة متجهة للهند تضم هي الأخرى قرابة خمس عائلات عمانية مسافرة للعلاج. إن هذا دليل قاطع على يأس المواطن من الخدمات الصحية المحلية، وهو يأس يعود إلى عدة أسباب منها طول فترة الانتظار لتلقي العلاج، وشيوع الأخطاء الطبية الفادحة دون رقيب أو حسيب للطبيب المخطئ، فضلا عن تخلف هذه الخدمات الطبية نفسها ووقوفها عاجزة عن فعل شيء لمعالجة الأمراض التي يعاني منها الناس، وكذلك ملل الناس من حبوب الأدول التي يتلقونها كعلاج جاهز مهما كان المرض الذي يعانون منه!

بقدر ما يعاني المريض العماني (والمقيم) من الوضع المتردي للخدمات الصحية المحلية، فإن الطبيب نفسه يعاني معاناة لا تقل هوادة. ففي المستشفيات الحكومية يناوب الأطباء عددا هائلا من الساعات غير مدفوعة الأجر. إذ يحدث أن يناوب طبيب مدة ليلتين متواصلتين أسبوعيا بلا أجر إضافي وذلك إضافة إلى دوامه الاعتيادي اليومي. وما أكثر ما سمعنا عن طبيبة عمانية أغمي عليها في غرفة العمليات بسبب الإعياء الذي هي فيه، وكذلك سمعنا كثيرا دفاعا من ألسنة أطباء يدافعون فيه عن أخطائهم الطبية قائلين إن نظام المناوبات المرهق المفروض عليهم من قبل وزارة الصحة لا يمكن أن يؤدي لشيء بالأساس سوى حدوث الأخطاء الطبية! إلا أن العجيب هو أن نسمع زعما من مسؤول رفيع بوزارة الصحة يفيد بأن ساعات مناوبات الأطباء العمانيين هي وفق للمعايير الدولية. ولم يكلف هذا المسؤول نفسه بتسمية اسم دولة واحدة في العالم ترهق أطباءها بشكل يعرض المريض للخطر ودونما زيادة ريال واحد في راتب الطبيب أو وجود أي نظام للعمل الإضافي (أوفر-تايم). أما الأطباء الوافدون فقد بدأت هجرتهم المتسارعة للبلاد منذ نحو عامين وذلك منذ ارتفاع إيجارات السكن وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي. فنظرا لكون المبلغ الذي يتقاضاه الطبيب الوافد لم يعد يساوي الكثير بسبب انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، ونظرا لوجود مغريات أفضل للمرتبات في دول الجوار، وكذلك نظرا للارتفاع الخيالي الذي حدث لإيجارات السكن في مسقط خلال العامين الماضيين، فإن كل هذا قد أدى إلى عدم استفادة الطبيب الوافد استفادة مادية مجزية من العمل في السلطنة، فراتبه المحدود يذهب لإيجار السكن، ولذا فقد بدأت موجة الهجرة الجماعية للأطباء الوافدين من السلطنة. ولما كان الأطباء الوافدون يشكلون الغالبية العظمى من عدد الأطباء في البلاد في مختلف التخصصات الطبية، فإن هجرتهم تحمل إنذارا خطيرا بدخول النظام الصحي العماني منعطف الخطورة البالغة التي قد تؤدي إلى تقويضه بالكامل خلال سنوات معدودات. لقد سمعنا عن مداولات تدور بين وزارة الصحة ووزارة الخدمة المدنية لإيجاد حل لهذه المشكلة يتمثل في زيادة مرتبات الأطباء الوافدين، إلا أنه لم يتم إقرار شيء بعد وقد لا يتم إقرار شيء إلا بعد خراب مالطة، ولذا فإن تدخلا عاجلا من كل من مجلس الشورى ومجلس الوزراء الموقر مطلوب فورا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. على أية حال فإن الأطباء الوافدين ليسوا وحدهم من يهجرون البلد، فالأطباء العمانيون هم أيضا يغادرون إلى قطر ودول أخرى سعيا نحو فرصة عيش أفضل. إلا أنه إذا كنا قادرين على القول أن هجرة الأطباء العمانيين تعتبر حالات فردية (وإن كانت كل حالة فردية تؤثر كثيرا على الخدمات الصحية نظرا لقلة عدد الأطباء العمانيين)، إلا أن هجرة الأطباء الوافدين ليست أبدا حالات فردية، لكنها حالات جماعية في جميع مناطق وولايات السلطنة.

