Showing posts with label حياةٌ بنصف انتصاب. Show all posts
Showing posts with label حياةٌ بنصف انتصاب. Show all posts

10 January 2018

شغفُ تاكو مساء الأربعاء: هواجسُ ليلةٍ شتوية

شغفُ تاكو مساء الأربعاء!


كان ثمة كلامٌ مُحْكَمٌ في رأسي، لكنه تبخر! كانت أفكارٌ تكتب نفسها في دماغي وأنا أقود السيارة. أتراني تأخرتُ على تدوينها؟

ربما أردتُ أن أتحدث عن لماذا حذفتُ الواتساب من هاتفي مؤخرا. إذا كان هذا هو الموضوع، فإنه بسيط. لقد حذفته لأن التفاهة التي تصل من خلاله قد تجاوزت الحد. ولأنه يذكّرني في كل مرة كم أنّ غالبية أبناء هذا الشعب مثيرون للرثاء بسذاجتهم في تصديق أي شيء، وغياب العقل الناقد عنهم، وتجذّر الجهل فيهم، وهي حقائق يسرني أكثر أن أتغاضى عنها وأن أتناساها. إضافة لكل ذلك، فأنا لستُ على استعداد للتواصل مجانا مع من أثبتوا أنهم يستخسرون إنفاق عشر بيسات في رسالة نصية يسألون فيها عن صحتي. هذا ما حدث عندما حذفتُ الواتساب: حذف الكثيرون أنفسهم عن التواصل! ما أرخص الإنسان عندما لا يساوي عند أصدقائه عشر بيسات.

لقد كنت أفكر (هئنذا أتذكر الآن) أنني فاقد للاستمتاع بشيء في الحياة. ليس لديّ حماس لإنجاز أي شيء أو الاهتمام بشأنٍ ما أو التواصل مع أحد. لكنني مع ذلك ما زلت أحب الحياة. إني أستغرب حقا من نفسي كيف أحب حياةً لا أجد فيها ما يُمتِعني! مهلا، ثمة ما أمتعني في الشهر الأخير. إنها وجبات التاكو التي تعرفتُ عليها عبر بوفيه مساء الأربعاء بأحد الفنادق الذي زرته صدفة. على أية حال فأنا لا أستطيع دفع قيمة بوفيه كامل لأجل قطعتيّ تاكو بالروبيان!

لستُ جيدا لا في التواصل الاجتماعي ولا في التواصل في العالم الافتراضي (عبر برامج السوشيال ميديا). إنني أفضّل التواصل بالبريد الإلكتروني أكثر عن أية وسيلةِ تواصلٍ أخرى (لولا أن بُطئي في الطباعة يُكرّهني في الأمر). أكره الحديث بالهاتف، وأفضّل التواصل مع الماكينات عن التواصل مع البشر.

لم أُتقِن شيئا يوما كما ينبغي. لا الإخراج ولا النقد ولا كتابة القصة ولا المقالة ولا المسرحية، ولا حتى إمتاع امرأة كما أشتهي (تبا لسرعة القذف). جرّبتُ من كل بستان زهرة—حتى أن أكون جناينيّا أزرع الطماطم والفلفل. لم أتقن إعداد طبخة واحدة، ولا برعت في استخدام الحاسب الآلي رغم تأليفي لكتاب عن أساسياته. والحق يقال أنني برعتُ في عبّ الجعة باستمتاع كبير قلّ نظيره على مدار سنوات وسنوات، لكن جسمي كافأني بالسكري تحية لهذا الشغف!

ربما لستُ سيّئا كأب لطفلتي الوحيدة، ولكن ليس في هذا سلوى كافية. حتى السفر الذي تمنيته، لا أستطيع إتيانه لضيق ذات اليد، وإذا فعلته فإنني دوما بلا رفيق (عدا عن استثناء لمرة واحدة). والصديقُ قبل الطريق، كما يقولون!

أأنا خذلتُ حسناواتي أم هنّ خذلنني؟ أأنا لم أعد أستمتع بالأفلام أم لم يعد هناك سينما جيدة؟ منذ متى لم أتعلم شيئا جديدا؟ منذ متى لم أكمل قراءة كتاب؟—وإذا فعلتُ فإنه لا يمنحني المتعة التي أبتغيها!

