Showing posts with label سينما. Show all posts
Showing posts with label سينما. Show all posts

17 October 2019

هل العائلة الكبيرة نعمة أم نقمة؟


الأسرة الجورجية في فيلم (عائلتي السعيدة)


قضيتُ في صيف العام الماضي (2018) عشرين يوما في جورجيا، التي توصف عاصمتها تبليسي بأنها واحدة من أكثر ثلاث عواصم أمانا في العالم. زرت أربع مدن وتعرفت على أشخاص جورجيين رائعين مازلتُ متواصلا مع بعضهم لغاية الآن. الذي لفت نظري في جورجيا، من الناحية الاجتماعية، مقدار الأمان في المدينة رغم تدني مستوى المعيشة. ورغم أنني عشت وسط عائلتين هناك في مدينتين مختلفتين، وتناولت طعام المنازل الجورجي الذي يحضّرونه لأنفسهم، إلا أنني في نهاية المطاف كنت مجرد سائح عابر لم يسبر تماما أغوار المجتمع الذي يعيش فيه. لذا، فكثيرا ما تساءلتُ وأنا هناك: ألا توجد مشاكل في هذا المجتمع الهادئ؟ ما القضايا التي تشغلهم حقا؟ وقد كنت أعرف أن السينما هي خير نافذة سأطل منها على المشهد الجورجي بصورة واضحة وعميقة لو تمكنت من مشاهدة بعض الأفلام السينمائية الجورجية الجيدة.

بعد عام من هذه الزيارة، تسنى لي أن أعرف جورجيا أكثر، وأن أستعيد ذكريات زيارتي لها، وذلك من خلال الفيلم الجورجي (عائلتي السعيدة) الذي شاهدته مؤخرا والذي كان أول فيلم جورجي أشاهده. (عائلتي السعيدة) من تأليف نانا إكفتيميشفيلي وإخراجها بمشاركة سيمون جروب (إنتاج 2017)، وهو موجود لغاية لحظة كتابة هذه الأسطر على شبكة نتفليكس. ترى عن أي شيء سيتحدث فيلم جورجي؟ إنه بالطبع عن العائلة! هذا أول ما فكرت فيه، ففي بلد هادئ وآمن ماذا لدى السينما كي تتعمق فيه، لا شك أنها العائلة. لا بد وأن تكون العائلة محورا رئيسيا في السينما الجورجية، لسبب أساسي، ففي جورجيا لا يزال الناس يعيشون بنمط العائلة الممتدة، حيث لا يزال يسكن البيتَ الجورجي الواحد ثلاثةُ أجيال بل وأحيانا أربعة! ولكن، هل هذا يجعلها عائلة سعيدة أم تعيسة؟



تتمحور قصة فيلم (عائلتي السعيدة) حول الأم "منانا"، في أوائل الخمسينيات من عمرها. نعيش مع "منانا" وعائلتها في تفاصيل حياتهم اليومية، حيث أول مشهد في الفيلم هو لمنانا تشتري جريدة من نوع صحف الإعلانات المبوبة، في المشهد التالي نجدها تعاين شقة ترغب في استئجارها، فقد آن لها أن تعيش بعيدة قليلا خارج محيط العائلة المتطلب. منذ تلك اللحظة يكون الفيلم نوعا من الفلاشباك الطويل، لنعيش وقائع الحياة اليومية لمنانا في محيط العائلة، لنتعرف على التفاصيل التي قادتها في نهاية المطاف لاختيار خيار العيش بمفردها، ولكن بدون قطيعة مع العائلة، وكذلك بدون الذوبان الكامل الذي تلتغي معه شخصيتك الفردية.

عائلة "منانا" تتكون من ثلاثة أجيال، فهي تعيش مع أمها وأبيها الكبيرين في السن ولكل منهما احتياجاته ومتطلباته. يقيم معهم في البيت زوج "منانا"، وولداها الشابان (فتى عاطل عن العمل، لذا يمضي معظم وقته في البيت، و فتاة يتواجد خطيبها في بيت العائلة معظم الوقت). كل هؤلاء البشر بمقدار ما تحبهم ويحبونك، فإنهم يشكلون أيضا ضغطا هائلا عليك، فأنت تقضي عمرك في تلبية احتياجاتهم وتكاد تنكر نفسك، وحينما يأتي اليوم الذي تبحث فيه عن مساحة شخصية لتتنفس تتكالب عليك العادات والتقاليد متهمة لك بالعقوق. هذا هو جوهر الصراع الداخلي العميق الذي تعيشه "منانا"، والذي نتابعه في الفيلم بأسلوب عرض التفاصيل اليومية الدقيقة لواقع الحياة في بيت عائلة جورجية عادية جدا. جودة هذا الفيلم تأتي من اشتغاله المتقن على التفاصيل الصغيرة التي تصنع في النهاية الصورة الكبيرة، حيث ننتهي بالسؤال الذي يكاد يكون بلا إجابة: ما العائلة؟ وإلى أي مدى يمكن أن نعطيها دون أن ننكر ذواتنا؟

14 November 2014

عن فيلم (المشوار الأخير).. والأبوّة القاسية الرحيمة

تلك الأُبوّة.. ملتقى الحب والقسوة!


الفيلم الأسترالي "المشوار الأخير" (إخراج: جليندِن إيفن. إنتاج 2009)، يتحدث عن موضوع يبدو أنه يستهوي عددا لا بأس به من المخرجين الجادين. الموضوع هو الأبوّة، وبالتحديد: العلاقة الشائكة بين الأب وأبنائه الذكور، ومعاملته القاسية لهم، الممزوجة بفهمه الخاص للأبوّة. هذا موضوع خالد حقا، فهو مطروح في كل الأزمنة والأمكنة، وحين يأتي فيلم أو رواية أو أي عمل إبداعي ليقدم رؤية أو معالجة جديدة لهذا الموضوع، فإنه بالطبع شأن جدير بالالتفات إليه.

أثق أن كثيرا من المخرجين حول العالم تناولوا موضوع علاقة الأب بأبنائه، وحتى لو ضيقنا النطاق وركزنا على علاقة الأب بأبنائه الذكور (وليس علاقته ببناته)، فإن هناك عددا جيدا من الأفلام اللافتة للنظر في هذا الشأن. أول ما يخطر ببالي هو الفيلم الروسي "العودة" (إخراج: أندريه زياجنتسيف. إنتاج: 2003) وهو واحد من أهم الأفلام التي تناولت موضوع قسوة الأب على أبنائه إيمانا منه بأن هذا هو السبيل الوحيد ليصنع منهم رجالا. في فيلم "العودة" يعود أب غائب عن حياة طفليه، حيث اختفى لمدة 12 عاما لا يعرف أحد أين كان خلالها، ولا يعرف عنه الطفلان سوى صورة قديمة له. يأخذ الأب طفليه بالقارب في رحلة إلى جزيرة معزولة، وفي مَشاهد ينتاب المشاهدين خلالها مشاعر مختلطة ومضطربة بين كراهية الأب والتعاطف معه والشفقة عليه وعلى الأبناء يُعلّم الأبُ أطفاله دروسا في الحياة، دافعها النبل والمحبة من وجهة نظره هو، لكنها قاسية على الطفلين وجمهور الفيلم معا. إنه لغز لا يُفك بسهولة، تلك العلاقة الشائكة بين هذا النوع من الآباء وأطفاله والطريقة التي يختارها ليصنع منهم رجالا. إنه من الظلم أن نصف الأب بالقسوة ونكتفي بهذا الوصف، فسلوكه القاسي كان مبعثه محبة صادقة، ولقد رأينا حبه لأبنائه حين أدت تصرفاته -غير المقصود منها الشر- إلى وقوع الشر لأحد أطفاله. هنا رأينا الأب المنصهر حزنا وألما وحبا لولده، وهنا نتعاطف معه، وقد نحبه أيضا. فكيف للقسوة والمحبة أن يجتمعا بهذا الشكل؟!


قبل فيلم "المشوار الأخير"، قدمت السينما الأسترالية نفسها أكثر من معالجة لعلاقة الأب بأبنائه. أبرز تلك المعالجات فيلم "ذَهَبُ كولانجاتا" (أو "جائزة كولانجاتا الذهبية". إخراج: إيجور أوزينس . إنتاج: 1984). الفيلم عن علاقة الابن الأصغر بوالده وأخيه الأكبر. الأبناء هذه المرة ليسوا أطفالا. إنهم شباب. الأب الذي كان بطلا في سباقات الجري في شبابه، يضغط على ابنه الأصغر (لوكاس) ليكون نسخة منه، وكثيرا ما يقارن بينه وبين أخيه الأكبر (آدم)، الذي هو في رأي الأب، مثاليّ في كل شيء. بسبب التفرقة في المعاملة التي يزرعها الأب بين أبنائه الإثنين، وبدافع يحدو الابن الأصغر ليكف والده عن مقارنته بأخيه الأكبر على الدوام، بسبب من ذلك يقوم الابن الأصغر بإفساد الأمر على أخيه الأكبر في السباق القادم، إذ في ليلة السباق يرتب لأخيه حفلة ساهرة مليئة بالكحوليات، فيستيقظ الأخ الأكبر غير قادر على الجري تلك المسافة الطويلة التي يتطلبها السباق. يفعل (لوكاس) ذلك بلا وعي منه، فهو يحب أخيه الأكبر، لكن الحال كان قد ضاق به من مقارنة والده له بأخيه الأكبر "المثالي في كل شيء". في حوارهما، يسأل (آدم) أخاه الأصغر بعتاب: لماذا فعلتَ بي ذلك؟ فيجيبه: "لو لم تكن أنت رائعا جدا، لما بدوتُ أنا سيئا جدا". بمعنى، وفقا لذلك السياق، أنه: لو لم يكن أبي يراك مثاليا في كل شيء، لَمَا بدوتُ أنا رديئا في كل شيء. أنا لستُ رديئا إلا عند مقارنتهم لي بك. ولو فشلتَ أنتَ مرة فلن تكون هناك مقارنة ولن أبدو أنا ردئيا/فاشلا. خلال الفيلم -الذي كنتُ أبكي في الكثير من مشاهده لأنه يمس جانبا خاصا بي-، تأتي لحظات نتعاطف فيها مع الأب ونتفهم لماذا يقوم بما يقوم به. إنه ليس شريرا بالفطرة (هل من أحد كذلك حقا؟)، ولكن الشر هو في المنهج الذي يتبعه -بدافع المحبة- لتربية أبنائه وتحفيزهم ليكونوا رجالا أشداء بالطريقة التي يريدها هو. ما يظن الأب أنه يحفزهم، هو في الحقيقة يحبطهم. ما يظنه لصالحهم هو ضدهم. ما يراه فيضا من الحب نحوهم يرونه فيضا من القسوة ضدهم. فكيف للمحبة والقسوة أن يجتمعا بهذا الشكل؟!

