Showing posts with label خارج اللعبة-2. Show all posts
Showing posts with label خارج اللعبة-2. Show all posts

02 October 2019

الأيام الأخيرة في اعتصامات الربيع العماني (2011)


هل فشلنا في بناء الإنسان العماني؟*


علّمنا خطابُ الإعلام الرسمي أن الإنسان العماني "هو المحور الذي تدور حوله كافة المحاور"، أيْ محاور التنمية. ومنذ أربعين عاما تسعى الأهداف النظرية المعلنة للنهضة العمانية إلى "رفاه الإنسان الذي هو باني النهضة". وفي كل احتفال رسمي بافتتاح مشروع من المشاريع، نجد خطيبا يتحدث عن "أهمية ذلك المشروع للنهوض للإنسان العماني باعتباره صانع التنمية". اليوم يأتي سؤال الفرز: أين وصل بناء الإنسان العماني؟ وما الذي نفهمه عن مستوى نضج هذا الإنسان من خلال الأحداث التي وقعت بالبلاد مؤخرا -ولازالت مستمرة- من مظاهرات سلمية وغير سلمية؟

يوم السبت من هذا الأسبوع، هاجم معتصمون في ولاية صور مدير عام المديرية العامة للتربية والتعليم وطردوه من مكتبه، ورفضوا حتى أن يخرج في حماية الشرطة أو الجيش، وقبلها اضطر مدير إدارة حكومية بعبري للقفز حافيا من سور مبنى الإدارة وكأنه لص يلوذ بالفرار، أما شاهد عيان فقد روى لي ما شاهده بعينيه من قيام "معتصمين" بدوار صحار بمطالبة السيارات المارة بدفع أتاوة قدرها 20 ريالا إذا كانوا يرغبون في المرور بسياراتهم من الدوار، وفي صحار نفسها كان هناك ملثمون يطوفون بسياراتهم يؤججون الناس داعين إياهم إلى "حرق عُمان"، مؤكدين أن هذه فرصة لن تتكرر ليقوموا بذلك! وإضافة لكل هذه الحوادث، فهناك إحراق لولو صحار وإدارة إسكان عبري وتعطيل العمل في ميناء صحار وحجز شاحنات في دوار ضنك تمهيدا لحرقها، والأحداث لا تتوقف عند هذا، ففي كل يوم هناك من يعطل حركة المرور باسم الاعتصامات والإضرابات العمالية، فما الذي يمكن أن نصف به مثل هذه السلوكيات؟
حسنا، تلك ليست الصورة الكاملة، فهناك معتصمون مسالمون، وإنْ لم يكونوا مسالمين تماما! ففي اعتصام مجلس الشورى تكررت أكثر من مرة حوادث مهاجمة معتصمين متشددين دينيا لآخرين يخالفونهم الرأي، ومع ذلك لم يقع للآن تخريب مادي كبير (هذا إذا تجاهلنا التخريب الفكري الحاصل حاليا أمام مجلس الشورى بقيام المتشددين دينيا بغسل أدمغة المعتصمين وتحويلهم إلى أشباه طالبانيين). وبعيدا عن الاعتصامات السلمية، أو قريبا منها لا فرق، توجد "مظاهرات" إلكترونية على شبكة الإنترنت تنادي بمطالب لا أول لها ولا آخر، بداية من إسقاط الديون ومرورا بما لا حصر له من المطالب الشخصية الفردية، وصولا إلى تصفية الحسابات بين الفئات المختلفة، كقيام البعض بشن حملة استعداء ضد جماعة الدستور التعاقدي واصفين إياهم بالخونة، أو قيام السلفيين بتكفير كل من يخالفهم الرأي ودعوتهم، مثالا لا حصرا، إلى قطع لسان الناشطة الحقوقية حبيبة الهنائي! إنه بدون شك موسم تشويه السُمَع وتصفية الحسابات بلا ضمير أو رادع، وقد تهيأت لذلك منتديات إلكترونية تخصصت في إزكاء روح الكراهية وانتفت عنها أية صفة إشرافية لضبط "حوار" الأعضاء بما لا يتجاوز حدود آداب الحوار. إنها منتدياتٌ آن للمواطنين أن يتقدموا ببلاغات للإدعاء العام لإغلاقها بوصفها "محل جريمة" لأنه لم يسلم أحد من تشويه السمعة فيها.

بين المتنورين الليبراليين من صفوة مثقفي هذا البلد، وبين جماعات الإسلام السياسي السلفية، توجد شريحة عريضة هم غالبية أبناء عمان، هم البشر العاديون، أيْ: عموم الناس. ما مطالب هؤلاء، أو بالأدق، ما مواقفهم مما يجري؟ البعض اختار الصمت وعدم المشاركة، ولكن بالطبع لديه موقفه الخاص في صميم ذاته مما يحدث، لكن قِسما كبيرا من عموم الناس لهم مطلب كبير هو زيادة الرواتب، وعدد أقل من هؤلاء يضيف مطلبا ثانيا هو تكفّل الحكومة بسداد ديونهم. فئة أخرى من "الأغلبية الصامتة" قد وصلوا الآن فعليا إلى مرحلة "القرف" من كل هذه الاعتصامات لأنهم يرون أنها "أصبحت موضة وقد زادت عن حدها كثيرا"، والبعض الآخر بات يشعر بالقلق من زيادة حجم المطالب اللامنطقية والتعجيزية لكثير من الناس وكأنهم يريدون أن تُصب في جيوبهم آلاف الريالات شهريا وهم نائمون في بيوتهم لا يفعلون شيئا!

في عُمان فسيفساء متنوعة ينضوي تحت جناحها المزركش المعتصمون وغير المعتصمين من الناس، فهناك أصحاب المطالب السياسية الرفيعة من دعاة الديموقراطية الحقة مثلما هناك سواد الناس ممن لم يسعوا لأكثر من إسقاط "مكي و مقبول" وزيادة الرواتب، وهناك بالطبع جماعات الإسلام السياسي بأجندتهم المعروفة. وبعد مرور ثلاثة أسابيع على الاعتصامات فإن المزعج في خارطة هذه الفسيفساء هو زيادة شريحة رقعة محددة من الناس، هي شريحة الإتكاليين والكسالى والابتزازيين. كل يوم تتولد لدى الناس مطالب جديدة تشترك جميعها بدعوتها إلى المطالبة برفاه مادي مفرط دون أن يجني المرء ذلك بعرق جبينه! هي مطالبات من قَبيل أن تكون خدمة الماء والكهرباء مجانية، أو أن يحصل فاشل راسب في الثانوية العامة على 300 ريال شهريا وهو نائم في بيته طوال النهار، أو أن يصبح الجميع فجأة مدراء فلا يقوم أحد بالأعمال اليدوية، أو أن تزوّج الحكومةُ الناسَ وتدفع مهورهم، أو أن يداوم المعلمون نصف نهار فقط وليذهب التعليم إلى الجحيم!

رقعة هذه المطالبات الإتكالية الأنانية تتسع، وأصفها بذلك لأنها لا تراعي الواقع ولا ترى أبعد من المصلحة الشخصية. تتسع هذه النوعية من المطالبات لدى عموم الناس الذين كانوا قبل ثلاثة أسابيع يريدون فقط تحسنا معقولا في مستويات معيشتهم، واليوم تريد فئة منهم النوم في البيوت وتتكفل الحكومة بإطعامهم الطعام في أفواههم بملاعق من ذهب! إنهم يأخذون مطالبهم الغريبة هذه بجدية، ويسعون لممارسة ابتزاز على الحكومة ومؤسسات عملهم لتلبي مطالبهم عبر قطع الطرق والانخراط في اضرابات تشل حركة الإنتاج كما تشل حركة الشوارع. إن أقل ما يقال عن هؤلاء هو أنهم اتكاليون عديمو الجدوى، وأنهم أنانيون، ينضحون جهلا مريعا يدلل على عدم نضج أية رؤية واقعية لديهم، وهؤلاء لسوء الحظ كثيرون، وهم الذين يتسيدون مشهد الاعتصامات والإضرابات العمالية في عُمان اليوم.

هل نقول إذن أننا فشلنا في بناء الإنسان العماني، بمعنى بناء إنسان مثقف يمتلك حسا عاليا بالمسؤولية الاجتماعية ولديه وعي سياسي ووطني يمكّنه من الرؤية أبعد من سقف مطالبه الشخصية الإتكالية والنفعية؟ صحيح أنه ليس جميع أبناء عمان هم من هذه الفئة، فكما أشرنا فإن هناك فئات أخرى من المتنورين وعامة الناس يطالبون فقط بتحسين أوضاعهم المعيشية، ولكنه صحيح أيضا أن نسبة أصحاب المطالبات الاتكالية الأنانية هم في ازدياد، كما أن سلوكهم الابتزازي آخذ في التعاظم. إذن، ألم ننجح في بناء الإنسان "النافع لوطنه ومجتمعه"، أي الإنسان المنتِج الذي يحب العمل ويعشق التحدي، وكل ما حصدناه بدلا عن ذلك هو مواطنون يرغبون في الكسل وقطف الملذات دونما عمل؟ لو صح ذلك، إذن من سيبني عمان؟ وماذا كنا نفعل طوال الأربعين عاما الماضية؟

ثمة جرس إنذار يُقرع الآن حول مسألة بناء الإنسان العماني، جرس يقول أننا نحتاج إلى إعادة البناء، وأن نستثمر أكثر في الأجيال الصاعدة. نستثمر في تعليم وإعلام وتوعية حقيقية -وليست شعارات طنانة جوفاء- تسعى لبناء إنسان أكثر تحليا بالمسؤولية، وأكثر حبا للعلم والعمل، وأعمق تطلعا للبناء والابتكار، بعيدا عن ذهنية الأخذ فقط دون إعطاء شيء في المقابل.

*كتبت في 10 إبريل 2011، و نُشِرت آنذاك في صحيفة الرؤية العمانية.


