Showing posts with label عُمْرُ الخِصب. Show all posts
Showing posts with label عُمْرُ الخِصب. Show all posts

18 March 2018

عن الهيبّي الموؤود بداخلي


شتاء الأحلام*


ثمة أشياء كثيرة تُروى باعتبارها ممارسات شائعة، ولأن بعضها لم أتعرض له في طفولتي فإنني بالكاد أستطيع تصديق أنها موجودة. مثالا لا حصرا، فإن قيام الجدات بحكي قصص للأحفاد أمر هو بمثابة ممارسة عامة شائعة في كثير من بلاد العالم، بل وحسب علمي (الحديث نسبيا) فإن الجدات العمانيات فعلن ويفعلن نفس الشيء. ولأنني شخصيا لم أسمع أية حكاية من جدتي، فهي لم تروِ شيئا لي أو لأي من إخوتي وأخواتي، فإنني بالكاد أصدق أن الجدات العمانيات يحكين حقا حكايا للصغار! ولأن جدتي لا تبدو مختلفة عن أية جدة أخرى، وعليه فإنه إذا كان صحيحا أن الجدات يروين قصصا للأحفاد فإنها لابد أن تكون قد روتْ شيئا. لكنها لم تفعل، وهذا يجعلني عاطفيا متقبلا أكثر لفكرة أن الجدات العمانيات لا يحكين قصصا للصغار، وحدهن فقط الجدات في الرسوم المتحركة من يفعل ذلك! هذا ما تقوله عاطفتي، رغم أني أدرك عقليا أن الأمر مختلف عن ذلك للبعض. إنه لصحيحٌ أنّ ما نتعلمه في طفولتنا ليس من السهل أن تغيره فينا المعرفة العقلية عندما نكبر. نعم، هذا صحيح!

نموذج آخر للأشياء التي تروى كممارسات شائعة: أن كل طفل لديه حلم يرغب في تحقيقه عندما يكبر. شخصيا، لا أتذكر أنني حلمتُ بأن أصبح شيئا، لا طبيبا ولا شرطيا ولا أي شيء آخر، وأتساءل حقا إذا ما كان الأطفال لديهم صدقا أحلام من هذا القبيل، أم هُمُ الكبارُ وحدهم يجبرونهم على إدعاء الحلم حين يحاصرونهم بالأسئلة الملحة عما يودون أن يكونوا عليه عندما يكبرون. الأمر الغريب أنني ربما إلى الآن لا أحلم بأن أكون شيئا معينا، على الأقل، لا أريد أن أكون "وظيفة". لا أرغب في أي شيء من ذاك. ربما يراودني خلسة حلم بأن أرى نفسي مخرجا سينمائيا، لكنه شيء أشبه بطيف هائم لا أكثر. الطريف في الأمر، أنني لم أخلُ تماما من حُلمِ أن أكون شيئا. ففي مراهقتي، وليس طفولتي، حين كنتُ أعيش في قريتي الصغيرة، ثمة صورة أسرتني وحلمتُ بها. أن أكون بوهيميا متسكعا، أو بألفاظ أعرفها اليوم وما كنتُ قد سمعت بها آنذاك، هي أن أعيش حياة الهيبيين (بتصور خاص بهذه الحياة جاء من عندياتي). كنت أرى نفسي ببنطال جينز أزرق ممزق ورث، وشعر أشعث، وأنا أعيش منطرحا تحت الجسور في مدينة كبيرة. لا مسؤوليات لديّ، ولا علاقة لي بأية ضوابط وتقاليد وأعراف!