لأجل إنقاذ الخدمات الصحية المحلية ينبغي وضع خطة إنقاذ عاجلة وملزِمة التنفيذ. تنبني خطة الإنقاذ هذه أولا وقبل كل شيء على الشفافية والاعتراف بأن هناك مشاكل جادة حقيقية تعاني منها بشدة الخدمات الطبية المحلية. ذلك انه بدون الاعتراف بوجود مشكلة لا يمكن إيجاد حل، أما التغني بمنجزات الماضي فهو لا يفعل شيئا سوى مفاقمة الجراح.

إن المطلوب أولا وقبل كل شيء زيادة الميزانية المخصصة للإنفاق على الخدمات الطبية وذلك من إجمالي الموازنة العامة للدولة. فالصحة والتعليم يجب أن يكونا فوق جوانب إنفاق أخرى تلتهم عادة أكثر من نصف الموازنة. كما يجب وضع هذه الميزانية بيد من يحسن استخدامها، وأعني هنا ضرورة وجود تخطيط سليم للاحتياجات الطبية وأوجه الإنفاق، ووجود رقابة على صرف هذه الميزانية. فضلا عن ذلك فإن تغييرا جوهريا مطلوب في الإدارة الطبية المحلية، إذ أن هناك حاجة ملحة لدماء جديدة وكفاءات إدارية ذات عقليات معاصرة قادرة على إدارة عملية تقديم الخدمات الطبية في السلطنة بصورة أفضل من الموجود حاليا. إن التغيير الإداري مطلب ضروري للخروج من الوضع الراهن، ذلك أنه حتى لو تم اعتماد ميزانية مالية سخية فإن الحال لن يتحسن دون تطوير الإدارة وتغييرها نحو الأحسن. فضلا عن ذلك فإنه مطلوب جدا زيادة مرتبات العاملين في القطاع الطبي من عمانيين ووافدين وذلك لوقف مسألة نزيف الأدمغة الطبية للخارج. أيضا مطلوب إحداث تغيير في جدول المناوبات وتقليل الضغط على الأطباء لتخفيف الأخطاء الطبية، وهو ما يعني بالضرورة زيادة عدد الكادر الطبي الموجود باستقدام عدد أكبر من الأطباء الوافدين وزيادة عدد الطلاب المسموح بدخولهم كلية الطب بجامعة السلطان قابوس. كذلك فإن تطوير الخدمات العلاجية والدوائية يعد مطلبا جوهريا لاستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات الصحية المحلية بعد اهتزاز هذه الثقة. وقريبا من هذا المعنى فإن المطلوب أيضا اختيار كفاءات طبية جيدة من أطباء وممرضين ومضمدين يفهمون فن التعامل مع المريض بشيء من الإنسانية والرحمة والاحترام. وأخيرا فإن المطلوب الاهتمام أكثر بالتثقيف الصحي لنشر الوعي الصحي بين المواطنين مما يقلل حدوث الحالات المرضية ويجنب الناس الوقوع في أمراض يمكن اجتناب الكثير منها بقليل من الوعي والتبصير، وهذا بدوره سيقلل من الازدحام على المستشفيات وبالتالي يساعد وزارة الصحة في تحسين وتطوير خدماتها الصحية متى امتلك القائمون عليها الرغبة الحقيقية لإحداث هذا التغيير المنشود.