كنتُ مع مطلع كل عام ميلادي أسطّر حقيبةَ أحلامٍ أتمنى تحقيقها. لم أكن أحقق منها الكثير. لكنني منذ عامين لم أضع حتى رؤوس أقلام بشيء أريده. لم يعد لدي رغبة سوى في سير الأمور كما هي عليه. لم يعد لدي سوى حلم واحد، لكنني لا أعمل لتحقيقه. هو أن أتقاعد. لكن بديوني هذه فأنا مربوط بالوظيفة حتى يطردني منها يوما مديرٌ حديثُ التعيين في نصف عمري!

إنني لا أأسف على أي شيء فعلته أو لم أفعله، وهذه هي كارثة حياتي. كل الأمور متساوية عندي. المهم أن يمر الوقت بسرعة. الشيء الوحيد، الوحيد ربما، الذي أتمناه في هذا العمر، هو لو أنني لم أكن مصابا بالسكري. إنه مَخْزَنٌ كبيرٌ للشرور. مستودَعٌ للدمار. يدس أنيابه بخفاء في كل مفاصل الحياة فيدمرها بصمت. ولكن ماذا كان سيحدث لو أنني غير مصاب بالسكري؟ ماذا كنت سأكسب؟ حسنا، لا شيء، سوى المزيد من الطعام والجعة بلا قلق أو مخاوف! (وهل هذا بالشيء اليسير؟!)

أأريد شيئا حقا؟ أجل بالطبع. أريد أن تقول ابنتي ذات يومٍ -وأنا ببطن التراب أو ما زلت على سطح الأرض- أنه كان لديها أفضل أب في العالم. أريد أن أسافر وأستمتع. أن أعيش بلا قلق الديون. أن أشاهد فيلما يأسرني ويجعلني أرتعش. أن أشرب كأسي بلا قلق من سرطان قد ينجمُ عنه! حسنا، أريد أن يكون الشغف متجددا، بحيث يكون هناك بين الفترة والأخرى تاكو جديد أعشقه. لا عن التاكو أتحدث، ولكن عن شيء أشغف به كما يشغفني حاليا تاكو بوفيه مساء الأربعاء.