23 June 2019

صعود أنماط الحياة البديلة


صعود أنماط الحياة البديلة*


قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبوظبي" التي يشاهدها اليوم الآلاف في ربوع الوطن العربي، نموذج ممتاز لواحدة من الممارسات الاجتماعية/الثقافية الحديثة المرتبطة بما أود تسميته بـ "صعود أنماط الحياة البديلة". "الحياة البديلة"، في السياق الذي أتحدث عنه، هي حياة مرتبطة ببروز أنماط من التفكير والممارسات كانت قبل نحو أربعين عاما أو أقل تعتبر شاذة وغير مفكَّر بها. من أنماط الحياة البديلة الصاعدة حول العالم اتساع رقعة الممارسات الفردية المرتبطة بالحفاظ على البيئة والدالة على انتشار الوعي البيئي، والاهتمام بصحة الفرد والتغذية السليمة المتوازنة، وانتشار الزراعة العضوية، وتجرؤ العقلانيين والعلمانيين والتنويريين على الظهور علنا –ولو في تجمعات صغيرة محدودة- في مجتمعات تنخرها الخرافة من الوريد إلى الوريد. إنه لأمر عظيم دون شك أن يتجه المزيد من الناس إلى مثل هذه الأنماط الحياتية البديلة، الجديدة في مرجعياتها الثقافية، وهي مرجعيات مختلفة تميزها عن مرجعيات جيل الآباء والأجداد. إنها لعلامة على بلوغ الحضارة البشرية مراتب راقية تعتمد أكثر على العقل والمنطق والتفكير السببي، وتتسم بحس عال بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الأخوّة الإنسانية وتجاه البيئة من حولنا وإزاء قضايا المحيط الحيوي لكوكب الأرض برمته. صحيح أن البدانة في ازدياد، لكن الأطعمة العضوية والوعي بأساسيات التغذية السليمة هو الآخر في ازدياد. صحيح أن هناك قتلة عميان بأسماء مختلف الأديان، لكن هناك دعاة سلام إنسانيو النزعة لا ينطلق نزوعهم الإنساني الخَيِّر من محدودية دين بعينه. صحيح أن وتيرة قطع الغابات في ازدياد، لكن أعداد الخَضر ومعانقي الأشجار هي أيضا في ازدياد.

كثير من الأشياء كانت قبل أربعين عاما أو أقل سلوكيات معزولة يتجاسر على ممارستها قلة بسيطة من الناس، إلا أنها آخذة الآن في الانتشار على نطاق واسع، في تبدل واضح لمعايير الكثير من الأشياء. صعود العلوم هو السبب وراء صعود أنماط الحياة البديلة، فعندما بتنا نعرف المزيد عن أنفسنا والمحيط الحيوي من حولنا، صرنا أكثر دراية بقربنا وعلاقتنا المشتركة ببقية مخلوقات الأرض من أجناس مختلفة من البشر وحيوانات ونباتات وغيرها، ولذا زاد حسنا الإنساني بالمسؤولية إزاءها. حتى بعض المؤسسات الدينية قد اضطرت لتغيير مواقفها المتزمتة من قضايا معينة لأنها أدركت أن صعود أنماط الحياة البديلة ستعزل الناس عنها، فها هي الكنيسة الكاثوليكية، ومن مقر أعلى سُلطة فيها، تعلن أن نظرية النشوء والارتقاء لتشارلز داروِن لم تكن يوما متعارضة مع أفكار الكنيسة! إنه صعود العلم الذي يترك الآخرين معزولين إذا لم يأخذوا بأصول التفكير السببي في فهم الحياة والتعامل معها. المفارقة المضحكة، أن شعراء "الحداثة" العربية هم الوحيدون الباقون لغاية الآن بعيدين عن أي تأثر بأنماط الحياة البديلة التي تسود العالم من حولهم، فلا هم يعرفون شيئا عن البيئة أو يحسون بشئ من قضاياها (وقد كفوا عن التغزل بالفراشات والزهور لأن ذلك لا يليق إلا بالشعراء التقليديين)! كما أنهم هم الوحيدون الذين لم يسمعوا بعد بالأغذية العضوية، ولم يقرأوا لريتشارد دوكينز، ويجهلون تماما من يكون ديفيد أتنبوروج!

التغير آخذ في التسارع نحو أنماط الحياة البديلة على مستوى القاعدة الشعبية من الناس، لكن القوى التقليدية (الدينية والاقتصادية والسياسية، على نحو أخص) ما زالت تمسك بزمام الأمور حول العالم. إنهم رجال سياسة متدينون، أمثال جورج بوش، مَن يشنون الحروب حول العالم. إنهم رجال دين مَن يقفون ضد استخدام المناظير الفلكية لمشاهدة هلال رمضان والعيدين. إنهم أصحاب مصانع برجر ونقانق مَن يستمرؤون إنتاج الأغذية المسببة للبدانة والأمراض. لكن هناك قاعدة عريضة تتنامى ممن رموا البرجر في سلة المهملات مرة وإلى الأبد وتذوقوا لذة حبوب فول الصويا العضوية، مثلما قفز بعضهم عن الجرافة وعانق شجرة، أو ترك معتقدا عتيقا باليا كي لا يصير محدودا بجماعة أو عقيدة أو طائفة، لأنه اختار أن تكون الإنسانية جمعاء عائلته الكبيرة. هناك من هجروا أفلام جيمس بوند إلى وثائقيات الـ (بي بي سي) عن الطبيعة، ومن رموا الريموت كونترول وكفوا عن تقليب الفضائيات وخرجوا للتنزه سويعة في الجوار ليتعرفوا - ربما لأول مرة- على تفاصيل الحي الذي يسكنون فيه!.

لو كانت قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبو ظبي" قد ظهرت قبل عشرين عاما لما كان شاهدها سوى قلة محدودة للغاية من الناس، لكن عدد من يستنيرون اليوم ببرامجها التثقيفية الراقية هم مجموعة غير بسيطة مولعون بها. إنه صعود العلم والتفكير السببي ونجاح التكنولوجيا في تقريب الشعوب وتبادل وجهات النظر المختلفة هو ما جعل التربة مهيأة لتنمو وتورق أنماط الحياة البديلة وتكتسب قاعدة شعبية متنامية حول العالم. سيبقى الأشرار هناك دوما يعيثون في الأرض فسادا، ولكن سيولد في كل يوم عدد أكبر -عمن ولدوا في اليوم السابق- ممن يكرهون الحروب ويقفون ضد قمع الأفكار وتدمير البلدان، ليجعلوا من هذا العالم مكانا أفضل للعيش.

*كتبت في 18 سبتمبر 2011 ونشرت آنذاك في جريدة الرؤية العمانية.

18 March 2018

عن الهيبّي الموؤود بداخلي


شتاء الأحلام*


ثمة أشياء كثيرة تُروى باعتبارها ممارسات شائعة، ولأن بعضها لم أتعرض له في طفولتي فإنني بالكاد أستطيع تصديق أنها موجودة. مثالا لا حصرا، فإن قيام الجدات بحكي قصص للأحفاد أمر هو بمثابة ممارسة عامة شائعة في كثير من بلاد العالم، بل وحسب علمي (الحديث نسبيا) فإن الجدات العمانيات فعلن ويفعلن نفس الشيء. ولأنني شخصيا لم أسمع أية حكاية من جدتي، فهي لم تروِ شيئا لي أو لأي من إخوتي وأخواتي، فإنني بالكاد أصدق أن الجدات العمانيات يحكين حقا حكايا للصغار! ولأن جدتي لا تبدو مختلفة عن أية جدة أخرى، وعليه فإنه إذا كان صحيحا أن الجدات يروين قصصا للأحفاد فإنها لابد أن تكون قد روتْ شيئا. لكنها لم تفعل، وهذا يجعلني عاطفيا متقبلا أكثر لفكرة أن الجدات العمانيات لا يحكين قصصا للصغار، وحدهن فقط الجدات في الرسوم المتحركة من يفعل ذلك! هذا ما تقوله عاطفتي، رغم أني أدرك عقليا أن الأمر مختلف عن ذلك للبعض. إنه لصحيحٌ أنّ ما نتعلمه في طفولتنا ليس من السهل أن تغيره فينا المعرفة العقلية عندما نكبر. نعم، هذا صحيح!

نموذج آخر للأشياء التي تروى كممارسات شائعة: أن كل طفل لديه حلم يرغب في تحقيقه عندما يكبر. شخصيا، لا أتذكر أنني حلمتُ بأن أصبح شيئا، لا طبيبا ولا شرطيا ولا أي شيء آخر، وأتساءل حقا إذا ما كان الأطفال لديهم صدقا أحلام من هذا القبيل، أم هُمُ الكبارُ وحدهم يجبرونهم على إدعاء الحلم حين يحاصرونهم بالأسئلة الملحة عما يودون أن يكونوا عليه عندما يكبرون. الأمر الغريب أنني ربما إلى الآن لا أحلم بأن أكون شيئا معينا، على الأقل، لا أريد أن أكون "وظيفة". لا أرغب في أي شيء من ذاك. ربما يراودني خلسة حلم بأن أرى نفسي مخرجا سينمائيا، لكنه شيء أشبه بطيف هائم لا أكثر. الطريف في الأمر، أنني لم أخلُ تماما من حُلمِ أن أكون شيئا. ففي مراهقتي، وليس طفولتي، حين كنتُ أعيش في قريتي الصغيرة، ثمة صورة أسرتني وحلمتُ بها. أن أكون بوهيميا متسكعا، أو بألفاظ أعرفها اليوم وما كنتُ قد سمعت بها آنذاك، هي أن أعيش حياة الهيبيين (بتصور خاص بهذه الحياة جاء من عندياتي). كنت أرى نفسي ببنطال جينز أزرق ممزق ورث، وشعر أشعث، وأنا أعيش منطرحا تحت الجسور في مدينة كبيرة. لا مسؤوليات لديّ، ولا علاقة لي بأية ضوابط وتقاليد وأعراف!