يأتي فيلم "المشوار الأخير" ليطرح هذا الموضوع من زاوية جديدة. الأب الهارب من القانون يطوف مع ابنه الصغير ربوع جنوب أستراليا وصحاريها في رحلة يريد منها أن تعلّم ابنَه دروسا عديدة في الحياة. ما الذي يمكن أن يقدمه أب هارب من وجه العدالة -بسبب جريمة ارتكبها- لطفل كان حريا به أن يكون بين أقرانه على مقاعد الدراسة؟ ستعرفنا نهاية الفيلم أن هذا الأب، الذي سنكرهه في معظم مَشاهد الفيلم، قد قدم الشيء الكثير للطفل. سنرى الأب يضرب ابنه، وسنراه يعلمه السباحة عن طريق إلقائه في بركة الماء فجأة، وحين يصرخ الطفل -الذي يكاد يغرق- أنه لا يجيد السباحة، سنرى الأب يرد بقناعة: "هذه هي أفضل طريقة للتعلم". لكن الطفل حقا يتعلم السباحة. قرب نهاية الفيلم، سنعرف ما الجريمة التي ارتكبها الاب ويطارده عليها القانون، ولماذا يفر مع ابنه هائما في سيوح أستراليا. لقد حطم الأب وجه أحد أصدقائه عندما رآه يوما يتحرش بولده. كان الطفل لحظتها غافلا عما ينتوي صديق والده المحبوب لديه ان يفعله به، فإذا بالغريزة الأبوية تدفع بالأب الغاضب ليهوي باللكمات على وجه من يعتدي على طفله البرئ، لكن لكماته تنتهي بقتل الصديق، وهنا يصبح الأب فارا من العدالة مع ابنه الذي لا يوجد من يرعاه. يصبح الأب طريدا لجريمة أوقعه فيها حبه لولده وغريزة حمايته عند الاعتداء. هذا الأب الذي ظنناه قاسيا في معظم مشاهد الفيلم، هو في الحقيقة الحامي الأكبر لطفله. إنه يعرف أن بقاءه حاميا لطفله لن يدوم طويلا (لأنه مطلوب للعدالة)، ولذا يسرّع عملية تعليم الطفل دروسَ الاستقلالية في حياةٍ خشنة. كل تلك الخشونة كان دافعها الرقة، وكل تلك الأذيّة للطفل كان هدفها تهيئته ليواجه عالما لا يرحم، وهذا الأب الذي نكرهه لوهلة، لا نلبث أن نتعاطف معه، بل قد نحبه أحيانا. فكيف للمحبة والقسوة أن يجتمعا بهذا الشكل؟!

06 September 2014

عن الشخص الذي رافقه سوء الحظ طوال حياته

فيلم: هارفي كرومبيت
Harvie Krumpet

تثير مشاهدة فيلم الأنيميشن القصير هارفي كرومبيت  Harvie Krumpetللمخرج آدم إليوت Adam Eliot التساؤل التالي: ماذا هناك؟ ما الذي يجعل من فيلم التحريك القصير هذا قادرا على الرسوخ برأس من يشاهده ومدوّخا لمدة ساعة بعد مشاهدته؟ ما الذي جعل هذا الفيلم ينال الأوسكار وينتزع إعجاب المشاهدين حول العالم إلى درجة الهوس به؟!


"هارفي كرومبيت" فيلمُ تحريكٍ أو أنيميشن قصير موجه للكبار، مدته (22) دقيقة فقط! ومادته الأساسية هي الصلصال. أي أنه من نوعية أفلام التحريك المصنوعة يدويا بطريقة الـ (ستوب موشن) وليس بالمؤثرات الحاسوبية. وأفلام الصلصال -كما تشير التسمية- يتم صناعتها من مادة الصلصال، وهو عمل يدوي مضنٍ، لكنها تعطي الإحساس بالحقيقيّة لأن الشخصية الفيلمية تكون أصلا ذات ثلاثة أبعاد فعلية.
لنعرف حجم الجهد المبذول في صناعة فيلم "هارفي كرومبيت"، نشير إلى أن الفيلم يتكون من 280 لقطة، وعندما يقوم المرء بتصوير مشهد معين لمخلوقات ومكونات صلصالية، فإنه في كل مرة يأخذ اللقطة من زاوية مختلفة، وهو ما يعني تعديل الديكور العام للمنظر السينمائي وتركيب ملحقات وإكسسوارات جديدة. أي أن تصوير 280 لقطة، -وهو بالمناسبة رقم يقترب من متوسط عدد اللقطات التي يتم أخذها لتصوير فيلم روائي طويل بممثلين بشر مدته حوالي 90 دقيقة-، نقول أنه لأخذ ذلك العدد الكبير من اللقطات فإن الأمر يتطلب بناء وإعادة بناء المناظر السينمائية مئات المرات. لأجل ذلك فقد استغرق إنجاز فيلم "هارفي كرومبيت" نحو عامين ونصف، وذلك منذ عام 2001  لغاية اكتمال عملية المونتاج في منتصف عام 2003. لم يَضِع الجهد الذي بذله المخرج آدم إليوت في فيلم "هارفي كرومبيت" هباءً، فقد جلب الفيلم شهرة عالمية لمخرجه وفاز بنحو 17 جائزة دولية مرموقة أشهرها أوسكار أفضل فيلم تحريك لعام 2004.
* * *