"ونحنُ نحبُ الحياةَ
إذا ما استطعنا إليها سبيلا".*



*محمود درويش

02 January 2015

رغائب سنة جديدة

رغائب سنة جديدة


هذه الليلة أنا مستعدٌ لالتهامِ تمساحٍ حيّ كاملٍ بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة!
مستعد ﻷسامح زوجة خائنة.. وﻷغوي زوجا بالخيانة!
مستعد ﻷقطع الصلة بنديم أعرفه منذ 15 عاما؛ ﻷنه لن يصبح يوما صديقا قط.
مستعد لأجلد طيز حبيبتي بالكرباج، بتدرج وشبق.. إذا أقسمتْ أنها ستبادلني المِثل؛ ولكن بقسوة لامتناهية.
مستعد ﻷهشم البطيخات بلكمات من قبضة يدي. وأن أفقأ حتى عيون العميان، فما حاجتهم لها؟
مستعد لقطع ذيل ضب.. فتُنتهك كرامته، ويسَمِّم نفسه من الداخل حتى الموت. أتوق ﻷرى أحدا يموت بكرامة.
مستعد أنا الليلة لقطع ذيل سحلية؛ ﻷراها تفلت من قبضة الكراهية.  وأرى ذيلها ينمو مجددا، هازئا بي.
مستعد الليلة ﻷعلّق امرأة من حلمتيها بمروحة الغرفة.. غير أنني لن أدير زر التشغيل.
مستعد لإحراق صالة سينما، وإنقاذ شريط سينمائي واحد ﻷنه بالأبيض والأسود، أو ﻷنه صامت.
مستعد الليلة ﻷهجر كل الصديقات إذا رفضن أن أمزق سوتياناتهن وأطعمها للحلزونات.
مستعد ﻷتعشى بخبز عفن، طالما كان لديّ كأسُ نبيذ أحمر.
مستعد ﻷغازل سحاقية، حتى لو انتهى بي الأمر حبيسا.. طالما كان ذلك سيشعل غضبها ضد العالم كله!
مستعد ﻷشعل حريقا، لتتبخر بلادة البرد.
مستعد ﻷعلّم طفلا أقذع الألفاظ، كي لا يحرمه والداه السخيفان من النطق الحق.
مستعد ﻷقطع لسانيْ أبوين أرعنين، فلا تسمع الطفولةُ صلواتٍ عند الطعام، وزجرا حال الغناء على المائدة.
مستعد ﻷدق المسامير على الحلمات. وليتم خصيي بمشرطٍ صدئ. وﻷدَغدَغ تحت الإبطين حتى الموت. مستعد أن أعض مؤخرة امرأة مستديرة، وأن أنهش منها ما يكفي ليمتلئ به فمي فأكف عن الشكوى والتذمر.
مستعد ﻷضرب أرنبا بمطرقة على رأسه، وأن أولج اصبعي فُجاءة بدناءة تجعل أقرب صديقاتي تحتاج لجلسةِ علاجٍ تمتد 20 عاما لتتعافى من الصدمة، لكنها لن تشفى يوما!
مستعد للحرائق والدخان. لنبش قبر فرناندو بيسوا والتمثيل بجثته. ولطبع قبلة على جبهة شارلي شابلن--التي لم تترك الديدان شيئا منها.
مستعد لكل شيء سوى أن أحظى بسنة عادية. سنة لا تليق إلا ببشر ليسوا سوى بهائم ناطقة.
مستعد أن أفقد القدرة على الكلام، شريطة ان أبوح كثيرا بحبي للوجوه الصامتة للنساء الحزينات.
هذه الليلة أنا مستعد لالتهام تمساح حي كامل بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة، حتى لو علق بحلقومي.. فقط كي لا تكون سنتي هذي شبيهة بسابقتها الرمادية.
الليلة سأدخل فيك بشهوة. وسأرقب دم بكارتك يسيح مغادرا حياتي البليدة، حياتي ذات العذرية الزائفة، كغشاء بكارةٍ صينيّ خدعوا به زوجا شرقيا جديرا بالخداع ولا شيء غير الخداع.
الليلة يستيقظ الغوريلا ضاربا بيديه الهمجيتين صدرَه الفولاذي، ليغزو العالم الأشعث الشَعر بزمجرة تهتز لها أركان الغابة المسمومة. الليلة يركل كينج كونج الزمن ليخلط أوراق اللعب، فلا يعود شيء آمنا بالسذاجة التي كنا عليها قبل سويعات.



03 December 2014

تكلمتُ الليلة كثيرا

تكلمتُ الليلة كثيرا



ما زلتُ مستيقظا أيتها الصامتة، وفي جوفها بركانٌ من التناقضات.
ما زلتُ مستيقظا، وفي يدي مُدية وأنا أبحث عن البرئ--الأكثر براءة، الجدير بأن أغرسها في قلبه.

ما زلتُ مستيقظا، لكني الليلة بالتحديد تكلمتُ أكثر مما ينبغي.
أخبرتُ الطيورَ أنني أنوي نتف ريشها لو مجرد فكرت أن تزقزق حول نافذتي صباحا!
أخبرت الرفاق أنهم بلا جدوى بعد 11 ليلا، فأي فيلم أمريكي تافه يمكن أن يعوضني عنهم.
أخبرت العاهرات أنني وصلتُ سن الفطام، وأن الوقت قد تأخر ﻷشتهي أحمر الشفاه الفاقع.
همست لصديقتي المقربة أنني أكذب عندما اقول أنني أحب عينيها، فأنا أحب عدسات عينيها اكثر.
أخبرت حذائي أن السير حافيا لم يعد يؤلمني.
أخبرت الرجال العواجيز حولي أن النبيذ مفيد للروماتيزم، وأن انحناء الظهر أجمل من التفكير بشراء تابوت أو كفن.

تحدثتُ اليوم كثيرا.
تحدثتُ لطالبة جامعية أن سر النجاح هو أن تتوقف عن الكتابة إليّ بين المحاضرات.
وتحدثت ﻷمي -كاذبا، كي لا أقلقها- أني اتخذت كل الاحتياطات لكي لا أصاب بالسكري او ضغط الدم.
كما تحدثت لنجوم السماء أنني لا أصدق مزحة إعصار نيلوفار.
أنا صاح أيتها البعثرة الكونية.. ولكني لن أتحدث الآن ﻷحد..
فقد تحدثتُ الليلة أكثر مما ينبغي.
تحدثتُ لجميع الكائنات.
وبقيتُ، كالعادة، صامتا كالصخرة الملساء أمام نفسي!