كان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي، ولا شك أن تلك الصورة المستقبلية المتخيلة لنفسي قد استقيتها من نوعية الأفلام السينمائية التي كانت تعرض في التليفزيون المحلي، لكن ذلك لوحده لا يبرر لماذا تمثلتُ نفسي في صورة الهيبيّ أو البوهيميّ، فالمرء يشاهد أشياء كثيرة على الشاشة ويتأثر بالقليل منها، والتأثر بصورة البوهيمي لِمراهقٍ في قرية بسيطة هو –في ظني- حدث غير مألوف. إذ كيف كنتُ أحلم أن أرى نفسي تاركا الدنيا لشأنها وأعيش زاهدا تحت جسور السيارات ببنطال جينز رث، كيف يحدث ذلك ولم أكن أرى أحدا يرتدي الجينز في قريتي سوى المدرسين العرب بمدرستي؟! على أية حال فهذا السؤال لا يشغلني كثيرا، بل لعل ما يشغلني/يروقني أكثر منه أن هذه "اللوحة" التي كنتُ أرى فيها نفسي لم تمتحِ تماما بعد، بل لازالت موجودة بصورة من الصور، هي صورة الحنين إلى زمن لم أعشه. ثمة حنين خاص يأخذني إلى الستينيات والسبعينيات، حين كان الهيبيون ظاهرة حقيقية، والبوهيمية طاقة تحرك الأفراد لنبذ قيود الحياة الصارمة والسعي لحرية أكبر حتى لو كانت مفاتيحها المخدرات والمشاعية الجنسية. حين أقول أني أتمتع بحنين لزمن الهيبيين، فهو نوع من الحنين المتخيل، أو ربما التوق، إلى تجربة لم أعشها شخصيا، فأنا أصغر عمرا من أن أكون قد عشت في زمن أُدركتُ فيه عقليا أنه كان زمن الهيبيين، وقد كنتُ أبعد جغرافيّا عن مدن العالم الكبيرة العاجة بالثوار على الأعراف القديمة إبان ذروة حركة نصرة المرأة وصعود المثليين الجنسيين ومظاهرات الطلاب حول العالم وأغاني البيتلز وجون لينون. كان ذلك يحدث في مكان آخر، وكنت أصغر من أن أدركه. إلا أن سحر هذه الأيام الخوالي لا يزال يعيد إليّ الحلم الوحيد –إن جاز التعبير- أو الصورة الوحيدة التي رأيتُ أو حلمتُ فيها بمستقبلي عندما كنتُ مراهقا: صورة الشاب الحر المنفلت من قيود المجتمع والذي يعيش حياته بهيئةٍ رافضةٍ لما هو مفروض عليه من قيود في الملبس والعادات وغيرها. شاب بقميص جينز رث وممزق يهيم تحت الجسور في مدينة كبيرة تاركا البنايات الشاهقة خلف ظهره.



لا توجد أفلام سينمائية أكثر تغذية لمخيلتي وإسالة لعاب اندماجي بها من الأفلام التي تتناول عالم الهيبيين والبوهيميين، لا سيما إنْ انطوت المعالَجة على شيء من النوستالجيا، ومن هذه الأفلام يأتي في المقدمة الفيلم الأسترالي "شتاء أحلامنا" للمخرج جون ديوجان. فرغم أن الفيلم قد رأى النور عام 1981، إلا أن أوائل الثمانينات كانت هي آخر مراحل الظاهرة الهيبيّة، فضلا عن أن الفيلم بنفسه عبارة عن تجربةِ حنينٍ تستوطن روحَ بطلِ الفيلم لحياته الحرة الطليقة في أواخر الستينيات. إنه فيلمٌ حنينيّ عن موضوعٍ هو –بالنسبة لي- الحنينُ ذاته، ولذا فليس غريبا أن أتوق إلى إعادة مشاهدته بين الفترة والأخرى، حيث لم يبق لنا شيء سوى شتاء الأحلام الجميلة نسترخي فيه مع ذكرياتنا وخيالاتنا التي ستبقى دوما أدفأ الأحلام وأعذبها.

*كُتبت المقالة بتاريخ 18 ديسمبر 2010. ونُشرت آنذاك في صحيفة (الرؤية) العمانية

14 March 2017

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!*




*كٌنبت هذه المقالة بتاريخ 22 فبراير 2014، أي قبل 3 سنوات و 3 أسابيع من الآن! ونشرتها في وقتها في جريدة الرؤية التي كنتُ أكتب فيها مقالة أسبوعية منتظمة.
ولأن التاريخ المُشين يعيد نفسه، فأنا أعيد نشرها اليوم عبر رفعها في مدونتي.

سمعتُ باسم "نعيمة المقبالي" للمرة الأولى قبل نحو شهر من الآن، عندما وصلتني عبر إحدى برامج التواصل الاجتماعي تغريدة لها على تويتر تعرب فيها عن سخطها من شركة عمانتل بسبب بطء خدماتها في ولاية صحار. لستُ من كثيفي التواجد في برامج التواصل الاجتماعي، فلا ولع لدي بالفضائح و المهاترات، ولا أشارك الأدمغة المغسولة اهتماماتها الجوفاء، ويصيبني الغثيان من اللغة السوقية والمكسرة في معظم رسائل هذه البرامج، ولذا فلم أعر تلك التغريدة اهتماما كبيرا سوى أني وجدتها تعبر عن مواطن طفح به الكيل من تدني مستوى خدمات الاتصالات في بلادنا ورداءتها غير المبررة. لم أتصور أصلا أن نعيمة المقبالي شخصية حقيقية، فما أكثر من يتخفّون تحت أسماء فتيات في هذه البرامج من الشباب العصري الشجاع المغوار! ومع ذلك، أدركتُ أن وصول هذه التغريدة إلى هاتفي شبه المعزول عن عالم الفضائح يعني أنها قد وصلتْ سلفا لعُمان كلها، فأنا في العادة آخر من يعلم! وقد كان الأمر كما توقعت، إذ كانت رسالة الشابة نعيمة قد أشعلت التويتر و الإنستجرام وغيرهما من برامج التسلية الشعبية. في نفس يوم تلك الرسالة، التقيتُ بصديق له باع في مجال التواصل الاجتماعي، قال لي أن نعيمة شخصية حقيقية، وأنها سبق لها أن شاركت في مسابقة لملكات الجمال تمثل فيها السلطنة (لا أدري بصفة شخصية أم شبه رسمية)، وقال أنها فتاة تبحث عن الشهرة بأي ثمن. علّقتُ من باب الدعابة: "إذا كان الحال كذلك فسأصنع لها فيلما إذا كانت ستدفع جيدا. ههههه". وضحكنا وانتهى الأمر. ما اهتممتُ به في ذلك التوضيح من صاحبي –والذي ليس بالضرورة أن تكون جميع معلوماته دقيقة- هو أنني أمام فتاة متحمسة وفاعلة، فالمشاركة في مسابقة دولية لملكات الجَمال هو خطوة متقدمة لافتة للنظر في مجتمعنا المحافظ، وطالما أننا أمام فتاة خرجت عن المألوف فمن الطبيعي أن ينهش المحافظون لحمها حية. حسنا، لم أسمع بعد ذلك شيئا عن هذه الفتاة ولم أهتم للأمر مطلقا، إلى أن جاءتني نعيمة المقبالي مرة أخرى هذا الصباح إلى هاتفي.. هذه المرة لم تكن تغريدة، ولكنه مقطع فيديو للفتاة بشحمها ولحمها (مهلا.. هي ليس بها شحم. فهي مراهقة رشيقة). طيب: أهلا بك يا نعيمة؛ حللتِ أهلا ونزلتِ سهلا، ودعينا نعرف أسباب الزيارة!

مقطع نعيمة المقبالي الجديد المبثوث أصلا على موقع "كيك" keek لتبادل ملفات الفيديو، تحيي فيه متابعيها بعد طول غياب، وتعدهم بمفاجأة يوم الثلاثاء قبل مباراة عمان وسوريا. ولأنه لا علاقة لي بالرياضة من قريب أو بعيد –بدلالة وزني الزائد-، فلم أستطع أن أقرر هل المقطع جديد وهل هي تتحدث عن الثلاثاء القادم (25 فبراير)، أم أنه مقطع قديم وصل إلى هاتفي شبه المعزول عن العالم الخارجي هذا الصباح فقط؟ بالطبع ما زلت غير متأكد من الإجابة، إلا أنّ ما أثار انتباهي في أمر الظهور الجديد لنعيمة المقبالي شيئان. الأول: هو أنني أرى صورتها للمرة الأولى، ففي المرة السابقة –قبل شهر- كان ما وصلني مجرد تغريدة مكتوبة لا أكثر. هذه المرة أنا أمام مقطع فيديو مصور طوليا بطريقة خاطئة في الإمساك بالهاتف –كما يفعل كثيرون من الناس ممن أشعر بالشفقة نحوهم لامتلاكهم هواتف لا يعرفون حتى كيف يلتقطون بها مقطع فيديو سليما ومعدولا!-. إنها شابة صغيرة جدا. هي مراهقة حسب ما أظن. وكنت قد تخيلتها سيدة تخطو نحو أواخر العشرينيات من العمر (نظرا لشعبيتها وما قامت به من أعمال حققتْ لها هذه الشعبية). يالها من فتاة نحيلة تفيض حماسا ودافعية وتحديا. الأمر الآخر هو أنّ وصولها لهاتفي في مقطع جديد –حتى ولو كان قديما بعض الشيء ولكنه وصلني اليوم فحسب- فهذا يعني أن الضجة حول هذه الفتاة مازالت قائمة في مواقع "التراشق" الاجتماعي. إنّ أسطورة هذه الفتاة ما تزال حية، فكيف لها ذلك في مجتمع محافظ يحول كلَّ محاولة للخروج عن ربقة القطيع المتكلس إلى فضيحة؟ مجتمع يصنع قطاعٌ كبيرٌ من أفراده الفضائحَ ويعتاشون مُقتاتين عليها. إن هذه الفتاة تحمل اسم قبيلة محددة، ومع ذلك لازال بإمكانها الظهور في مقطع فيديو! ما أظن ذلك كان ممكنا قبل بضع سنوات، وأبناء جيلي يتذكرون المطربة العمانية الواعدة التي ظهرت على شاشات تليفزيون السلطنة في أغنيتين أو ثلاثا قبل أن تمنعها فحولة القبيلة من الغناء مرة أخرى! لا شك أنّ عمان تتغير مع الجيل الشاب سائرة نحو مزيد من العصرنة. إن مقطع نعيمة المقبالي الجديد في "كيك" هو مقطع عادي جدا في أي مجتمع حديث وفي عالم السماوات المفتوحة، لكنه بالنسبة لمجتمعنا لافت للنظر. هو لافت للنظر بالنسبة لي من حيث قدرة هذه الفتاة على رمي كل الهراء والتفاهات التي حامت حول تغريدتها عن عمانتل وراء ظهرها والظهور بابتسامة واثقة مجددا. لا أظن أن هذا سلوكُ شخصٍ "يطلب الشهرة بأي ثمن"، لكنه يبدو لي سلوكُ فتاةٍ واثقةٍ من نفسها وتعيش عصرها بمعطياته التي من ضمنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الذات وتحقيق الكينونة.