تدور قصة فيلم "هارفي كرومبيت" حول شخصية رجل سيء الحظ، بل لعله واحد من أسوأ الشخصيات حظا التي رافقها سوء الطالع طوال حياته، إلا أن هذا بالطبع لا يعني أن حياته لم يكن فيها شيء من البهجة هنا وهناك. الفيلم إذن يسرد سيرة هارفي كرومبيت من يوم ميلاده إلى شيخوخته، حيث يتركنا الفيلم على ما يبدو  في المرحلة الأخيرة لحياة هارفي كرومبيت وهو مصاب بمرض الزهايمر ويعيش وحيدا في دار للمسنين.
ولد هارفي كرومبيت في بولندا عام 1922، لأبٍ حطاب ورث عنه هارفي خشونة اليدين، وأم تعمل في منجم للمعادن ومصابة بتسمم بسبب زيادة كمية الرصاص في جسمها. ملأ هارفي حياة والديه الفقيرين الكادحين حبورا، إلى أن بدأ في النمو لتظهر عليه عوارض شيء من التخلف العقلي. الصفة الأغرب في الطفل هارفي هي ولعه بلمس أنف كل من يقابلهم. هي حركة لاشعورية يقوم بها إزاء جميع الأشخاص الذين يلتقي بهم للمرة الأولى، وكأن وضع إصبعه على أنف شخص آخر هي وسيلته أو مجسّه الحساس للتعرف على الآخر. سلوكه الغريب وعوارض التخلف العقلي جعلت هارفي منبوذا من بقية الصِبية في مدرسته، حيث كثر ايذاؤهم له ورميهم له بالحجارة. ورغم أن أم هارفي كانت أمية، إلا أنها قررت سحب ولدها من المدرسة وتعليمه كافة "حقائق الحياة" التي تعرفها، علّمته مثلا أن جناحي الفراشة أكبر حجما من جسمها، وغيرها من حقائق الحياة التي كان الفيلم يقدمها للمُشاهِد في قالب مرح ولمّاح في وسط المَشاهد. وما إن بلغ هارفي سن الرشد حتى احترق منزل والديه ووجدا ميتين عاريين ومتجمدين من البرد على دراجتهما الهوائية، وفي تلك الأثناء نشبت الحرب العالمية الثانية وقامت ألمانيا بغزو بولندا، وفجأة وجد هارفي كرومبيت نفسه في سفينة لاجئين متجهة إلى العالم الجديد: أستراليا.
* * *
كآلاف المهاجرين بلا أي دولار في جيبهم، وجد هارفي كرومبيت نفسه في أستراليا في مهن متواضعة جدا: زبالا بين أطنان القمامة قضى هارفي كرومبيت أوائل سنوات حياته في العالم الجديد. وبسبب عادته الغريبة في لمس أنوف الآخرين، فشل هارفي في عقد صداقات مع المحيطين به، بل إنه وبسبب قيامه ذات مرة بلمس أنف أحدهم نال هارفي لكمة قوية أدت إلى كسر في جمجمته. أودع الأطباء صفيحة معدنية بين شقي أعلى جمجمة هارفي للحم الكسر. بعد هذه الحادثة دخلت الكآبة حياة هارفي وأفرط في التدخين وبدأ يشعر بضيق مزمن في التنفس، ولما لم تكن مضار التدخين معروفة في ذلك الوقت فقد ذهب هارفي للطبيبة شاكيا مشكلة ضيق التنفس فما كان منها إلا أن نصحته بالمزيد من التدخين!
بينما كان هارفي يجلس ذات مرة تحت تمثال لأحد فلاسفة اليونان، سمع التمثال يحدثه عن ضرورة الإقدام على الحياة ونبذ الكآبة جانبا والتصرف على سجيته، وهكذا وجد هارفي كرومبيت وكأن شعلة عشق للحياة قد توقدت بداخله. قرر هارفي أن ينتمي للطبيعة، فأصبح من نشطاء تحرير الحيوانات من الأقفاص التي يضعها فيها البشر للتحكم فيها وإجراء التجارب المختبرية المؤلمة عليها. قام هارفي بتحرير الحيوانات وإعادتها للطبيعة، كما انضوى مع جماعة من الطبيعيين الداعين إلى عودة الإنسان عاريا كما كان عليه الحال قبل تعقيدات المدنية المعاصرة. لكن الحظ العاثر ما لبث وأن عانده، إذ فقد في حادث إحدى خصيتيه، كما ضربته صاعقة أصابت قطعة المعدن في وسط جمجمته فنجا من الموت بأعجوبة ونُشرت صورته في الصحف المحلية.
بعد الصاعقة التي ضربته دخل هارفي المستشفى، وهناك اكتشف أن قطعة المعدن المركّبة على سقف جمجمته تعمل كالمغناطيس، إذ بإمكانها جذب المعادن إليها.. وهكذا صار لهارفي خصلة طريفة جديدة تضاف إلى مجموعة طرائف حياته المضحكة المبكية.
في المستشفى تعرف هارفي على ممرضة وقع في حبها وبادلته الحب، وسرعان ما تزوجا ليعيشا في بيت بسيط دافئ بالحب الأسري وبقطتين وببغاء مصاب بمرض تساقط الريش، حيث كانت زوجة هارفي تحيك له كنزة صوفية لتدفئه بها، لكن الببغاء –حتى الببغاء- لم يقع يوما في غرام هارفي بل كان كثيرا ما يسكب فضلاته على رأس هارفي الأصلع!
* * *
فشلت غدة إنتاج هرمون الذكورة الوحيدة التي يملكها هارفي في مساعدته ليكون له أبناء من نسله (وذلك لفقده إحدى خصيتيه في حادث)، فتبنى هو وزوجته طفلة ملأت حياتهما بهجة، وقد حرص هارفي على تعليمها كافة "حقائق الحياة" التي يعرفها ومنها أهمية العودة للطبيعية وتحرير الحيوانات من الأسر وغيرها.
شبت الطفلة ذكية لماحة، وبعد إتمامها المدرسة سافرت للدراسة الجامعية في أمريكا لتكون محامية. وفي عيد ميلاده الخامس والستين توفيت زوجة هارفي كرومبيت فجأة رغم أنها لم يسبق لها أن اشتكت من أي مرض. بعدها عمت الكآبة نفس هارفي وبدأت عليه علامات مرض الزهايمر، حتى انتهى به المطاف في دار للعجزة بعد أن رآه الجيران يحاول سحب النقود من الميكرويف الموجود بمطبخه!
في دار العجزة عاش هارفي كرومبيت حياة لها طبيعتها الخاصة، حيث تبدلت به الأحوال من لحظات مرح ودعابة ومقالب ضاحكة يتسبب فيها لبقية النزلاء حوله، إلى لحظات كآبة لاسيما مع ازدياد حدة مرض الزهايمر. أما بهجته الحقيقية فكانت عندما يتلقى رسالة من ابنته في أمريكا، حيث كان يعيش بانتظار أن تقوم بزيارته، إذ كانت تلك أغلى أمنياته.
ينتهي الفيلم بهارفي كرومبيت في دار المسنين متأرجحا في حياته بين الكآبة تارة والعشق العارم للحياة تارة أخرى، محاولا اعتصار لذّاتها حتى في أحلك الظروف. هي حياة طويلة عشناها مع هارفي كرومبيت في 22 دقيقة فقط. ثلث ساعة تقريبا عشنا فيها حياة كاملة بمرها ومرها وحلوها البسيط، حيث قال فيلم هارفي كرومبيت في تلك الدقائق القصيرة ما لا تستطيع أفلام روائية طويلة أن تقوله أحيانا رغم أنها أطول منه زمنيا بخمسة أو ستة أضعاف!
المزاوجة بين الدعابة والجدية والألم في كيان آسر خصلة اتسم بها فيلم هارفي كرومبيت جعلت مشاهديه يعيشون دقائقه القليلة بلا إطرافة جفن وبحرص على أن لا تفلت منهم تفصيلة واحدة. بين ثنايا مَشاهد الفيلم كانت تقفز للشاشة معلومات طريفة بمثابة حقائق حياتية يتعلمها هارفي في رحلة حياته بالأسلوب الذي ابتدعته والدته حين سحبته من المدرسة وقررت تعليمه بنفسها. أضافت تلك الحقائق أو المعلومات نكهة ساخرة للفيلم وحسا تأمليا له رغم إيقاعه السريع، أما الأداء الصوتي للممثل الأسترالي الشهير جيوفري رَش Geoffery Rush الذي قام بدور السارد فقد منح الفيلم طزاجة وحيوية.
أجمع الكثير من المشاهدين بعد مشاهدتهم لفيلم هارفي كرومبيت، على أن هذه الشخصية الصلصالية قد أضحت قريبة منهم وحميمة إليهم، ولا يجد هؤلاء شكا في أحقية الفيلم في الجوائز الدولية العديدة التي حصدها أينما حل وارتحل.

22 August 2014

مقاربة سياسية لفيلم "حين ميسرة" لخالد يوسف

قاع المدينة الذي يحكمه قانون الفقر والقسوة
مقاربة سياسية لفيلم "حين ميسرة" لخالد يوسف


يدخل فيلم "حين ميسرة" للمخرج خالد يوسف إلى تجمعات سكانية محيطة بالعاصمة المصرية القاهرة يخشى رجال الشرطة أنفسهم أن يدخلوها، إذ يقتحم الفن –عبر هذا الفيلم- مناطق ملغومة يحكمها قانون لا يعبأ كثيرا بالقوانين الرسمية والأنظمة والممنوعات، ففي عالم التجمعات السكنية المعروفة بـ "العشوائيات" والتي تنتشر كالنباتات البرية حول القاهرة لا يسود سوى قانون الفقر وما يتمخض عنه من صراع ضارٍ من أجل البقاء، بكل ما يستتبعه ذلك من قسوة وعذابات تطحن سكان هذه العشوائيات الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا فقراء ويبدو أن الفقر والقسوة هما رفاق دربهم من المهد إلى اللحد.