15 September 2014

الدنيا نظر عين.. لوحة ثلاثية الأبعاد

(الدنيا نظرْ عين)

إلى لِيَا.. ناظرة بعينيها إلى نفسها تبتعدُ عن نفسها على شاطئ الحُلم المبدّد!*
وإليكِ.. لنهدينِ ما جَرَأتُ على اختلاس النظرِ إليهما، وما قَوِيتُ على سحب النظرِ عنهما!




هذا نهدٌ أعرفهُ.
لا يَعرِفني.
وهُنا توأمُهُ—نهدٌ ثانٍ
أيضا لا يألفُني.
لكني أعرفهُ. أألفٌهُ. ألمُسُهُ. أوْزِنُهُ. ألعقُه. بل إني –أحيانا- أعضُّ أنامِلَهُ. ألثمُ مُقلتَه.
هذا نهدٌ أعبُدهُ.

هذانِ النهدانِ هما عينانِ
أنظرُ بهما للدنيا
-والدنيا نظرٌ للعينِ-.
أنظر بهما فأرى سينما
هي ذي (وِينْسلتُ)** تقرأ كُتبا، بعينَيْ طفلٍ عاشقْ
تتعرى في حضرته، فيغدو الطفلُ إلهاً، وأنا أغدو عبدَاللهِ.
أغدو عبدا لإلهٍ لا يتمرأى إلا في صالةِ سينما.

هي ذي (أولمانُ)*** في (بِرسونا).. تأخذُ أحشائي للعُتمةِ.
لا أعشقُ إلا العُتمةَ، حيثُ الشهواتُ تَمُوجُ كَمَا حيّاتٍ تتناسلُ
ملساءَ.. زاهيةَ الألوانِ.. تفيضُ أنوثةْ.

هذانِ النهدانِ هما عينانِ
أنظرُ بهما فأرى لوحةْ.
ما أجملَ هذا الجسدَ العاري..
ما ألطف هذا الشيفونَ المسترخي
ما أجملَ هذي السُرّةَ والخِصبُ يلوذُ بها.

أنزلُ نظرةْ.. فأرى عشبا مبتلا بالأمطارِ.
بالأحضانِ أتوّجهُ.
هذا العشبُ سيزهو يوما في أحلامي.
يا أنفاسي دفّيها الآنَ.. دفّي الأفعى الملساءَ..
دفّيها الآنَ.. الآنَ الآنَ وليس غدا
فالباكرُ قد لا يأتي.

يا أنفاسي دفّي حسناء (الكورسيتِ)****، وخذيها للزمن الباقي
هذا (الكورسيتُ) مَهِيبٌ وأنا أربطُ أزرارَهْ.
مهيبٌ وأنا أفتحُ أزرارَهْ.
هذا الكورسيتُ –ونهداكِ يفيضانِ بنشوتهِ- هو كلُّ اللوحةِ في معرضِ عصرِ النهضة--إذْ لا أعرفُ عصرا آخرَ.
نهداكِ النهضةُ، فانهضْ يا ثعبانَ الروحِ المحرومَ. انهضْ يا غوريلا الغابةِ..

كمْ نادمْتُكَ –والعفّةُ قيدٌ-، وفؤادُكَ مكسوٌ بالكِلْسِ.
كم سِرْنا بنيذٍ تلوَ نبيذٍ، وأنتَ الراهبُ.
وأنتَ الرافضُ إلا أنثى (الكورسيتِ) المخبوءةِ في عَبَق الرغبةِ
فانهضْ يا غوريلا الرغبةِ واللهفةِ، مُنتصبا!