ولكن من هي نعيمة المقبالي؟ هل سيسعفني الـ يوتيوب في معرفة شيء آخر عنها غير التغريدة قبل شهر ومقطع الفيديو الداعم للمنتخب هذا الصباح؟ يا للهول! يا للسوقية! يا لعار الذكور والأشاوس والنشامى! كل هذا السب والسخرية والبذاءة كردود فعل على "تغريدة"!!.. ما أجرأ هذه الفتاة لتظهر مرة أخرى بكل هذه الابتسامة الودودة الواثقة أمام كل تلك البذاءات التي قيلت عنها—لا لشيء سوى أنها فتاة تريد الخروج من الشرنقة إلى الحياة الحقة. أنتِ فعلا ظاهرة ملفتة يا نعيمة الجريئة، وسيسرني من خاطري –لو أتيحت لي الفرصة- أن أصنع عنكِ فيلما تسجيليا لأن شجاعتك جديرة بالإعجاب. إننا حقا بحاجة إلى ألف نعيمة ونعيمة حتى يعود الشتّامون إلى كهوفهم، وحتى نُخْلِص لذواتنا وندفن هذا النفاق الاجتماعي المستشري في قبورٍ تليق به. لا يليق بالانغلاق والرياء سوى الكهوف، أما الأرواح الطليقة فلها أن تغرد عاليا وترى النور وتفرد أجنحتها في سماء الحرية التي استحقتها عن جدارة.



21 March 2016

ماذا بعد عودة معاوية الرواحي؟

السنة التي غاب فيها معاوية



أتيحُ لنفسي حق التأمل في موضوع عودة معاوية الرواحي للبلاد، بعد سنة قضاها في سجون دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن معاوية كان –قبل غيابه- قد تحول إلى شخصية عامة، بل إلى واحد من أكثر المؤثرين في تفكير الشباب. إنه بطل للكثير من طلبة وطالبات الجامعات. هو الأنشط –بلا منازع- في وسائل التواصل الاجتماعي. هو الأكثر تهورا إنْ شئت. والآن وقد عاد هذا الشاب ذو الشعبية الكبيرة، ما المتوقع من قبل شخصية عامة كمعاوية أن يتصرف بعد عودته للوطن؟ هل سيعود إلى سابق عهده في نشر الموضوعات الساخنة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل سيسمح له أهله أن يعرّض نفسه للأذى مرة أخرى؟ هل سيترجل بطل الشباب عن صهوة وسائل التواصل الاجتماعي فيحبط مريديه الذين صلّوا لأجله طوال عام وأشعلوا الشموع لعودته؟ ولكن.. أكانت تلك بطولة مستحقة، أم مجرد ظاهرة ربما كان على هذا الشاب المتعدد الاهتمامات أن يعتبرها مرحلة عمرية عليها أن تنقضي؟ بل، ألم يكن كل ذلك ظاهرة مرضية لها علاجها الذي ظل معاوية الرواحي يرفض أن يتعاطاه؟

منذ أن عرفنا معاوية الرواحي، وحتى قبل أن نعلم أنه مريض بمرض يدعى "اكتئاب المزاج ثنائي القطب"، عرفناه شعلة من النشاط. متعدد الاهتمامات لدرجة التضارب أحيانا—كأنْ يعطي موعدا لخمسة أشخاص في نفس الوقت في خمسة أماكن مختلفة، وفي نهاية المطاف يدخل معاوية في النوم –بسبب عبثية حياته- ولا يلتقي أحدا! كنا نتقبل ذلك منه ونعتبره جزءا من شخصيته "المتنعشلة". لكن مع السنين تغير الأمر كثيرا. صار معاوية أكثر نشاطا لدرجة غير طبيعية بالمرة، وقد ترافق ذلك مع ازدهار الفيسبوك و تويتر وزيادة انغماس الناس في عالم وسائل التواصل الاجتماعي. أصبح معاوية غزير الانتاج لدرجة لا يمكن فيها متابعة كل ما يكتبه ويصوره بالفيديو من موضوعات. فهناك منشورات للفيسبوك تصل من الطول أحيانا إلى درجة لا يستطيع الفيسبوك أن يرفعها، فيلجأ معاوية إلى مدونته لينشرها. وهناك مقاطع فيديو على اليوتيوب بالساعات في الأسبوع الواحد. و هناك قصائد على الواتساب، و سيل من التغريدات في تويتر. و هناك أكثر من حساب بالفيسبوك–لأن الخمسة آلاف صديق التي يتيحها الفيسبوك للفرد الواحد لم تكن كافية لمعاوية الرواحي! كان هناك شاب مفرط الحماس متعدد الاهتمامات يقود معارك على جبهات شتى: لمناصرة قاصة شابة استأسد عليها جيش من الظلاميين، أو للقيام بهجوم موجه ضد كاتبة هزيلة مستفزة تكتب ما تسميه "قصف جبهات"، أو لفضح خرافات رجل دين لم أكن شخصيا قد سمعت به قبل حملة معاوية الرواحي ضده. ما لم نكن نعرفه أن هذا التصاعد المحموم الحاد في نشاطات معاوية الرواحي كان نتيجة للمرض الذي يعاني منه. إنه مرض غريب. وكما يحمل اسمه فهو مرض له قطبان. القطب الأول يمكن أن يُدخِل صاحبَه في نوبات اكتئاب حادة قد تصل إلى مراحل يؤذي فيها الشخص نفسه. وهذا كان يحصل لمعاوية. والقطب الثاني كان يمنح صاحبَه طاقة هائلة وحماسا خطيرا، وهنا كان معاوية يتألق. لم تكن جماهير معاوية المتنامية تعرف شيئا عن كل هذا. إلى أن وقعت الفأس في الرأس بتدوينة نشرها معاوية لم ينقذه منها إلا تسامح السلطة وجهود والده، وقد كان من تلك الجهود أنْ نشر والده لأول مرة للعلن الحالة الصحية لمعاوية والشهادات الطبية التي تثبت حالته النفسية.

الأشهر الستة السابقة لاحتجاز معاوية الرواحي كانت أشهرا من النشاط المحموم في حياة هذا الشاب. كان الأمر قد وصل إلى الفوضى العارمة. كانت هناك حرائق يشعلها باستمرار في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولمن عرفوه عن قرب كانت هناك أشياء مخيفة تجري في حياته الشخصية كردود فعل لمرضٍ يرفض صاحبه أن يتناول أدويته. كانت تمر الأيام بلا نوم لدى معاوية، وفي ظروف كهذه يضطرب الدماغ ويفقد المرء السيطرة على الأمور. في مثل هذا التصاعد المرضي جاءت مسألة تهديد معاوية العلني عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي بقتل الكاتب الطبيب حسين العبري بزعم أن الكاتب قد أفشى أسراره الطبية. في هذه المرحلة بالذات كان معاوية لم يعد شخصا مأمونا، حتى بالنسبة لأصدقائه. لعله كان يقترب من الشيزوفرينيا، حيث يمكن لاكتئاب المزاج ثنائي القطب أن يتحول إلى شيزوفرينيا في الحلات المتطرفة للمرض. حسنا.. هنا حدثت مفارقة شديدة الأهمية. لقد ابتدأ معاوية الرواحي يدرك أنه مريض، وبدأ يذكّر الناس بمرضه وألا ينظروا إليه كبطل. كان ذلك على الأقل ما تقوله كلماته، لكنه كان على أرض الواقع ماضيا في التصرف كبطل. أما جماهيره المفتونة به فقد تجاهلت تحذيراته وبدأت تتجه أكثر فأكثر إلى الذوبان فيه والتماهي مع حالته. لقد ظهر لمعاوية مقلّدون في أسلوب كتاباته. وصار هناك جيل من كتاب الفيسبوك يتفاخر بالإعلان أنه مكتئب ويكتب منشورات مليئة بعبارات مكتئبة. لقد أضحت الحالة المرضية حالة مقدسة. صار الأمر مخيفا، فالمدون الذي يرتكب جريمة قانونية وهي التهديد بقتل أحدهم يصبح بطلا في عيون جماهير توقفتْ عن التفكير. جماهير من الشباب المنقاد تبحث فقط عن البطل لتتبعه، ولم تلتفت يوما لتحذيرات هذا البطل أنه لا يريد البطولة. لقد انتبه معاوية أنّ شعار "#الحياة_هجلو" الذي وضعه عنوانا لفلسفته في الحياة لم يكن إلا شعارا اكتئابيا؛ فالحياة عمل و أمل وليست مجرد تجزير للوقت. لكن جماهير معاوية المتحمسة بإفراط لم تصغِ مجددا لتصحيح المسار الذي أراد الكاتب الشاب أن يقود إليه. على مستوى شخصي لي، كنت قد توقفتُ عن متابعة معاوية الرواحي في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة قبل احتجازه في سجون الإمارات بنحو ثلاثة أشهر. تلك الفوضى النارية كانت مخيفة، ومزعجة. لم أتوقف عن اعتبار معاوية صديقا، وكنت قد زرته في شقته قبل السجن بأيام بسيطة، ورأيت -ما سأحتفظ بتفاصيله كصديق- ما يعبر عن المقدار الذي وصلت إليه حالة التشوش الصحي والمعيشي لدى معاوية. كنت أعرف –ببساطة- أن شيئا سيّئا سيقع. كان معاوية الذي يزداد بطولة في عيون الشباب، يدخل أكثر فأكثر إلى حالة من التشوش الذاتي. كان كل شيء متوقعا (إلا السجن بدولة الإمارات). أغلب التوقعات كانت بأن تحجر عائلة معاوية عليه لأنه كان قد أصبح مؤذيا لنفسه، أو أن يرتكب حماقة في منشورٍ ما يدخل بسببه سجون البلاد. كان معاوية قد وصل إلى مرحلة لابد أن يحدث معها شيء، فهو نفسه لم يكن قد أصبح يطيق نفسه. مرة يتحول لمعلم رياضيات وتصبح مهنة يجني منها المال. ومرة ينهك جسده ليتعلم إشارات موريس في يوم وليلة ويكتب بها منشورات في الفيسبوك. ومرة يتحول إلى جراح يشرح كل يوما قطة أو حيوانا صغيرا، وهو الشاب الذي يخاف بالأصل النظر إلى قطرة دم. لقد أخذ معاوية جسده إلى أقصى طاقة المرونة بحيث كان الجسد ينتظر لحظة الانهيار. وفي مغامرته الأخيرة كان قد تحول إلى صانع للشموع، وهي تقليعة مرضية تحولت بسببها نساء متزوجات إلى مراهقات بائسات مثيرات للشفقة. قبل سجن معاوية بيوم واحد كان معاوية بالونا لابد أن ينفجر، وكنا –أصدقاءه الذين نحبه، وليس مريدوه العميان- نسأل الله اللطف بالقدر وليس رد القدر.