يقدم الفيلم مسحة بانورامية مكانية وزمنية لمجموعة من سكان إحدى العشوائيات خلال فترة يؤرخها الفيلم بين عام 1990 (أي قبل الغزو العراقي للكويت بعام واحد) وعام 2003 (وهي سنة الاحتلال الأمريكي للعراق). على الرغم من أن فيلم "حين ميسرة" ليس فيلما سياسيا بالدرجة الأولى، إلا أن السياسة هي الخلفية التي تنتظم حولها أحداث قصة الفيلم رغم عدم وجود ربط مباشر بين الحدث السياسي والأحداث الاجتماعية المتصاعدة في سيرورة الفيلم. تصنع تطورات الأحداث السياسية (ما قبل غزو الكويت، بعد الغزو، عملية عاصفة الصحراء، واحتلال العراق)—تصنع هذه التطورات الخلفية التاريخية التي تُعين على فهم المناخ العام الذي تعيش فيه شخصيات الفيلم. بعض شخصيات الفيلم مرتبطة بشكل مباشر بما هو سياسي، فهناك مِن الشخصيات مَن كان يعيش في العراق عند الغزو، وهناك من يتحول إلى عنصر من عناصر تنظيم "قاعدة العراق"، إلا أن عموم الشخصيات لا علاقة مباشرة لها بالحرب، إلا أن أوضاعها المأساوية التي تعيش فيها هي بشكل أو بآخر ثمرة من ثمار مناخ الانكسار العام الذي يعيشه عموم المجتمع العربي في ظل هزائم عسكرية وفساد سياسي. إن المساكن العشوائية التي ظهرت للوجود بلا أدنى تخطيط عمراني هي نتيجة من نتائج الوضع المتردي في بعض البلدان، وهو تردٍّ له علاقة بالتردي العسكري والسياسي، فظهور العشوائيات هو نتيجة لوجود قرار سياسي داخلي عاجز ومقصّر عن إيجاد حل للمشاكل الاقتصادية المتفاقمة، هذا القرار العاجز يعد عاجزا لأنه هو بذاته حلقة في سلسلة الانكسار والانهزامية. فهناك احتلال، وهناك فساد إداري لأنظمة موالية للمحتل، وهناك أبرياء يدفعون الثمن. حين تكون الأمة مهزومة وينشغل صناع القرار فيها بتكديس ثرواتهم الشخصية، فإن ظهور "العشوائيات" يعد نتيجة طبيعية. عندما لا يصنع الساسة شيئا لإنقاذ شعوبهم من غائلة الفقر والبطالة في منطقة جغرافية تنهشها الصراعات والنظم المستبدة، تصل الشعوب دون شك إلى حال مزرية تتجسد في المعيشة في ظروف تفتقر للحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.هذه الحال المزرية هي نتيجة منطقية لمناخ الانكسار العام الذي تعيشه المنطقة على الصعيدين السياسي والعسكري، باعتبار أن فساد صناع القرار –الذي أدى لنشوء العشوائيات- هو ثمرة من ثمار مناخ الانهزام العام الذي تعيشه المنطقة. باختصار شديد: إن الهزيمة العسكرية تقود إلى طُغمٍ حاكمة لا تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار. يصدر عن هذه الطُغم الحاكمة قرارات سياسية وإدارية فاسدة تقود إلى معاناة الناس، وما "العشوائيات" إلا صورة من صور هذه المعاناة. وبهذا المعنى يتضح الرابط بين الأحداث السياسية الواردة في الفيلم وبين الأوضاع التي تعيش فيها الشخصيات. فشخصيات "حين ميسرة" حتى وإن كان معظمها يعطي ظهره للتلفاز وهو يبث أنباء حرب احتلال العراق –لأنهم لا يعرفون أصلا أين تقع العراق-، إلا أن ما هم فيه من معاناة –دون أن يعوا ذلك بالطبع- هو جزء من نتائج هذه الحروب والهزائم العامة التي أوصلت الناس إلى الفقر والجهل وحرمتهم من حق الحياة الكريمة. يبدع فيلم "حين ميسرة" مونتاجيّا في الربط بين قصف بغداد وتفجير خلية انتحارية للقنابل داخل الأحياء الشعبية: قذيفة على بغداد وقنبلة تنفجر في حارة عشوائية حول القاهرة. كما يبدع الفيلم أيضا في الربط بين ضربات الدفوف وهي تهز خصر الراقصة المتغنجة، وبين أزيز الرصاص الذي يحصد الفقراء. كل هذا المزيج مرتبط فعليا بعضه ببعض، وهو ربط لا يراه إلا المبدع ذو البصيرة الرائية، فكل قذيفة تسقط على بغداد يسقط معها إنسان برئ في مكان ما حول هذا الوطن العربي واقعا في براثن المذلة وضحية أخرى لسياط الاستبداد والفقر وانعدام الحياة الكريمة.
* * *
يزخر فيلم "حين ميسرة" بالعديد من الشخصيات الرئيسية والثانوية، أهمها إجمالا هما شخصيتا "عادل حشيشة" و "ناهد". عادل -الملقب في الحارة باسم "حشيشة"- شاب في مقتبل العمر يعمل ميكانيكيا، لكن الفقر الذي يطوقه –مثل كافة سكان الحارة- يجعل حياته صعبة، فهو يعيش مع أمه التي تربي حفنة من أطفال ابنتها. الابنة غائبة تبحث عن لقمة العيش في مكان آخر بعد أن هجرها زوجها. على عادل ليس فقط إطعام نفسه ووالدته، ولكن إطعام أفواه الأطفال الذين يفترشون الأرض جميعا عند نومهم في بيت يكاد ينعدم فيه الأثاث. يتعرف عادل على الفتاة ناهد. ناهد بدورها نموذج آخر من نماذج الحياة القاسية. هي شابة يافعة تفر من البيت لاستمرار زوج أمها في التحرش بها، وأينما تذهب فإن الجميع يطمع في جسدها، باستثناء عادل الذي يلتقي بها بالصدفة ذات يوم فينقذها من تحرش أحدهم بها. تثمر علاقة عادل بناهد عن حمل، إلا أن الفقر يجبر "عادل" على رفض أبوّة الطفل لأنه –أي عادل- ليس بحاجة إلى فم آخر لإطعامه. هذه فقط نقطة البداية في الفيلم، أو الأرضية الأولى التي احتلت العشرين دقيقة التأسيسية من ساعتين وربع الساعة هي مدة الفيلم. في الفيلم أكثر من ذلك بكثير جدا من الأحداث المتشابكة والمتعددة. وإذا كانت القصة التي سردناها تدور أحداثها عام 1990، فإن آخر مشاهد الفيلم تقع عام 2003، حيث يكون ابن عادل وناهد قد تحول إلى متشرد يعيش بين مكبات القمامة وقد وصل بالكاد لسن البلوغ، وأصبح هو بدوره أبا لطفل صغير ليكمل هو وابنه مسيرة الأب والأم: ضحيتان جديدتان من ضحايا الفقر وفقاعتان في دوامة الضياع الأبدي في عالم العشوائيات الذي لا يرحم. إنه قاع المدينة الحقيقي، حيث الخشونة سيدة الموقف، وحيث القيم الأخلاقية تتخذ طابعا آخر خاضعا لمتطلبات لقمة العيش، وحيث مقولة "لا أحد يبات بلا عشاء" تبدو باطلة كليا، فشخصيات ذلك القاع ما أكثر ما يبيتون لياليهم بلا عشاء وبلا حتى إفطار.
قدم "حين ميسرة" عالم سكان العشوائيات بشكل لم تذهب إليه السينما المصرية بهذا التكثيف والتعمق من قبل. لقد تمكن خط القصة والمعالجة الفنية من نقلنا إلى مناطق ما وطأتها أقدامنا من قبل ولا أبصرتها عيوننا. فهنا عشرات الشخصيات من المهمشين الذين يتعفف عن تناول عوالمهم الكثير من صناع السينما. يُروى أن مخرجا مصريا "عالميا" شاهد فيلما مصريا تناول الحياة المحزنة لسكان إحدى قرى الصعيد فقال: "هل هناك حقا ناس يعيشون بهذا الشكل؟ لو كانوا حقا موجودين فإنهم لا يستحقون عمل فيلم عنهم، لكنهم يستحقون الضرب بالنار!". إن أهمية فيلم "حين ميسرة" تأتي من هذه الحقيقة وهي أنه قد ذهب بجرأة وقوة لينقل لنا حياة عوالم أخرى لا نراها عادة على الشاشة، وهذا بالطبع جزء أصيل من مهمة صانع السينما الحقيقي. استطاع خالد يوسف أن يتجاوز سينما التزويق والطبطبة التي تروّج للأشياء سياحيا وتنتقي أفضل الشوارع والبنايات والديكورات، ليخرج بفيلم يقدم صورة غير مألوفة عمن يستحقون حقا أن تلتفت السينما إليهم وتنشغل بهم. لم يجامل "حين ميسرة" السُلطة في شيء، على العكس من ذلك، فضح الفيلم بجرأة استغلال العناصر الأمنية لمناصبها وقسوتها المفرطة في التعذيب. أظهر "حين ميسرة" بجرأة تستحق الالتفات إليها أن صناع القرار لا يرون في العشوائيات إلا ميدانا للألعاب السياسية ولتحقيق المآرب الخاصة. لتوضيح هذه الصورة ينبغي سرد جزء من قصة الفيلم تبين علاقة عناصر الأمن بحياة العشوائيات. بصفة عامة فإن الشرطة تخشى دخول العشوائيات نظرا لقسوة الأمور هناك، ولكون قانون الشرطة ليس هو القانون الأقوى، إذ أن القانون الأقوى في العشوائيات هو قانون البقاء للأصلح. والأصلح في عالم العشوائيات هو من يحترف استخدام "المَطوة" والسكاكين أفضل من غيره. ولأنه لا مفر للشرطة من دخول العشوائيات بين حين وآخر حين تزيد الفوضى كثيرا عن المسموح به وتتخطى الخط الأحمر، فإن ثمة أعوانا للشرطة داخل العشوائيات يسهّلون المهام. هؤلاء الأعوان هم من القبضايات الذين تغض الشرطة الطرف عن نشاطاتهم داخل الحارة طالما يقدم هؤلاء خدماتهم لرجال الأمن. إلا أن أهل السلطة لا أمان لهم، وحساباتهم مختلفة وفقا للمصالح المتغيرة، ولذا فإن التضحية بأعوانهم داخل العشوائيات مسألة واردة. في فترة من فترات حياته يتمكن "عادل حشيشة" من أن يصبح زعيم الحارة، إلا أن تسيّده في التحكم بالحارة يزعج الكرامة الشخصية لأحد مسؤولي الشرطة الذي يرى أن "عادل" قد "نبتت له أظافر وحان تقليمها". يلقن الشرطة عادل درسا بجرعات من التعذيب بعد أن يلفقوا له جريمة حيازة المخدر. لا يكتفي خالد يوسف وكاتب قصة الفيلم ناصر عبدالرحمن في الوقوف عند هذه النقطة في فضح تعامل السُلطة مع العشوائيات ومساهمتها الملحوظة في مفاقمة أزمة حياة من يعيشون بهذه  العشش، وإنما يذهبان أبعد من ذلك في نهاية الفيلم حين لا يتردد صناع القرار في نسف إحدى الحارات على رؤوس ساكنيها وكأن من يعيشون هناك مستعمرة نمل أو حشرات وليسوا بشرا. يَنْصُب بعض الانتحاريين فخا لرجال الشرطة داخل الحارة مما يؤدي لمقتل عدد كبير من رجال الأمن. العشوائيات –كما يُظهِرها فيلم "حين ميسرة"- مكان ملائم لخلق واختباء العناصر المسلحة و"الإرهابيين" وذلك بسبب ضعف قبضة يد الشرطة على هذه الحارات. على أية حال فإنه، وكرد فعل لمقتل ذلك النفر من الشرطة على يد المسلحين، فإن مسؤولا رفيعا في الدولة يأمر بتلقين الانتحاريين درسا قاسيا وذلك باقتلاع الحارة كاملة بالجرافات بحثا عن العناصر المسلحة المختبئة. المصير المؤلم للحارة العشوائية التي غطّى أزقتها فيلم "حين ميسرة" يبرز في الرسالة الختامية التي يقولها الفيلم: هذه العشوائيات التي نشأت تحت ضغط الفقر والبطالة وسادها قانون اجتماعي وأخلاقي قاسٍ خاصٌ بها، هي في نظر الحكومة ليست أكثر من أكوام صفيح يمكن لقرار سياسي أن يزيلها هي وأهلها بجرة قلم. إن القرار السياسي –الذي هو بيد الطُغمة المتحكمة في البلاد والعباد- قد ظل مكتوف اليدين ناظرا للعشوائيات وهي تنشأ وتتكاثر وتتوسع دون أن يفكر أحد من صنّاع القرار يوما في البحث عن حل لها وأن يرتقي بساكنيها إلى مصاف الحياة الإنسانية الكريمة. هذا القرار السياسي الذي لم يتدخل يوما لوضع علاج لمآسي سكان هذه العشوائيات، يتدخل فجأة بقسوة واستبداد وبمجرد جرة قلم ليقول أن العشوائيات مستعمرات تنبغي إزالتها بمن فيها بالجرافات إذا ما تعرضت "كرامة" السلطة للإساءة لها. أين كانت كرامة السلطة إذن حين كانت العشوائيات تزحف كالفطر عاجّة بالمساكين من ضحايا القرارات السياسية والإدارية العاجزة التي لم تفعل شيئا يوما لانتشال الناس من طاعون الفقر والبطالة والعوز؟
* * *
ينتمي فيلم "حين ميسرة" بجدارة لميراث ما يُعرف بـ "السينما الثالثة"، وهو مصطلح نقدي يشير إلى سينما دول العالم الثالث –تحديدا دول أمريكا اللاتينية- المشغولة بتفاصيل البسطاء والفقراء والثائرين والمسحوقين وبموضوعات "مختلفة" عما تقدمه السينما السائدة، حيث يتم عادة تقديم هذه الموضوعات بوسائل تعبيرية مختلفة تتصف بأنها أقل ولعا بالمؤثرات البصرية والحركية وبالديكورات الباذخة. وبهذا المعنى فإن اصطلاح "السينما الثالثة" يقف مناهضا لما يمكن تسميته بـ "السينما الأولى" والتي هي سينما هوليوود ذات القصص المفبركة التي لا علاقة لمعظمها بالناس العاديين، كما يقف مفارقا لـ "السينما الثانية" التي هي سينما أوروبا المسيطر عليها منهج "سينما المؤلف" والمتصفة بصفة عامة بمعالجة بصرية ذات طابع برجوازي وبحوارات بطيئة ومشاهد طويلة. تقف "السينما الثالثة" في خندق آخر معبرة عن المهمشين والمسحوقين. لا يعني لغتها التعبيرية أيَّ زخرف وزركشة مبالغ فيهما أوتجريب تقني شاطح، مثلما لا يعنيها وجود أبطال خارقين كسوبرمان والرجل الوطواط. إنها سينما تنهض بوجود قصة قوية مستلهمة من نبض الشارع، وذات توجه "تحريضي" للتغيير، وبإخراج واقعي (غالبا) يركز على "قول الحقيقة" واستنهاض المتفرج ليكون له موقف عملي فاعل مما يراه في الفيلم. من هذه القاعدة المتينة المسماة "السينما الثالثة" يستقي خالد يوسف قوة فيلم "حين ميسرة". إن التصوير في العشوائيات والحياة الشخصية مع سكانها لنقل صورة حقيقية عنهم هو جزء من الخصال العامة التي تجمع مبدعي تيار السينما الثالثة الذين يستمدون موضوعاتهم من بيئات عايشوها وخبروها فعليا. ففي الوقت الذي يتجنب فيه الفرد العادي دخول إحدى العشوائيات، فإن خالد يوسف وطاقمه قد تعرفوا عن كثب على ما يحدث هناك ونقلوا للمشاهد صورة مقربة عما عايشوه وشاهدوه. ولأن الصورة التي نقلها خالد يوسف بعدسة مصوريه تختلف عن الصورة التي يريد الإعلام الرسمي إظهارها، فقد اُتهِم الفيلم بأنه يعمل على تشويه صورة مصر وهناك من دعا لمحاكمة فريق العمل، وهي تهمة جاهزة لأي مبدع في الوطن العربي يتجرأ على فضح ما لا يحب ذوو البدلات الأنيقة أن يظهر في وسائل الإعلام.
* * *
يبدو الألم كما لو أنه القدر المرسوم للعشوائيات وهي تواجه خطر النسف وليس ترياق إعادة البناء والتخطيط العمراني السليم. رجال الأمن ما اهتزت لهم طرفة جفن وهم يهدمون الحارة بالجرافات، أما الانتحاريين –الذين هم من أبناء الحارة نفسها- فهم أيضا ما أخذتهم رأفة بأحد وهو يلغّمون كافة أركان الحارة لنسفها وهم يهربون منها قبل هجوم العسكر. بأيدي هؤلاء أو هؤلاء فإن النسف هو مصير الحارة. لا أحد يفكر في علاجٍ للوضع القائم أو مساعدة البشر الذين وجدوا أنفسهم بلا أدنى ذنب يعيشون ذلك الواقع القاسي. إن ما يفكر به الآخرون هو نسف العشوائيات فقط وكأن أهاليها اختاروها طواعية ليسكنوها لا كأن الفقر والظلم والفساد فرضها عليهم فرضا. بين الرحمة الغائبة لدى الانتحاريين ورجال الأمن على حد سواء، وتحت قبضة الفقر وشظف الحياة، يعيش المكلومون من سكان العشوائيات إلى "حين ميسرةٍ" تأتيهم لتنزاح الغمة ويأتي الفرج. فهل ستأتيهم الميسرة يوما؟ وهل سيسهم هذا الفيلم في شيء من هذا ولو قليلا؟!