هذانِ النهدان هما الدنيا
-والدنيا ليستْ إلا نظرةُ عينٍ-
فاذهبْ بالبصرِ إلى النهرِ المشقوقِ
واعْبُرْ بين الضفةِ والأخرى. واسْبَحْ....
اسبَحْ
اسبحْ يا رعديدُ. اسبحْ أو فلتغرقَ يا ابنَ الـ...
لا تُهدِرْ عمرا آخرَ.
يا ابنَ الـ...
يا ابنَ الحرمانِ، التوهانِ، الكبتِ، الفَنتازيا
لا تُهدِر عمرا، لا عمرا آخرَ أحدٌ يضمنُهُ.
فانهضْ..
ارضعْ نهديها يا ابنَ الرب!
قبّل شفتيها يا ابن الإنسان!
فهذا نهدٌ تعرفُهُ، وهذا توأمُهُ—نهدٌ ثانْ.
هذانِ النهدانِ هما عينانْ
اُنظرْ بهما للدنيا
-والدنيا نظرٌ للعينِ-
انظرْ بهما، يا عبدَاللهِ
انظرْ لترى سينما. لوحةْ. عشبا مبتلا بالأمطارِ.
لا تُهدِرْ عمرا آخرَ.
وارضعْ نهديها حتى يشفى جُرحُ الرغبةِ
ويئنُّ الحزنُ الأبديُّ:
"هذا نهدٌ أعرفهُ. أألفُهُ. ألمُسُهُ. أوْزِنُهُ. ألعقُه. بل إني –أحيانا- أعضُّ أنامِلَهُ. ألثمُ مُقلتَه.
هذا نهدٌ أعبُدهُ.
هذا نهدٌ أعبدهُ.
فانهض يا غوريلا الرغبةِ واللهفةِ، منتصبا!
هذانٍ النهدان هما الدنيا.
والدنيا نظرةُ عينٍ.. لا أكثرْ!"


*إحالة إلى شخصية (لِيا) أو (إيزابيل) في الفيلم الفرنسي (صغيرة وجميلة) Jeune & jolie. إخراج: فرانسوا أوزون. إنتاج: 2013
**إحالة للممثلة كيت وينسلت في دور هانا شميتز في فيلم (القارئ)، حيثُ كانت أميّة وتطلب من صبي مراهق أنْ يقرأ لها. إخراج: ستيفان دالدري. إنتاج: 2008
***إحالة إلى الممثلة ليف أولمان بطلة فيلم (برسونا). إخراج: إنجمار برجمان. إنتاج: 1966
****الكورسيت corset أو (مشد الصدر). من أزياء القرون الوسطى الأوروبية وعصر النهضة. نسخة عصر النهضة كانت أكثر فتنة.



16 August 2014

عندما تذوي الروح

كُتبت في 27 يونيو 2011. ونُشرت في وقتها في جريدة الرؤية.

عندما تذوي الروح

(1)
"لو كان لي أن أعيد حياتي، لما سلكتُ نفس هذا الدرب". لا توجد فكرة تسيطر عليّ هذه الأيام أكثر من هذه الفكرة. أكان ينبغي أن أصدق "الحداثيين" في أوهامهم فأضيّع أجمل سنوات عمري في دهاليزهم، ولم أخرج إلا بعزلة حزينة والكثير من المعارك والتشوهات؟ كم أكره كل بيت شعري قرأته لكل واحد منهم تقريبا خلال العشرين سنة الماضية؛ لقد جعلوني أوشك أن أكره الشعر. كنتُ حقا سأكره الشعر لولا أني وجدتُ "الشاعرية" في السينما، فأنقذتني من هراء الشعراء!
أكان ينبغي أن أتعرف على الشعراء قبل معرفة علماء الأحياء والأنثروبولوجيا؟ أكان ينبغي أن أتعرف على "قصيدة النثر" قبل أن أتعرف على نظرية النشوء والتطور بعشرين عاما كاملة؟ أكان ينبغي أن أمتلئ بكل هذه الخزعبلات عوضا عن أن أمتلئ بكتابات ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينج؟ أكان ينبغي أن أعرف شذرات من نقد الشعر قبل أن أتأصل فكريا بالقراءة في العلوم الطبيعية؟ أكان ينبغي أن ألتقي بمتعاطي الثرثرة الليلية والتنظير في الحداثة بدل أن ألتقي بعشاق العلم والمعرفة في العلوم الطبيعية؟ أكان ينبغي أن أصبح بهذه البدانة الجسدية والترهل الفكري، حيث كل ليلة تموت كتلة من خلايا دماغي متسممة بالعصارة الصفراء في جلسات المنظّرين، عوضا عن أن تشع روحي بالرشاقة منتقلة من كتاب لعالم أنثروبولوجي إلى كتاب آخر لعالم فيزيائي أو فلكي معاصر؟ أكان لابد أن أعرف تشارلز داروِن متأخرا كل هذا الوقت—حين لم يعد البقاء هو الأصلح لي لأنني لم أعد الأصلح للبقاء وتهتُ عن درب الانتخاب الطبيعي للمعرفة العميقة بالكون من حولي؟!