الآن وقد عاد معاوية، ما الذي يمكن أن يحدث؟ هناك عائلة تخشى على ابنها، وقد تخشى عليه كثيرا لدرجة إبعاده عن العيون كافة. لن ينجح هذا مع شاب بالأساس هو مبدع حيوي و نشيط: مدون وقاص وشاعر ومتفاعل مع قضايا المجتمع. وهناك على الضفة الأخرى جماهير تنتظر قائدها الذي لا ترى سوى هالته، لكنها لا تعنيها آلامه وتمزقاته. ولكنّ هناك طريقا ثالثا، اسمه أخذ الدواء بانتظام.

في غياب معاوية الرواحي فقدنا بطلين شعبيين حقيقيين لم تصنعهما جماهيرٌ تقدم أبطالها كقرابين نيابة عنها، ولكن صنعهما حب الوطن والإخلاص له. فقدنا الراحلَين الكبيرين علي الزويدي و حمد الخروصي رحمهما الله. والآن يعود إلينا معاوية الرواحي، الشاب الذي كان يمكن أن يكتب خلال الفترة التي غيبه فيها السجن عدة مؤلفات بين الشعر والقصة والتدوين. لقد حُرِم معاوية الرواحي سنة كاملة من أن يشارك بآرائه في مجريات الحياة العامة في البلاد، والآن تعود إليه الفرصة –لو تعامل معها باتزان- لينسى الجماهير العريضة التي كادت أن تورده مورد التهلكة، ويصغي لصوت المبدع في داخله. صوت الشاعر المطبوع، والناشط الإعلامي الذي ساهم منذ تأسيسه لمهذونته قبل نحو 8 سنوات في تنشيط الإعلام الإلكتروني في بلادنا والتأثير فيه. لن أزعم أن علي الزويدي و حمد الخروصي كانا بلا جماهير في حياتهما. لقد كان هناك جمهور هادئ، لم نره بوضوح إلا في جنازة كل منهما، حين انسابت الدموع الصادقة لفقدهما والدعاء للرب بالغفران لهما وبجنة الخلد. كان ذلك حبا صادقا. هذا جمهور لم يسع المرء إليه، ولم يعبأ به في حياته. كان يحصل كتراكمٍ طبيعي يتحقق بمقدار ما يكرس المرء نفسه للإخلاص لوطنه وقضاياه. أما العائد معاوية الرواحي، فعلي كصديق أن أقول أنه ليس بحاجة لهذا النوع من الجمهور الذي يحيط به، فهو بحاجة أكثر لصداقة الشعر والأدب والفن، وإلى تلك الفئة القليلة النبيلة من أصدقاء الواقع الذين يحبونه بصدق. أولئك الذين سيقولون لك يا معاوية: رجاء، لا تنس أخذ أدويتك، لأنك بصحتك الجيدة تستطيع أن تفعل أكثر وأفضل بكثير مما يفعله المرض بك و بنا.

22 February 2016

لقاء الغريب بالغريب

لقاء الغريب بالغريب


من أجمل المتع في الحياة، هي تلك الصدف النادرة التي تجعل غريبين –أو أكثر قليلا- يلتقيان على طاولة واحدة، ثم سرعان ما ينشأ بينهما حوار حميم. حوار يبدأ بشيء من الفضول، ثم يتطور للحديث عن شؤون خاصة. عن وجدانيات وآراء لا يبوح بها المرء كل يوم. وبدون أن يدرك المتحاوران كيف حدث هذا، يذهب الحوار بغير تخطيط إلى كبد الحقيقة. يصل إلى البوح والتقارب. فجأة يصبح هذا الغريب الذي التقيناه صديقا—كما لو أننا نعرفه بعمق من عدة سنوات. لربما نبوح له عن دواخل أنفسنا وأسرارنا بأكثر مما يعرفه عنا أصدقاء عايشناهم لسنوات. أحب أن أسمي هذا النوع من اللقاءات بلقاءات البحارة في الحانة. حانة ميناء. لعلها صورة أستمدها من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز.. حيث يلتقي البحّار المخضرم بطالب شاب، ويعرض عليه ثلاثة قروش مقابل أن يوافق الطالب على سماع الحكاية التي سيقصها عليه البحّار. حكاية مليئة بتجارب الحياة والسفر والموانئ والنساء والصراع مع الأمواج. أسميه لقاء البحّارة لأن البحارة يرتحلون من ميناء لآخر. وفي محطاتهم القصيرة على اليابسة يجمعهم دفء شراب (الروم) وحميمية الحانة، حيث تنشأ الصداقات وتنتهي. حيث البوح يأتي بلا مقدمات. حيث يعيش المرء عمرا كاملا صاخبا في ليلة واحدة، يسرد حكاية حياته لشخص غريب كمن يشرب ثمالة الكأس الأخيرة، لأنه يعلم أنه لن يلتقي بذاك الغريب مرة أخرى.

كم أحب لقاءات بحارة الموانئ. لا أعني البحارة حرفيا، لكني أقصد أيّ غريبين يلتقيان صدفة لسويعات فتنشأ بينها صداقة عجيبة في جلسة واحدة، ثم يفترقان إلى الأبد. أنا ملّاح مثلهم، ولي موانئي المؤقتة. ولدي حكاياتي التي لا أخبر بها إلا العابرين، الحكايات التي تقال كاملة لشخص لن ألتقيه مرة أخرى. تحدث صدفة لقاء البحارة غالبا في السفر. عند مَشرب على الرصيف، أو مقهى على ضفة نهر. تحدث غالبا عند السفر، في مَواطن لا نعرف فيها أحدا، لكننا جئنا إليها من مواطننا بحب كبير حين اخترنا الترحال إليها. مَواطنُ نحن مستعدون أن نصادق ناسها وأشجارها ونسمات هوائها ونادلاتها اللطيفات. مستعدون لنآخي غرباءها الذين هم ملّاحون مثلنا، مسافرون لاكتشاف شيء جديد وتجربة شيء مغاير. إننا –عند السفر- جميعنا بحّارة. جميعنا لدينا حكاية نود أن نتشاركها، و سرّ أجّلنا البوح به حتى نلتقي بالغريب المناسب. وحين نعود لأوطاننا فإن تلك الصداقة العميقة العابرة التي دامت ليلة واحدة تكون هي أفضل ذكرى نأخذها إلى مخادعنا من ذلك البلد.

لكن السفر ليس مطلبا ضروريا للقاء البحارة. بل إنه لا ضمانة هناك أنّ السفر سيقدم لناء بالضرورة فرصة لقاء الغريب بالغريب في جلسة بوح حميمة. يمكن أن لا يحدث ذلك في السفر، كما يمكن أن يحدث لقاء الغرباء في موطنك الأم. كل ما عليك هو أن تكون مُشْرَعَا لتكون حضنا للآخر إذا احتاج إليك. أن تصغي له بانتباه. تشاركه تجربته. تطلب منه تفاصيل أكثر. وإذا كانت فتاةً جاشت بها الذكرى وهي تبوح بمشاعرها، فليكن حضنك هذه المرة حقيقيا لا افتراضيا. لعل هذا الحضن يكون الترياق الذي يحتاج إليه كلاكما حتى يتعافى من بعض وعثاء الحياة.

لقاءات البحارة قليلة. والمحظوظون السعداء هم مَن يحصل معهم الأمر مرة كل سنتين أو ثلاثا. ولقد كنت أحدهم أكثر من مرة، في السفر وبلا سفر. لن أستطيع أن أصف النشوة التي تملأ نهاري التالي عقب كل مرة ألتقي فيها بغريب أتبادل معه البوح الحميم. البارحة مثلا‘ كي لا أذهب أبعد، كيف تسنى لكل ذلك المرح أن ينشأ فجأة بيني وبين الزوجين البريطانيين اللذين التقيتهما صدفة، وانتهى بي المطاف أسوق بهما مسافة طويلة مُقلّا لهما لمنزلهما، لأن الصداقة التي تكونت بيننا في جلسة واحدة جعلتني لا أقبل أن يستقلا سيارة أجرة كالغرباء. يا إله العرش! بضع ضحكات ورشفات من إكسير متبادل جعلتنا أصدقاء في ساعة! ما أعظم موانئ البحّارة!