17 August 2014

اللاهون في الجحيم

فيلم: ووك-أباوت
Walkabout

ووك-أباوت Walkabout (وأجتهد هنا في ترجمة العنوان إلى "التطواف الهائم") هو ثاني فيلم للمخرج البريطاني نيكولاس روج Nicolas Roeg، وقد رأى النور عام 1971. قبل ووك-أباوت أخرج روج فيلما واحدا حمل اسم "الأداء" تعاون في إخراجه مع مخرج آخر هو دونالد كاميل Donald Cammell، ولذا فإن ووك-أباوت هو الفيلم الأول الذي يخرجه نيكولاس روج لوحده بلا تعاون مع مخرج آخر، إلا أن تجربة روج السينمائية أقدم من ذلك بكثير.


نيكولاس روج بالأصل مدير تصوير، أي الشخص المسؤول عن جماليات التصوير والإضاءة والألوان وتناسقها في الفيلم السينمائي. كمدير للتصوير، تميز روج عن الآخرين، إذ كانت له دائما رؤاه الحساسة لمكونات اللقطة السينمائية، وقد شارك كمدير تصوير في عدة أفلام لها اليوم أهميتها في تاريخ السينما. من الأفلام التي عمل فيها روج في مجال التصوير السينمائي فيلم "لورانس العرب" عام 1962 مع المخرج ديفيد لين. حيث كان نيكولاس روج مسؤولا في هذا الفيلم تحديدا بشكل كامل عن كافة تفاصيل مشهد تفجير القطار وهو أحد المشاهد الرئيسية في الفيلم. تدور أحداث فيلم "لورانس العرب" في البادية العربية، حيث تحظى الصحراء بحضور باهر وأساسي كشخصية من شخصيات الفيلم. إن حضور الآفاق الممتدة المعروفة بالـ لاندسكيب Landscape ، مثل الصحارى، يعد ثيمة أساسية في عدد من أفلام روج، وهو ما سيتضح أكثر عند الحديث عن فيلم ووك-أباوت.
* * *
يجسد ووك-أباوت مسألة رئيسية في سينما نيكولاس روج، ألا وهي التصوير في الفضاءات المفتوحة والسفر خصيصا إلى أماكن جديدة لتكتشفها كاميراه وتلتقط بصيرته السينمائية أبعادها الجمالية. في السبعينيات لوحدها أخرج روج أربعة أفلام يدور كل واحد منها في بلد مختلف. أو بالأدق، يدور في بلد جديد خارج بريطانيا موطن المخرج ومقر إقامته. ففي أفلامه التالية: "ووك-أباوت"، "لا تنظر الآن"، "الرجل الذي هوى إلى الأرض"، وأخيرا "توقيت سيئ"، في هذه الأفلام الأربعة ذهب روج إلى أربع بلدان مختلفة للتصوير. ذهب بالتسلسل إلى: صحراء أستراليا، القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالية، جنوب غرب أمريكا، ومدينة فيينا. أي أن أفلام السبعينيات جميعها التي أخرجها روج قد قام بصناعتها خارج المملكة المتحدة!
يبحث روج عن شيء خاص. عن مكان خارج البنايات الشاهقة والغرف الضيقة. يبحث عن أمكنة جديدة على عينيه مثلما هي جديدة على عيني المشاهد. وقد نُقِل عن روج التساؤل التالي: "كيف نستطيع أن نزعم أننا نفهم من نحبهم فهما كاملا، إن لم نضعهم في إطارهم المكاني الكبير؟". يضع روج المكان كمفتاح لفهم الشخصية الإنسانية. هناك مؤلفون وصناع أفلام يختبِرون شخصياتهم بوضعها في مواقف خطرة لفهم تصرفاتها، لكن ذلك لا يقدم لنا نظرة بانورامية عن سلوك الشخصية في السراء والضراء، فهو يكتفي برصد ردة فعلها في الظروف الحالكة. أما نيكولاس روج فيختبر شخصياته من خلال علاقتهم بالمكان الذي يعيشون فيه. لعل الشخصية وما تقوم به ليس الهدف الأصلي للحبكة، لعل المكان هو بيت القصيد، وما الشخصية إلا مطية للتعرف على جماليات الأمكنة وخواصها.
* * *
تدور أحداث فيلم ووك-أباوت في أستراليا. جزء بسيط جدا منه يقع في مدينة سيدني، أما الجزء الأكبر فتدور أحداثه في الصحراء الأسترالية المعروفة بالـ آوت-باك OutBack. كلمة ووك-أباوت والتي يتسمى الفيلم باسمها، عبارة عن لفظة حديثة لوصف طقس قديم خاص بسكان أستراليا الأصليين. جرت العادة العتيقة في مجتمع سكان أستراليا الأصليين، على أنه حين يصل الفتى سن البلوغ، فإنه يغادر عشيرته ويهيم وحيدا في الصحراء مدة من الزمن تمتد عدة أشهر لا يختلط فيها بأي تجمع بشري من السكان. هذا الطقس هو طقس الـ ووك-أباوت، وبترجمة قد لا تكون دقيقة يمكن تسميته بـ "التطواف الهائم". غرض التطواف الهائم هو تعليم الفتى أصول الاعتماد على النفس للبقاء حيا في بيئة شحيحة الموارد. يحمل الفتى في فترة تطوافه خلاصة ما تعلمه من قومه من فنون الصيد والبحث عن الماء في الصحراء القائظة. يطبق الفتى هذه العلوم، فإن اجتاز هذا الامتحان الصعب ونجا من مهالك الصحراء فإنه يصبح خليقا بدخول عالم الرجولة.


تبدأ أحداث فيلم ووك-أباوت بعيدا عن هذا كله، بعيدا عن الصحراء وسكان أستراليا الأصليين. يبتدئ الفيلم بأُسْرة (بيضاء) تعيش في مدينة سيدني ذات البنايات الشاهقة. لا حوار في بداية الفيلم ولكن خليط من الموسيقى وصوت الراديو واللقطات السريعة لحياة مدينة مزدحمة خانقة.  نفهم من السياق أن الأب –رب الأسرة- يخطط للذهاب للصحراء الأسترالية البعيدة كل البعد عن حياة المدينة، لا نعرف بالضبط هل هو منقول للعمل في أحد المواقع هناك أم أنها مجرد رحلة خلوية. كل ما نعرفه من اللقطات التالية أن الأب يأخذ ابنته ذات الأربعة عشر ربيعا، وابنه ذا الأعوام التسعة وينطلقان إلى صحراء الآوت-باك الأسترالية الشاسعة.
في مكان مهجور بعيد عن كل شارع أو ملمح للحضارة البشرية، يقف الجميع في استراحة لتناول الطعام. الطفل الصغير يلعب بمسدس أطفال متخيلا نفسه في معركةٍ ما كما يفعل الأطفال الذكور ببراءة. الابنة تنزل لتغتسل في بركة ماء بالجوار. أما الأب فيخرج مسدسا ويصوبه نحو الطفل. نسمع طلقات رصاص. يتداخل صوت إطلاق الرصاص الفعلي مع صوت تقليد إطلاق الرصاص الطفولي الذي يمثله الفتى وهو يلعب. إن الجد والهزل يختلطان، وبراءة الطفولة تجابه عالم الكبار في إيقاع مونتاجيّ لماح. بعد كل أصوات طلقات الرصاص الحقيقي والوهمي التي سمعناها، نرى الأب وقد أضرم النار في سيارته وأطلق رصاصة على رأسه. لن نعرف أبدا سبب ذلك طوال الفيلم، لكن بإمكاننا التخمين أن المدنية المعاصرة قد نالت منه وأنه لا يريد أن يمضي أبعد من ذلك.
* * *
أب ميت. سيارة محترقة. وفتاة في الرابعة عشرة من عمرها مع أخيها ذي الأعوام التسعة متروكان وحيدين في صحراء شاسعة. ذلك هو توصيف المشهد لغاية الآن. وحين نقول صحراء شاسعة فنحن نعني ما تعنيه الكلمة حقا. فصحراء أستراليا واسعة لدرجة أن المرء يمكن أن يقطع مئات الأميات قبل أن يصادف في طريقه إنسانا آخر.
هنا تبدأ معاناة الأخوين للحفاظ على حياتهما. يبدآن المشي على غير هدى. ينفد ما لديهما من طعام. يبدأ التعب في النيل منهما، وتخيفهما حيوانات الصحراء وزواحفها، أما تسلق الصخور والتلال فيوهن جسديهما. تتبّع كاميرا فريق نيكولاس روج تفاصيل رحلة الشابين في مديح بصري لجماليات الصحراء ومخلوقاتها رغم المعاناة التي تحيق بالشخصيتين البريئتين المتروكتين لموت وشيك إن لم تتحقق معجزة ما. تأتي المعجزة على هيئة فتى من سكان أستراليا الأصليين، فتى شبه عار خلا من خرقة بسيطة وقد لف حول وسطه سحلية اصطادها مؤخرا. الشاب الأسمر هو فتى في مرحلة الـ ووك-أباوت، أو التطواف الهائم معتمدا على ذاته فقط ومعتزلا كل العالم من حوله. ثلاثة أبرياء من حضارتين مختلفتين، ما أكثر ما نالت المتفوقة صناعيا من الأخرى من سفك للدماء وإبادة تاريخية! لا لغة مشتركة بين الثقافتين، لكن الشاب الأسمر يفهم أن الفتى والفتاة بحاجة إلى شَربة ماء وإلا لهلكا عطشا. لا يبخل الشاب بمفاجئته حين يريهما أن الماء مخزون في الأرض تحت قدميهما وأن عملية حفر بسيطة ستأتي بالماء وتنقذهما! ورغم غياب اللغة الملفوظة بين الأطراف، تلتحق الأخت وأخوها بالشاب الأسمر ويلازمان خطاه في هيامه في الصحراء، فلعله يقودهما إلى شارع مسفلت يمكن أن يستقلا منه سيارة تعود بهما إلى المدينة، إلى حيث ينتميان.
* * *
تأخذ رحلة الفتية الثلاثة معظم وقت الفيلم. لنزور معهما سحر الصحراء الأسترالية وتشكلاتها الفريدة بين رمال جافة تارة وواحات مياه مؤقتة تارة أخرى. بين الطيور والسحالي والثدييات النادرة، وبين الأراضي القاحلة التي لا تحتوي سوى هياكل حيوانات نافقة.
الفيلم أيضا بحث في العلاقة بين حضارتين. هو تجربة بريئة من أمنا الطبيعة: حيث ثلاثة أطفال من حضارتين مختلفتين تلتقي طفولتهم في الأرض البكر، فهل هناك أيضا سيد وعبد في رحاب الطبيعة؟
يتحدث الكاتب لي هيل Lee Hill في مجلة "حواس السينما" عن شخصيات نيكولاس روج واصفا إياها بأنها شخصيات لا تدرك أنها تعيش في الجحيم لأنها تقضي معظم وقتها في حالة لهو، لكن حين تنتبه إلى ذلك يكون الأوان قد فات وتكون هي قد اجتازت نقطة اللاعودة. ذلك أيضا ما يحدث لشخصيات فيلم ووك-أباوت، فالفيلم ينتهي بقفزة إلى المستقبل حيث الفتاة تعيش في سيدني وقد تزوجت وتعيش حياة مدينية عادية جدا، أي رتيبة. ووسط تلك الرتابة تتذكر أنها حظيت يوما في مراهقتها بحياة أخرى في الفردوس في الصحراء الأسترالية في حضن الطبيعة الخالصة، قبل أن ينتهي بها المطاف في جحيم المدينة الرتيب.

لا أسرار في هذه القرية!

لا أسرار  في هذه القرية!

مِن أمتع مناخات الأفلام السينمائية بالنسبة لي، تلك الأفلام التي تدور أحداثها في بلدة أو قرية صغيرة، بحيث نعايش في الفيلم أفرادَ قرية كاملة، العديدَ منهم، بعاداتهم وطباعهم وأحزانهم وأفراحهم ووقائع حياتهم اليومية. ليس مهما لديّ أن تكون قرية حقيقية يسميها الفيلم بالاسم، ويمكن العثور عليها في "خرائط جوجل"، أو أنْ تكون قرية متخيَّلة. ليس مهما أيضا أنْ تكون قرية معاصرة، ولا أنْ تدور الأحداث في الماضي. المهم هو أنْ يأخذنا الفيلم إلى حياة عدد هائل من البشر. عدة قصص لعدة أشخاص تتداخل مصائرهم وتتشابك. المهم أن أعيش مع الفيلم وكأنني أحد سكان تلك القرية: أعرف أسماء الجميع هناك، وماذا يعملون، وبماذا يغتابهم جيرانهم، وما شكل الحانة المفضلة التي يذهب إليها الأزواج الغيورون والمُحبَطون، ومن هي أجمل النساء التي تغار منها جميع سيدات تلك البلدة. إنها حياة ثرية أعيشها بقضها وقضيضها في واقعية تامة، وكأنني عشتُ حياتي جميعها في تلك القرية. لكن الحقيقة، أنني لا أعرف أحدا هناك، ولذا أنا أستمتع بالتلصص على ما يجري لهؤلاء الناس، وأن أحتفظ بمسافة تعصمني من الاكتواء بلهيب ما يعانونه، فـ "القرية الصغيرة جحيمٌ فسيحٌ" كما يقول المثل الأرجنتيني.