(2)
لو كنتُ أستطيع أن أعيد عقارب الزمن للوراء لاخترت السفر للدراسة في أمريكا فور انتهائي من "الثانوية العامة"، ولوضعتُ إتقان اللغة الإنجليزية –أقرب ما يكون للحديث بها كأهلها- هدفا أولَ لي، وكنتُ درستُ شيئا نافعا في الحاسب الآلي مثلا أو البيئة أو علم الحفريات، أو ربما درستُ الإخراج السينمائي، المهم أي شيء إلا هذه الصحافة التي لم تكن سوى تجربة بليدة في مناخ بليد. لو كنتُ قد أتقنتُ الإنجليزية كأهلها لكنتُ الآن دودةَ قراءة. أقرأ بسلاسة عن كل فيلم سينمائي أشاهده وأحبه، كما أقرأ كتب ريتشارد دوكينز بلغتها الأم فور صدورها، ولكنتُ قد اقتنيت مجلة "ناشيونال جيوجرافيك" عددا عددا وقرأتها كلمة كلمة، ولكنتُ من مُريدي المجلات العلمية، ولكنتُ طرحتُ أسئلة تعنيني على مخرجي السينما الأستراليين –وغير الأستراليين- في المهرجانات السينمائية التي التقيتهم خلالها في أستراليا. لو كنتُ قد تأسستُ علميا في الغرب في سن باكرة، لكانت حياتي اليوم أكثر تنظيما وإنتاجية، ومعرفتي أغزر، بل وحتى صحتي كانت ستكون أفضل، إذ لم يكن أزهى سنوات حياتي سينقضي في مجذمة "تشرشل" الحزينة.

(3)
ماذا سأفعل الليلة خلاف ما أفعله في كل ليلة؟ بمن سألتقي في خريفِ عُمرٍ جنيتُ فيه أصدقاء بأقل من أصابع اليد الواحدة؟ بمن ألتقي حين يعز اللقاء بهم—كعادة الغالبية العظمى من الليالي؟ أي فيلم سأشاهد والروح منطفئة عن فتح نوافذها للجَمال والفن؟ أهي الأُسْرة من يفعل ذلك بالمرء، حينما يقع في فخ الروتين المتكرر والباعث على الكآبة المستديمة؟ أهو الإفلاس المادي والرضوخ تحت وطأة الدَين لعمرٍ كامل قادم حتى يسدد المرء قسط بيته؟ أكان لابد من شراء بيت؟ أما كان أجدر لكل تلك النقود أن تذهب لإنتاج فيلم سينمائي أقول فيه كلمتي لهذا العالم –لِلا أحد تحديدا- ثم أمضي؟ أكان لابد أن يعيش المرء في بلد نصف ما يحبه ممنوع أو مفقود فيها، وألا يرى مستقبلا مطمئنا لشيء من حوله، حيث لا يترعرع هنا بضراوة مخيفة سوى هيمنة المتشددين دينيا—أعداء الحرية والإنسانية والحب والجَمال؟ أكان لابد أن يقضي المرء نصف حياته في وظيفة لا ترتبط بشئ من اهتماماته، وألا يجد فرصة للتعبير عن اهتماماته حتى كهواية أو ممارسة فردية، حين لا يجد كثيرين ليشاركوه ما يحب؟ أكان لزاما على المرء أن يعيش كناسكٍ مجبورٍ على العزلة فيما روحه تضج بحب الحياة والرغبة فيها؟ لماذا كان على الحياة أن تكون حقا في مكان آخر، وأن تكون نبوءة كونديرا صحيحة هذه المرة، خلافا للكثير من شطحات الكتاب وأهل الكلمة؟!

(4)
يا بابلو نيرودا: أشهد أنني لم أَعِش!
يا أيها الفانون السعداء بحياتكم: لو كان لي أن أعيد حياتي لما اخترتُ نفسَ هذا الدرب.