وهل أنسى الفتيات اللاتي فتحن قلوبهن لي، وطهّرن قمصاني بمدرار دموعهن وهن يسردن لي عن خيانات الأحبة وقسوة الزمن؟ وتلك التي باحت بأسرار لن تعرفها عنها يوما أمها، كما لن يعرفها زوجها. وأنا الذي تركت العنان لروحي لتسرد فصولَ أفراحٍ وأتراحٍ، عن رغبات مكبوتة تارة، وعن حب موؤود، وعن اشتهاءات شبه آثمة، وعن رغبة عارمة في احتضان الكون بأجمعه، وأحيانا عن فانتازيات وظلال تسكن كهوف النفس. فكان هناك من يصغي إلي بلا توجس أو إدانة. بل كان هناك من يبادلني بوحا ببوح، وحكاية بحكاية، وكأسا بأخرى، وربما دمعة بدمعة أو ضحكة بضحكة. ما أجمل البحارة في موانئهم العابرة!


قد لا نلتقي بالملّاح الذي بحنا له بكل شيء حميم في حياتنا مرة أخرى. لعلنا في لاوعينا لا نتشجع للبوح إلا لمعرفةٍ دفينةٍ في قرارات نفوسنا بأننا لن نلتقي هذا المسافر المرتحل مرة ثانية. لكننا أحيانا نلتقي بالملاح مرة أخرى. نلتقيه ونحن نعلم أننا نلتقي بصديق حميم. قد لا نأتي على ذكر ما بحنا به في أول لقاء، لكننا سندرك دوما أن ذاك اللقاء الأول كان السر وراء صداقتنا هذه. سنلتقي مرة أخرى ونضحك ونتناقش في أمور كثيرة، لكنّ كل واحد منا سيحمل حنينه السري الخاص به إلى لقاء الغريبين اللذين كنّاهما ذات يوم، ذات سويعة آفلة. الغريبين اللذين التقيا في حانة ميناء الحياة. ما أجمل الغرباء، ما أجمل حاناتهم وموانئهم!

*الصورة أعلاه هي لقطة من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز

08 February 2016

لماذا يأسرني سنابتشات؟

رقصة سنابتشات المحصَّنة ضد الموت




لا أزال مفتونا بعالم سنابتشات منذ أن استوطنتُهُ منذ نحو أربعة أشهر. تجربتي الأولى له كانت قبل أكثر من عام، في نسخة قديمة منه. لم تكن تلك النسخة صديقةً للمستخدم، لذا لم أعرف كيفية استخدامه فهجرته. أما الآن، فأنا أقيم داخل سنابتشات وأشعر ببهجة كبيرة أنني أسكن فيه؛ حيث الكثير من البشر حولي يشاركونني نفس المتعة: أن نزيح كافة الجدران من حولنا ونكون أرواحا مُشاعة ليلاقيها الآخرون بنفس روح الأخوّة والبوح. البوح، لعلها الكلمة المفتاح لعالم سنابتشات البهيج. أعني بالبوح هنا ذلك المقدار الكبير من الرغبة في مشاركة تفاصيل حياتنا اليومية ووقائعها بما يفوق ما نقدمه في وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى. إن البوح –بهذا المعنى- هو الجامع الرئيسي المشترك بين سكان واحة سنابتشات الحافلة بالمتعة.
* * *
لمن لا يعرف سنابتشات فهو تطبيق اجتماعي للهواتف الذكية، يتيح للمستخدِم إضافةَ أصدقاءٍ يتبادل معهم الصور ومقاطع الفيديو، كما يوفر إمكانية الدردشة النصية. الميزة الكبرى في سنابتشات أنّ المادة التي تبعثها لصديقك قابلة للمشاهدة مرة واحدة فقط ثم تختفي. لا يمكن لمن يستقبل صورتك أو الفيديو الخاص بك أن يعيد إرساله لأحد. المادة تختفي ذاتيا بعد مشاهدة واحدة. هناك في سنابتشات خياران لإرسال ملفات الوسائط المتعددة: (1) إما بإرسالها مباشرة لشخص واحد أو عدد محدد من أصدقائك، وفي هذه الحالة يراها ذاك الصديق لمرة واحدة. (2) أو أن تضيف مادتك المصورة إلى شيء اسمه (قصتي)، حيث يمكن لكل أصدقائك مشاهدتها ولا تصبح مقصورة على فرد بعينة أو عدة أفراد أنت تنتقيهم. وبالنسبة للمواد التي ينشرها المستخدِم في ألبوم (قصتي) فإنها تدوم 24 ساعة. أي يمكن لأصدقائك إعادة مشاهدتها مرارا وتكرارا طوال تلك الأربع والعشرين ساعة قبل أن تختفي. وأيضا تظل المواد في ألبوم (قصتي) عصية على أصدقائك ليشاركوها مع طرف ثالث. هذه هي ميزة سنابتشات الكبرى: الخصوصية. بقي القول أن مدة الفيديو الذي تستطيع إرساله لأصدقائك عبر سناب تشات لا تزيد عن 10 ثوانٍ فقط. وكذا الحال بالنسبة للصور، فعندما تصور صورة فوتوغرافية عبر سنابتشات وترسلها لأحدهم فإن لك الخيار أن تقرر المدة التي يستطيع فيها صديقك مشاهدة الصورة، وهي مدة تتراوح بين ثانية واحدة وعشر ثوان كأقصى تقدير، ثم تختفي الصورة. وفي حال قرر صديقك التقاط صورة للشاشة قبل الاختفاء التلقائي لصورتك فسوف ينبهك سنابتشات أن المستلِم قد قام بالتقاط صورتك عبر برامج تصوير الشاشة الموجودة في الهواتف. أنت ما زلتَ محميا وتعرف مَن يحاول خرق خصوصيتك من ضمن قائمة أصدقائك.

عندما ظهر سنابتشات في البداية (تحديدا في سبتمبر 2011) كان ظهوره بسبب مسألة الخصوصية. فنحن عندما نرسل رسالة نصية أو فيديو أو صورة ثابتة عبر برنامج آخر (كالواتساب مثلا)، فليس هناك أي طريقة نضمن بها أن المستقبِل لن يقوم بتمرير رسالتنا لطرف ثالث. جاء سنابتشات ردا على هذا. ولذا فعند ظهوره ارتبط في البداية بالمراهقين وطلبة الجامعات في أمريكا ليتبادلوا فيما بينهم صورهم الخاصة، لاسيما بين الأصدقاء الحميمين، وذلك بفضل خاصية عدم إمكانية تخزين المواد الواصلة عبره إلى ذاكرة الهاتف وكذا عدم إمكانية تشاركها مع شخص ثالث. انتشر سنابتشات بسبب هذا، لكن سرعان ما ظهرت عوامل أخرى عززت انتشاره وجعلته يخرج خارج إطار فئة الشباب (بين 12 و24 سنة) ليستخدمه الجميع. إنه عنصر الرغبة في البوح للآخرين ومشاركة تفاصيل الحياة مع الناس بدون أن يترتب على الأمر أية تبعات. من منا لا يريد ذلك؟ من لا يريد أن يتشارك لحظاتٍ تخصه مع رفاقه، ويرى ماذا يفعل رفاقه، والكل مدرك أنه لا ضررَ سيترتب على ذلك لأيٍّ من الطرفين؟ هنا السر الكبير للانتشار الرهيب لسنابتشات وتحوّله إلى واحد من أقوى وسائل التواصل الاجتماعي قاطبة.

يقول البعض الآن أن الفيسبوك قد أصبح برنامجا عجوزا، لا يستخدمه إلا كبار السن. فيما يراه البعض برنامجا نخبويا يستخدمه من يجيدون الكتابة. هذا قول متطرف بالطبع لكنه مؤشر على الدور الجديد الذي أصبح سنابتشات يلعبه في حياة الناس. من يقولون بشيخوخة الفيسبوك فإنهم يجعلون سنابتشات القوة المضادة له، بوصفه معبّرا عن روح الشباب. لا يمكن إنكار الطاقة الشابة التي يتمتع بها سنابتشات، فهو يجنب المرء عناء الطباعة ويقول بالفيديو والصورة ما لا تقوله الكلمات الخرساء.  وهو مناسب للشباب من طلبة المدارس والكليات كون هؤلاء في مرحلة بناء العديد من الصداقات ولديهم مئات الزملاء في المدرسة والكلية، ولديهم طبيعةُ حياةٍ فضوليةٍ تتطلب التشارك. تتطلب –في الحقيقة- تشاركا مزدوجا: أن تعرِضَ واقعَ يومك للآخرين، وأن ترى واقعَ يومهم معروضا أمامك. أليس هذا كل ما يمثله سن الشباب؟ التشارك! هذا شأنٌ كان الشبابُ دوما بحاجة له: المشاركة. لكن ليس الشباب وحدهم من يحتاجونه، فهناك آخرون لديهم هذا الاحتياج يتمثلون في أفراد المجتمع من الفئات الأكبر سنا، كما تحتاجه الشركات والمؤسسات التي تنظم فعاليات وتحتاج إلى وسيلةً لبثها شبه حية لحظة حدوثها.