من هذه النوعية من الأفلام، شاهدت بالأمس الفيلم البريطاني/الأمريكي (من ناحية جهة الإنتاج) "شوكولاته" (إخراج: لاسي هالستروم. إنتاج: 2000). من بطولة الممثلة الفرنسية القديرة جولييت بينوش. رغم أن الفيلم كان أقرب للأُمثولة fable tale –ولكنّ أبطالًه بشرٌ وليسوا حيوانات- (وهذا يعني ضمنيا أنه سينتهي بخلاصة أخلاقية moral)، إلا أنه لم يكن فيلما وعظيا إلا بالقدر اليسير جدا. أكثر ما أحببته في الفيلم أنه ينتمي بالضبط لنوعية أفلام "القرية الكاملة" التي أحب مشاهدتها. كما أحببتُ رسالته الداعية إلى انفتاح النفس على الآخر، والانتباه لدائرة الانغلاق، وأزمة التأويل الجامد لتعاليم الدين. عموما كان الفيلم في مجمله جيدا لولا أنه لم يحوِ الكثير من المفاجآت في قصته، ولإدراكي سلفا أن نهايته ستكون سعيدة؛ وهو أمر قد يكون طوباويّا في قصة من النوعية التي يعالجها هذا الفيلم.

تتمركز أحداث الفيلم –لن أحرق النهاية على أحد- حول الشخصية الرئيسية "كارولين"، صانعة الشوكولاتة، التي تأتي نازحة إلى قرية فرنسية "هادئة"، برفقتها ابنتها، وكأن رياح الشمال القوية الباردة قد أحضرتهما إلى القرية. "القرية" هي الكلمة المفتاح في هذا الفيلم. إنها قرية هادئة يعيش فيها الناس فيما يؤمنون أنه "السكون والطمأنينة" Tranquility. تحت وهم الطمأنينة توجد قلاقل كثيرة وأسرار ونار تتلظى تحت الرماد. يوجد: زوجات يسئ الأزواج معاملتهن. العمدة الذي يُسيّر رجلَ الدين ويوجه خطبَه الدينية لصالح الرؤية السياسية للعمدة. رجل الدين الملتزم بالنصوص الحرفية، والذي يقسّم العالم إلى عُصاة ومرضيّ عنهم. الأم التي تربي طفلها الصغير على الخنوع. الزوج السِكّير القاسي الذي ستسعى المؤسسة الدينية-السياسية لاحقا إلى إصلاحه بنور الرب. الجدة التي حرمتها ابنتها من رؤية حفيدها زعما من الابنة أن الجدة لديها تأثير سيئ على أخلاق الحفيد. ثم هناك العنصر المحفز الذي سيخلط أوراق اللعب: الأم العزباء الجميلة "كارولين" التي طرأتْ على القرية، والتي لا تذهب للكنيسة، لكنها تصنع "شوكلاتة" تذوب لها أفئدة الرجال والنساء. كل الخلطة السحرية لأفلام "القرية الكاملة" موجودة في هذا الفيلم، باستثناء مجنون القرية، وهو شخصية كلاسيكية في كل فيلم من هذا النوع، وفي كل قرية حقيقية صغيرة، فهو هنا غائب. عدا ذلك فكل شيء موجود، لاسيما البُغض والتدخل في شؤون الآخرين، وهي السمة الأخلاقية الأولى في السلوك الجمعي لأية قرية صغيرة.

رغم أن أحداث الفيلم تدور في قرية متخيلة، إلا أنه ليس صعبا أنْ نرى مجتمع تلك القرية منعكسا في قرى كثيرة نعرفها بالاسم. ما أشبه تحالف العمدة ورجل الدين بكافة أنظمة وطننا العربي. ألسنا نعرف قرىً، بل ومدنا، بل ودولا كاملة، تعيش على هذا التحالف، من أجل حفظ "طمأنينة" متوهمة؟ طمأنينة على السطح، ونار تحت الرماد؟ ألسنا نعرف زوجاتٍ لا يُبلّغن عن اعتداءات أزواجهن عليهن لاعتبارات اجتماعية مختلفة، فيما القرية كلها تعرف ذلك، ومع ذلك يغض الجميع الطرف عما يحدث؟ ألسنا نعرف جميعا قرى يُضطَهد فيها الأشخاصُ المختلفون، ويحارَب فيها جالبو السعادة من فنانين وتنويريين (الذين تجسد فنهم ورؤاهم التنويرية في هذا الفيلم "الشوكولاتة" اللذيذة المُبهِجة)، بتواطؤ من قِبل العادات والقيم البالية، وبإيعاز من تحالف السلطتين السياسية والدينية؟ ألسنا نعرف قرى لا ينشغل رجالها ونساؤها بشئ غير النميمة، ثم يبتسمون في وجوه الآخرين عندما يصادفونهم في الطريق أو المتجر؟  إن القرى هي أكثر مكان تظهر فيه الكراهية بوضوح، لا لأن حجم الكراهية فيها أعلى من المدن. ولكن لأن القرى يعرف فيها الجميع بعضهم بعضا وترتبط حيواتهم اليومية ببعض بشكل مباشر. القرى لا مكان فيها للفردانية، لذا فتأثير الآخرين وتدخلهم في حياة الفرد واسع، وهو ما لا يلمسه المرء في المدينة بشكل ظاهر للعيان. وفيما تُحيل كلمة قرية عند كثير من الناس إلى بساتين خضراء، فإنها بالنسبة لي شخصيا، تكاد ترادف كلمة "بغضاء"، ولذا لا تغادر أذنيّ يوما مقولة كارل ماركس: "بعيدا عن هذا الريف البائس"! حقا أحِب أن أشاهد أفلاما عن قرى بكاملها، لأنني لا أتعرف في الفيلم على عالَم شخص واحد ومعاناته وجُوّانيّاته، لكنني أعيش مع الكثيرين دفعة واحدة. أتعرف على ألف حكاية وحكاية، وألف طموح موؤود وألف طموح متقد. نعم أحب أن أشاهد أفلاما عن القرى، ربما لأنها ليست المكان الذي أحب أن أعيش فيه فترة طويلة، ولأنها المكان الذي عليّ أنْ أكافح دوما لأنجو منه!

04 August 2014

فيلم: حتى نهاية العالم لـ فيم فيندرز

قراءة في فيلم "حتى نهاية العالم" لـ فيم فيندرز
مرض الصورة الذي يحَوّل الزمن إلى ليل دائم!

تأليف: توني براين
ترجمها بتصرف: عبدالله خميس


يتشابه المناخ العام لفيلم "حتى نهاية العالم" للمخرج الألماني فيم فيندرز Wim Winders، والذي أنتج عام 1991، مع الكثير من الأعمال الأخرى لفيندرز.. إنه فيلم عن الرؤيا، الرغبة، والحركة... وهو ثالوث متجذر في الكثير من أفلام فيندرز.

يتسق هذا الفيلم أيضاً مع ميل فيم فيندرز لتصوير شخصيات تتعامل مع بعضها بشكل غير مباشر.. فالتواصل بين شخصيات أفلامه، لا سيما في هذا الفيلم، يتم عبر تبادل الصور، الرسائل الهاتفية، الملاحظات على قصاصات ورقية، وعبر وسائط تقنية أخرى.



يختزل فيلم "حتى نهاية العالم "، القلق السردي والبصري الذي يعتري العالم السينمائي لـ فيم فيندرز، لكن فيندرز يصل هذه المرة إلى محطة جديدة .. فهذا الفيلم يمنح امتيازاً للسرد على الصورة البصرية، بل إنه يقترح أن القصص هي الوحيدة التي يمكن أن تمنح الشفاء لما يُسمى بـ "مرض الصورة".. مرض الصورة في فهم فيم فيندرز، هو التخريب الذي أحدثته ما بعد الحداثة في روح إنسان اليوم
  
 إن صورة عالم المستقبل كما يعكسها فيلم "حتى نهاية العالم"، تدفع إلى تصنيف الفيلم بوصفه فيلم خيال علمي، فالفيلم يتضمن حضوراً قوياً لحاسبات آلية متقدمة جداً. إن التكنولوجيا في عالم هذا الفيلم يتم توظيفها بصورة أساسية لإنتاج عالم وهمي مليء بالأحلام الوردية .. كما يتم توظيف التقنية في هذا الفيلم لصالح الحفاظ على العلاقات الآدمية بين البشر أحياناً، وأحياناً أخرى لصالح تخريب هذه العلاقات وتحويل مجراها. 