أصبح سنابتشات اليوم مطلبا حيويا ورخيصا للغاية للشركات لتروج لفعالياتها. فما عليك إلا دعوة السنابرز الناشطين الذين يملكون عددا هائلا من المتابعين وسيغطون لك فعاليتك أفضل من أية وسيلة تقليدية أو حديثة متاحة. صار لدينا في عُمان سنابرز تخصصوا في تغطية الفعاليات وهم مدعوون دائما ليكونوا في الصف الأول بين الحضور. السنابر فهمي المعولي (مسماه في سنابتشات هو famiwami) هو واحد من أنشطهم، ولعله أول من انتبه لمسألة أن سنابتشات يمكن له أن يتحول إلى مصدر رزق للسنابرز الناشطين. نشر فهمي المعولي تأملات حول أن السنابرز الناشطين في الغرب قد أصبحت هذه مهنتهم. تدفع لهم الشركات لتغطية الفعاليات لأنهم يملكون عددا جيدا من المتابعين، بينما في عُمان فإن أفضل ما يجنيه السنابرز النشطون هو دعوةٌ لحضور الفعالية وتناول العشاء!
* * *
ما الذي يعنيه لي سنابتشات بصفة شخصية؟ لقد أتاح لي سنابتشات فرصة ذهبية كانت من قبل مستحيلة لأتعرف على حيوات أصدقائي على نحو أفضل. في الفيسبوك نحن متحفظون إلى حد بعيد. ربما نتشارك بعض الأفكار لكننا لا نتشارك لحظات الحياة الاجتماعية اليومية بالصورة والفيديو. في الفيسبوك لا ننشر إلا القليل من صورنا الخاصة. ولا ننشر أبدا أي مقاطع فيديو لحياتنا الأسرية. لماذا؟ لأن كل شيء هناك يمكن أن يؤخَذ ضدنا.  خصوصيتنا ضئيلة في الفيسبوك لأن ما ننشره لا يطّلع عليه أصدقاؤنا فقط، ولكن حتى أصدقاء أصدقائنا (الذين لا نعرفهم بالضرورة) يستطيعون النبش في خصوصياتنا. سنابتشات مختلف. إنه يوفر لنا الخصوصية لأننا نتحكم بشكل كامل في الأشخاص الذين نضيفهم كأصدقاء والذين يحق لهم وحدهم الاطلاع على ما ننشره فيه.

في سنابتشات سمعتُ لأول مرة ضحكات صديقاتي اللاتي أعرفهن منذ سنوات في الفيسبوك (ما أثمن أنْ تسمع ضحكة صديقتك للمرة الأولى بكل عفويتها وبهائها). وفيه رأيتُ أطفالا لا حصر لهم يلهون ويملؤون الأرض وداعةً وحبورا. رأيت أفرادا يعيشون الوحدة ويبحثون عمن يدردش معهم في ساعات الليل الأخيرة المضنية.  رأيت هدايا اشتراها أصدقاء لعشيقاتهم السريات (دون أن يصرّحوا أنها لعشيقاتهم السريات). رأيت منى تلهو مع قطتها، ولم أكن أعرف أن أغلى ما لدى منى هو قطتها. سمعتُ عفراء تغني وتغني لتبدد وحشتها، ولتخاطِبَ عالَما غير مرئي تبث له لواعجها وتخبره أن صوتها ليس عورة. رأيت صاحبات أعمال ناشئات يحفرن الطريق الجبلي الوعر نحو النجاح ولتمكين أعمالهن في عالمٍ شرسِ المنافسة. في سنابتشات رأيت عشرات البشر من كل شعوب الأرض يتحدثون بلغات لا أعرف إلى أي بلد تنتمي، لكنهم أذِنوا لي بمشاهدة تفاصيل حياتهم بلا أدنى حرج. في سنابتشات يتابع تسنيباتي بشرٌ من أمم شتى لا يفهمون العربية، لكنّ منهم الحريصون باستمرار على أنْ يروا كيف يعيش الناس في بلاد أخرى وماذا يفعلون بيومهم. إذا كنا نقول أن المسرح قد أسقط الحائط الرابع لغرفةٍ ما فصرنا نشاهد حياة الناس في تلك الغرفة، فقد أسقط سنابتشات الحيطان الأربعة جميعَهَا. لقد بات العالم عاريا وجميلا مثلما كان عليه أن يكون منذ بدء الخليقة.

لا أحب المتفرجين في سنابتشات. لا أحب من يشاهدون تسنيبات الآخرين ولا ينشرون شيئا. إنهم متلصصون. فكرة سناب الجذابة هي التشارك المزدوج، أمّا مَن يطّلع على كافة تفاصيل حياتي ولا يشاركني شيئا فلا أحتاج له. أحيانا أقول أن هؤلاء قد يكونون مضطهدين اجتماعيا بشدة بحيث لا يستطيعون التسنيب، ويكتفون بمشاهدة ما يجود به سنابتشات كنافذة السجن الوحيدة ليروا من خلالها العالم. أتعاطف قليلا ولكني لا أستطيع أن أنشغل بالسجناء. سنابتشات هو نافذة حريتي المتجددة. لا أريد أن أفتحه يوما بدون أن أرى فيه الجديد. لذا أضيف دوما بشرا لا أعرفهم ولا أعرف من أي البلدان هم، فقط لأرى حياة متدفقة كالنهر المتجدد. لا أريد السكون. لا أريد الموت.
* * *
وكما في كل وسيلة اجتماعية جديدة للتواصل، ومثلما في كل باب جديد للبوح، فإن الفتيات هنّ دوما الأجرأ. هنّ الرائدات. هنّ مَن يفتحن هذه النافذة الجديدة لنسمة هواء كنّ دوما بحاجة إليها، ليخرجن بواسطتها من سجن الواقع إلى رحابة العالم المأمول. هكذا أرى ريادة الفتاة في سنابتشات قياسا بتمترس الذكور في مناطق طمأنينتهم المعهودة. هكذا أرى جرأة منشوراتهن مقارنة ببؤس منشورات الشباب المحافِظة والحيادية حد الملل. لذا سأقول: إن لم تملأ سنابتشاتك بقائمة من صديقاتك الفتيات فإن سنابتشات لا معنى له أساسا في المجتمعات المحافظة.

25 January 2016

معاركُ رجلٍ في الأربعين

معاركُ رجلٍ في الأربعين

 (1)
للأربعين معاركها. للأربعين الكثير من المعارك الجارية. بعضها محمول على الأكتاف منذ سنوات أسبق، وبعضها قيد الوقوع. منها ما سيخبو خلال فترة بسيطة، ومنها ما سينتقل لسنين العمر القادمة.



(2)
يفكر في نفسه أن الأربعين قد جلبت له بعض الراحة. لقد أصبح أقل قلقا إزاء بعض الأمور. أبسطها أنه قد قضى أكثر من 15 عاما موظفا حكوميا، وقد وصل راتبه إلى مستوى مقبول (قياسا بما بدأ به). سلفية بيته قد مضى نصفها. ويبدو أنه و زوجته قادران على إكمال الدرب (رغم صراعاتهما المتكررة). أطفاله الثلاثة يملؤون حياته (ولكن يزعجه إصرار زوجته على ضرورة مجيء الرابع). لا يبدو أن تهديدا كبيرا يتربص بخط حياته العام. ثم يتدارك ويسأل نفسه: ماذا عن الصحة؟!
لا يتذكر أيهما حدث أولا، ضعف البصر أم إصابته بالسكري. عالج الأول بالنظارة لرؤية الأشياء البعيدة، فإذا الأشياء القريبة تصبح هي العلة. صار يبدّل بين نظارتين. اشترى مرة نظارة فيها القريب والبعيد، علاجان في واحد كما زعم له المحل الذي أخذ 350 ريالا لقطعة من الزجاج. ارتداها فأصبح البعيد ضبابا وأمسى القريب دخانا. قالوا له ستتعود عليها، لكن ذلك لم يحدث. فعاد إلى مسألة النظارتين وأخذ يفكر: ليتني قرأتُ أكثر عندما كان نظري أفضل.
فكّر في جراحات الليزر الحديثة، لكن شيئا ما فيه يجعله يخاف خوض أية جراحة. لماذا عندما يكبر المرء يرفض الجِرَاحات ويختار التعايش مع المرض؟ هناك من ماتوا بالسرطان وسواه لأنهم رفضوا إجراء الجراحة. هناك رجل عجوز يعرفه أصيب بالعمى الكامل لأنه رفض جراحة صغيرة لعينيه قائلا: "بو باقللي ذا النظر. إنْ خاسوه موه هيبقالي؟". أما السكري فلا يبدو بالنسبة له أنه أسهل  من أزمة جراحة الليزر. على العكس من ذلك، فهو يدرك أن الحل بسيط: المشي وتنظيم الغذاء. ولكن من ذا يقول أن هذا بسيط؟ هذا يعني باختصارٍ الكثيرَ من التغيير في نمط الحياة، وهل التغيير سهل لرجل في الأربعين؟

(3)
عندما يسأله الرفاق عن رأيه في الزواج، اعتاد أن يقول: "60 بالمئة إيجابي و 40 بالمئة سلبي". الآن صار يقول: "شرٌّ لابد منه". منذ متى حدث هذا التحول؟ ولماذا؟
هو موقن أنه و زوجته سيكملان الدرب. امممم، يقول ذلك لنفسه في أوقات السلام العائلي (وما أندرها)، أما في أوقات الشدة، فقد فكر في الطلاق ما لا يقل عن ست مرات بجدية تامة. ما مشكلته مع زوجته؟ هي مشكلة جميع الرجال، لا شيء خاصا أبدا. "النساء يحببن المشاكل. يتلذذن باختلاقها. يحببن أن يرين حياتك كسيحة معطلة لأسباب مجهولة، وحين ينجحن في ذلك ويعطلن حياتك يتهمنك بأنك عديم النفع!"، هكذا يقول. هو يعرف أنها ليست مقولته الخاصة به، فخلفان و علي وسعيد وسليمان وسويلم راعي الفرصادة يقولون نفس الشيء. خلفان يقول له: "طنّش تعش تنتعش". أما سعيد فيفكر في الزوجة الثانية وينصح صديقه بها، ويقول "الحرمة ما شي يأدبها غير حرمة غير". لكن ذلك لا يبدو مقنعا له، فالمتأدب الحقيقي "اللي ماشي على عجين ما يلخبطوش" هو الزوج. إنه الزوج دائما. هو متأدب بوجود زوجة واحدة، فماذا سيحل به لو جاءت "كارثة" ثانية؟ لا شك أنه سينفجر لفرط الأدب! هكذا يرد على سعيد، ويردد له مثلا سمعه منذ سنوات في فيلم مصري: "قل لا تتزوج اثنينِ. أنا من وحدة طِلْعِتْ عيني". في الحقيقة، لا تستعصي فكرة على فهمه أكثر من فكرة أن زوجا منكوبا بسبب زوجته ومع ذلك يقرر الزواج بامرأة ثانية! لا يبدو له أن في الأمر شيئا من المنطق، فكيف تعالج جرحك بنفس النصل الذي أدماك؟ لكنهم يفعلون هذا كثيرا في هذا البلد، فهل ينجح العلاج؟
نصحه سويلم راعي الفرصادة أن يعيد قراءة كتاب (الرجال من المريخ.. النساء من الزهرة)، فهو –على الأقل- حلٌّ أرخص تكلفة، لكنه أصبح موقنا أن حلول هذا الكتاب ونظيراته مثالية، وأنّ قراءة الكتاب لا معنى لها إن لم يقرأ الطرف الآخر الكتاب أيضا ويتناقشان فيه. هل يمكن أن يكون حل مشكلة أزلية عامة شديد البساطة بهذا الشكل، ومتوفرا هكذا؟ ربما عليهما أن يجربا ذلك!
مرة قال لزوجته: "كنا سنصبح صديقين رائعين لو لم نكن أزواجا". هل المشكلة، إذن، في الزواج وليست فيهما؟ وهل لهذه المشكلة حل في مجتمع لا يعرف إلا الزواج صيغةً معترفا بها للعلاقة بين رجل و امرأة؟