يعالج الفيلم إذن الإمكانيات المتناقضة للتقنية: الفائدة والضرر.. كما يعالج العلاقات الإنسانية وارتباطها بالوسيط التكنولوجي. وأهم من كل ذلك فإن هذا الفيلم يلعب على فكرة أن العالم الرومانسي للبشر يمكن أن يدوم للأبد، وأنه قابل لأن يتحمل الاختبارات التي تجريها التكنولوجيا عليه، وهذا ما يرمز إليه عنوان الفيلم من أن العواطف يمكن أن تدوم "حتى نهاية العالم" .
* * *

يبدأ فيلم "حتى نهاية العالم" بصوت سارد يقرأ علينا ما يلي:
"في سنة 1999 خرج قمر صناعي نووي هندي عن نطاق السيطرة.. لم يكن أحد يعرف أين يمكن لهذا القمر أن يسقط . لكن العالم بأجمعه كان في حالة استنفار قصوى".
المشهد التالي يعرفنا على الشخصيتين الرئيسيتين للفيلم، كلير   Claire و سام Sam، اللذين يلتقيان للمرة الأولى في مكان حضري مُخرّب وهما يستخدمان تقنية الفيديو بواسطة الهاتف المحمول.. سام يشتكي من حساسية وتهيج بعينيه، تتقدم نحوه كلير لتفحص عينيه بطريقة حالمة كما لو أنها تفحص عين عاشق.

منذ البداية إذن ترتبط مصائر الشخصيات بالتكنولوجيا، كما ترتبط بالخراب، وتكون الرومانسية المبالغ فيها كمعادل موضوعي للخراب المادي الذي يعيش فيه الإنسان في زمن ما بعد الحداثة.. إن الرؤيا، البصيرة، التكنولوجيا، والرومانسية، هي المحيط الذي سيحكم علاقة هذين الشخصين من أول لقاء لهما وحتى نهاية الفيلم.

بعد ذلك، تتعقب كلير تنقلات سام أثناء سفره في بلدان أوروبية متعددة .. إنها تستخدم أحدث الكمبيوترات لتراقب بطاقته الإئتمانية بهدف معرفة أين يذهب وماذا يفعل، والغرض هو التعرف أكثر على هذا الشخص الجديد.. في الحقيقة فإن التواصل بين كلير وسام في الثلث الأول من الفيلم لم يكن ممكناً أن يتحقق بدون وجود وسيط الحواسيب الذكية المتقدمة.

تتوثق علاقة كلير بسام حين تقدم له كاميرا متطورة لا تقوم فقط بالتقاط الصور، وإنما بالتقاط الأمواج الصادرة عن دماغ الإنسان ورسمها على هيئة صورة. إن هذه الكاميرا مهمة جداً لسام ليقدمها لأمه العمياء بهدف أن تصبح قادرة على الرؤية من جديد، ولكن بأسلوب جديد للرؤية.

مع قدرة هذه الكاميرا على تجسيد تخيلات البشر على هيئة صور مرئية، تتهدد حياة الناس. أول ما يهددهم هو إدمان الصورة، وثاني التهديدات يأتي من إلغاء الخصوصية، فعبر هذه التقنية تنتشر مشاكل اجتماعية عديدة بين الزوج وزوجته والأب وأسرته، ويصبح تهديد التكنولوجيا أقوى من تهديد الخطر النووي الذي ابتدأ به الفيلم.

وبغض النظر عن تأكد كلير من خيانات سام المتعددة لها، فإنها تساعده حين يقع في مأزق.. ما يقع فيه سام هو أكثر من مجرد مأزق، هو مشهد مطاردة ضخم متتابع توزعت مشاهده التفصيلية بين عدة مدن أوروبية، حيث سام قد امتلك كاميرا متطورة يطوف بها العالم لاختزال اللقطات ليغذي بها بصيرته، لكنه لكثرة ما جمع من لقطات يصاب بضعف في البصر، في الوقت الذي يطارده فيه عميل سري ساعياً لسرقة الكاميرا منه.

بخلطة من الأعشاب الطبيعية تنقذ كلير بصر سام من التدهور الحاد الذي كان قد وصل إليه.. بعد ذلك يهرب العاشقان إلى استراليا عند والدي سام اللذين يعيشان في محمية يقطنها سكان استراليا الأصليين، ليتفرغا لمواجهة الخطر النووي الزاحف.. هناك تحدث تفاصيل معقدة وتشابكات في العلاقات الآدمية.. كل ذلك في ظل خطر نووي محدق.

بعد زوال الخطر النووي تنجح والدة سام في رؤيا العالم من جديد بعين الخيال، وذلك وفقاً للصور التي التقطها لها سام في أوروبا وساعدته كلير في إنقاذها .. لكن نجاح والدة سام في الرؤية لا يسبب لها إلا الوفاة كمداً على ما آل إليه العالم  من خراب، فصورة العالم التي كانت والدة سام تحتفظ بها في ذهنها وهي عمياء أجمل من الصورة التي رأت عليها العالم حين استعادت بصرها.

بوفاة الأم، يتحول كل من سام، كلير، ووالد سام إلى مدمنين لأحلامهم، ويصبحون شخصيات انعزالية. لكن حين يزول إدمانهم يكتشفون أن العلاقات الآدمية قد تصدعت فيما بينهم.. اللقطة الأخيرة في الفيلم تظهر فيها كلير داخل قمر صناعي يعمل لصالح جماعة "السلام الآن"، نائية بنفسها عن كل أشكال التواصل مع البشر إلا عبر القمر الصناعي!
* * *

يُجذّر فيلم "حتى نهاية العالم" نفسَه في ثقافة ما بعد الحداثة، حيث الشخصيات الرئيسية تتجاهل الأخطار التي يحدق بها العالم منشغلين عوضا عن ذلك بمطاردة أهداف شخصية تخصهم وحدهم. البشر بمعزل عن بعضهم البعض، وهم مسيّجون دوما بوسائل التكنولوجيا المتقدمة. التنوع الإنساني في الثقافات يكاد يكون قد تلاشى في عالم ما بعد الحداثة، وفي المقابل يسود خوف مرضي يغلف علاقة كل فرد بالآخر. إن "مرض الصورة" الذي مر به سام وكلير يحيل إلى قوة وخطورة تأثير الصورة في المجتمعات الغربية كما تعكسها وسائل الإعلام المعاصرة. إن الفيلم يقترح أنّ من يصيبه مس الصورة، لا علاج له إلا العلاج الروحي.

لكن "حتى نهاية العالم" قد عكس أيضا بعض الجوانب الإيجابية عن النفس الإنسانية. فالبشر رغم توجسهم من بعضهم لا يزال بإمكانهم اللقاء في فرح مشترك، وهو ما يحدث في استراليا حين يأتي الناس من كل حدب وصوب للاحتفال بزوال الخطر النووي وسطوع فجر قرن جديد.

أما المشاهد الحلمية التي تعكس ما تراه الشخصيات في أحلام اليقظة، حين يستخدمون الكاميرا الخاصة بالتقاط موجات الدماغ، فهي تعد من أفضل المشاهد بصريا في الفيلم، ومن أجملها على صعيد امتلائها بلحظات إنسانية عميقة كالطفولة والخسران والفراق.. على أن هذه الصور رغم جمالها قد شكلت خطورة نفسية على جوانيات الشخصيات، فقد تحول الحالمون بها إلى سائرين نياما، وتحول الزمن عندهم إلى ليل دائم.

منذ بداية الفيلم تبدو كلير أكبر المرشحين للإصابة بـ "مرض الصورة"، فهي بمثابة الشخصية المحورية في الفيلم التي تنتظم حولها الأحداث.. في معظم مشاهد الفيلم تظهر كلير وبيدها كاميرا تصوير صغيرة بحجم كف اليد، هذه الكاميرا هي عين كلير وعقليتها اللتان ترى بهما العالم من حولها. إن كلير ببساطة هي المرشحة المثالية لمرض الصورة، لأن الكمبيوتر يراها "متوافقة تقنيا" مع هذا الغرض.
طوال أحداث الفيلم كانت هناك شخصية الكاتب جينGene، الذي ظل طوال الوقت يصارع لتأليف اسطر في كتابه المسمى بـ "رقصة حول العالم". حين يسمع جين بقصة سقوط كلير ضحية لمرض الصورة، ينجح أخيرا في تأليف كتابه.. يقرأ الكتاب على كلير وهو ما يسبب تعافيها من مرض الصورة.

إن الشفاء يأتي من القوة العلاجية التي تنطوي عليها الكلمات. فإذا كانت الصور المرئية تسبب المرض، فإن الكلمات المكتوبة تحمل معها الشفاء. هذا جزء مما أراد فيم فيندرز قوله في الفيلم. فالعلاج بالكلمات كما صوّره الفيلم، يتناسب تماما مع التوجه الفكري الجديد لفيم فيندرز.. هو بمثابة شهادة ذاتية يقدمها فيندرز عن معتقده الذي اعتنقه في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بالقوة العلاجية للكلمات والحكايات.

إن من الأسئلة التي يثيرها الفيلم سؤال السينما في عالم اليوم، أو ربما عالم الغد.. إن السينما هي الأخرى صورة، فهل يمكن أن تسبب للمشاهد مرض الصورة؟ وهل على مخرجي الأفلام أن يتحولوا إلى كتاب وشعراء؟
لعل الإجابة، إلى الآن على الأقل، هي "لا".. ففيندرز نفسه وهو المؤمن بالقوة العلاجية للكلمات، حين عالج هذا الموضوع عالجه على هيئة فيلم سينمائي ولم يؤلف كتابا بخصوصه. عالجه عن طريق الصورة، لا عن طريق الكلمات وحدها.