(4)
نعم قد ارتفع راتبه عما كان عليه في بداية مشوار حياته الوظيفية، لكن أوجه إنفاقه قد ارتفعت أيضا، وأصبح مسؤولا عن آخرين. لا عن نفسه فحسب.
عشر سنين تبقت على قسط البيت. إذن هي عشر سنين قبل التقاعد. هو لم يعد يطيق عبودية الوظيفة، ولم يدّخر في حياته قرشا أبيض ليعينه في يومه الأسود. وها قد حل اليوم الأسود. لن تكون هناك أعوام أسوأ من هذه السنة والتي تليها. إنه انهيار عام. سيتضرر فيه مثلما سيتضرر جميع البسطاء. خطة التقاعد التي كان يفكر فيها قبل عام أصبحت ضربا من الخيال. كان يفكر أنه اذا تقاعد فسوف يؤسس عملا آخر يعزز دخله، ولكن ها هي الأعمال تتهاوى من حوله، والانهيار مرئي على مد البصر.
أتراه يخادع نفسه عندما يقول أن الأربعين قد جلبت له بعض الراحة و الطمأنينة؟ تبدو له الصورة هكذا من الخارج أحيانا، لكنه عندما يفتت التفاصيل يجد أن السوس ينخر كل شيء. الصحة والمال والحياة الشخصية والمستقبل الآمن. ومع ذلك، يحتاج إلى طمأنة نفسه، ويثق أنه ما يزال قادرا على أنْ يُحِبَ و أنْ يُحَب، وهذا تقريبا يكفيه.
(5)
أما معركته الكبرى فهي أنه لا يكف عن السؤال: هل كان مسار حياتي خاطئا على طول الخط؟ لو استطعتُ العودة للوراء، أكنتُ سأسلك شبرا واحدا في نفس هذا الدرب؟
كم من معارك سأحمل معي للباقي من العمر؟ ولكن، ما الحياة أصلا إذا خلت من كل تحدٍ؟ ما الحياة بلا معارك؟

10 January 2016

عاشقُ الضحى في الهواء الطلق

يوميات رجل سعيد

أنت تؤمن أنك سعيد، إذن فليسعدك الرب أكثر وأكثر.
تستيقظ على لذعة برد خفيفة من النوع الذي تحبه. النوع المحفّز لا المثبّط. النوع الذي تريد لأجله أن تنهض من السرير، لا أن تتدثر باللحاف أكثر وتستغرق أطولَ مختبئا تحته. تحفزك زاوية صغيرة مفتوحة بالمنزل كي تهرع إليها لتشم هواء نقيا عذبا، هواءً لطيفا. وتفكر، "كم ستكون حياتي أجمل بعد بضع سنوات من الآن عندما أتقاعد، فيكون لدي المجال لأستمتع بصباحاتي بالطريقة التي أريد".


هذه الأيام أنت تعيش عينة مبكرة لمستقبلك كمتقاعد، فأنت في إجازة سنوية. لا تشعر بالفراغ مطلقا، إذ لا يخلو يومك من مشاوير وارتباطات لتنجزها، بل إنك تشعر أحيانا أن الأربعة والعشرين ساعة ليست كافية لما تود القيام به. مشاوير للبيت والعائلة ولنفسك ومع الأصدقاء. ووقت للكتابة والقراءة، والبحث عن فرص تنفيذ أعمال خارجية متقطعة تزوّد بها دخلك لتنفق بسخاء على ملذات حياتك—وليس على الأساسيات. لم تعد قلقا بخصوص الأساسيات مثلما كنتَ وأنت في العشرينيات من عمرك. لديك الكثير مما يمكن أن تبدأ به صباحا بهيا، إذ يمكن لك الذهاب لمقهى مفتوح لتجرب شايا عطريا. أو تبدأ يومك بكتابة مقالة وجدانية لمدونتك أو استكمال قراءة رواية جيدة كنتَ بدأتَ بها البارحة. أو مشاهدة فيلم خلاق من ثمار السينما اليانعة الشهية التي تبدعها أنبل عقول البشرية من الرائين. كما أنه  لديك (سنابتشات) يمكن أن تبدأ به صباحك. تطبيقٌ لا تمل من التلصص فيه على حيوات بشر من مختلف البلدان واللغات أذنوا لك بمتابعة وقائع أيامهم، ومعظم ما يبثونه لحظات بهيجة مملوءة بالمرح و الغشمرة. بل لديك –في سِنابِك- حتى فاطمة النبهانية، لاعبة التنس الدولية التي تعتبرها بطلةً شخصيةً لك منذ ما قبل حملتها ضد أكياس البلاستيك، هذه الحملة التي جعلَتها أعلى شأنا في نظرك لأنها جاءت في وقت لا يعير فيه الكثيرون أي شأن للقضايا البيئية. كم كانت فاطمةٌ بعيدة، والآن هي في سنابتشات الخاص بك وترى يوميا طلتها الحلوة وابتسامتها الساحرة وتسريحة شعرها المتموج التي تدعو ربك ألا تغيّرها في يوم من الأيام، فهي علامتها الجمالية الخاصة وماركتها المسجلة. ألا يكفيك قُربُ النبهانية (الموجودة على راحة يدك) –يا عاشق الضحى في الهواء الطلق- لتكون سعيدا؟ فديتك أيها الحالم المتواضع!
* * *
تجلس لتخطط للقاء يجمع الرفاق، ليتعارفوا، ليتحابوا، ليتعاضدوا ضد قسوة الحياة. حياتك لا معنى لها دون أن يكون أحبابك حولك. لا تحتاج سوى لبضعة اتصالات لتدعوهم ليلتقوا، ثم الكثير من الصلاة لتسمح ظروفهم باللقاء. تعلم أنهم سيستمتعون معا، وستستمتع بوجودك بينهم. وبينما أنت تفكر فيهم يباغتك أحدهم برسالة ليدعوك بـ "يا أطيب قلب". تبتهج بالطبع، وتدرك أنه عليك أن تصلي في هذه اللحظة بالذات حتى لا يعتذر أحد عن اللقاء.
هناك تحضُرُ الضحكاتُ والموسيقى، ويأتي البوح الحميم. ولن تكون الرؤوس مشغولة بالتفكير في أزمة هبوط أسعار النفط وخطط التقشف التي –حتما- ستطال الجميع. لن يكون أحد معنيا بعالم الجشعين وصراعاتهم، فذاك ليس الوقت المناسب ليتذكر فيه الضحايا أنهم ضحايا. إنه الوقت الأنسب ليعلو فيه الطيبون على فكرة الظلم. ليصعدوا بأرواحهم إلى سماوات توحدهم جميعا كبشر نبلاء أطيابا خيّرين ولا شيء آخر. قد يأتون في الحديث على ذكر بعضٍ مما يزعجهم أو يؤرقهم. هذا طبيعي تماما. إنها وسيلة للاستشفاء. لرمي المكابدة جانبا لبعض الوقت، فما إنْ يبوح المرءُ بما يزعجه حتى يصبح قادرا على خطو خطوة للأمام بكاهل أكثر تخففا. لا بأس يا أشقّاء الروح إن جئنا على ذكر ما نقاسيه، فنحن هنا لنتعاضد. ها إني أرى أحدهم سرعان ما يطرح نكتة، أو تدندن فتاة مقطعا من أغنية عاطفية تحبها، أو يتنهد إنسان زافرا ذكرى قديمة يشعر في تلك الحظة، في تلك اللحظة فحسب، أنها باتت أقل إيلاما. ها أني أرانا نضحك، نستخرج الطفل الذي لم يكبر بعد بداخلنا، ونتوجه للطفلة الفعلية الوحيدة –بحسابات العُمر- الموجودة معنا في جلستنا و نكبُر حتى نكون أطفالا مثلها. ها نحن نلاطفها. ها هي تستمتع مثلنا، فهي لا تحظى دوما بكل هذا التجمع من الأرواح الطفولية حولها. ها أننا جميعا في عمر واحد. إننا أطفال الفرح و أبناء اللحظات السعيدة.
* * *
أيتها الأرواح عيشي طفولتك دائما، ولا تكبري أبدا.
الصباحُ طفولةُ اليوم. رضيعُ النورِ البرئ، الحابي نحو الرشاقة والعطاء.
هو الطفل الذي لا يعرف إلا اللعب والاكتشاف.
هو الطفل الذي يعصم الأرواح من التكلس أو التخشب، فيمنحها قبسا من براءته.
أيتها الأرواح كوني دائما طفلة. مشعة بالحياة وعشبُ خطاكِ مُخضَرٌ بالفرح والمحبة.
التقِ يا أرواحُ وقتما تشائين، فلقياكِ صبح. ولتهنأ أنت يا عاشقَ الضحى في الهواء الطلق، حيث لن يعرف يومُك كلُّه سوى جذل الطفولة و كركراتها الصافية.