كان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي، ولا شك أن تلك الصورة المستقبلية المتخيلة لنفسي قد استقيتها من نوعية الأفلام السينمائية التي كانت تعرض في التليفزيون المحلي، لكن ذلك لوحده لا يبرر لماذا تمثلتُ نفسي في صورة الهيبيّ أو البوهيميّ، فالمرء يشاهد أشياء كثيرة على الشاشة ويتأثر بالقليل منها، والتأثر بصورة البوهيمي لِمراهقٍ في قرية بسيطة هو –في ظني- حدث غير مألوف. إذ كيف كنتُ أحلم أن أرى نفسي تاركا الدنيا لشأنها وأعيش زاهدا تحت جسور السيارات ببنطال جينز رث، كيف يحدث ذلك ولم أكن أرى أحدا يرتدي الجينز في قريتي سوى المدرسين العرب بمدرستي؟! على أية حال فهذا السؤال لا يشغلني كثيرا، بل لعل ما يشغلني/يروقني أكثر منه أن هذه "اللوحة" التي كنتُ أرى فيها نفسي لم تمتحِ تماما بعد، بل لازالت موجودة بصورة من الصور، هي صورة الحنين إلى زمن لم أعشه. ثمة حنين خاص يأخذني إلى الستينيات والسبعينيات، حين كان الهيبيون ظاهرة حقيقية، والبوهيمية طاقة تحرك الأفراد لنبذ قيود الحياة الصارمة والسعي لحرية أكبر حتى لو كانت مفاتيحها المخدرات والمشاعية الجنسية. حين أقول أني أتمتع بحنين لزمن الهيبيين، فهو نوع من الحنين المتخيل، أو ربما التوق، إلى تجربة لم أعشها شخصيا، فأنا أصغر عمرا من أن أكون قد عشت في زمن أُدركتُ فيه عقليا أنه كان زمن الهيبيين، وقد كنتُ أبعد جغرافيّا عن مدن العالم الكبيرة العاجة بالثوار على الأعراف القديمة إبان ذروة حركة نصرة المرأة وصعود المثليين الجنسيين ومظاهرات الطلاب حول العالم وأغاني البيتلز وجون لينون. كان ذلك يحدث في مكان آخر، وكنت أصغر من أن أدركه. إلا أن سحر هذه الأيام الخوالي لا يزال يعيد إليّ الحلم الوحيد –إن جاز التعبير- أو الصورة الوحيدة التي رأيتُ أو حلمتُ فيها بمستقبلي عندما كنتُ مراهقا: صورة الشاب الحر المنفلت من قيود المجتمع والذي يعيش حياته بهيئةٍ رافضةٍ لما هو مفروض عليه من قيود في الملبس والعادات وغيرها. شاب بقميص جينز رث وممزق يهيم تحت الجسور في مدينة كبيرة تاركا البنايات الشاهقة خلف ظهره.



لا توجد أفلام سينمائية أكثر تغذية لمخيلتي وإسالة لعاب اندماجي بها من الأفلام التي تتناول عالم الهيبيين والبوهيميين، لا سيما إنْ انطوت المعالَجة على شيء من النوستالجيا، ومن هذه الأفلام يأتي في المقدمة الفيلم الأسترالي "شتاء أحلامنا" للمخرج جون ديوجان. فرغم أن الفيلم قد رأى النور عام 1981، إلا أن أوائل الثمانينات كانت هي آخر مراحل الظاهرة الهيبيّة، فضلا عن أن الفيلم بنفسه عبارة عن تجربةِ حنينٍ تستوطن روحَ بطلِ الفيلم لحياته الحرة الطليقة في أواخر الستينيات. إنه فيلمٌ حنينيّ عن موضوعٍ هو –بالنسبة لي- الحنينُ ذاته، ولذا فليس غريبا أن أتوق إلى إعادة مشاهدته بين الفترة والأخرى، حيث لم يبق لنا شيء سوى شتاء الأحلام الجميلة نسترخي فيه مع ذكرياتنا وخيالاتنا التي ستبقى دوما أدفأ الأحلام وأعذبها.

*كُتبت المقالة بتاريخ 18 ديسمبر 2010. ونُشرت آنذاك في صحيفة (الرؤية) العمانية

10 January 2018

شغفُ تاكو مساء الأربعاء: هواجسُ ليلةٍ شتوية

شغفُ تاكو مساء الأربعاء!


كان ثمة كلامٌ مُحْكَمٌ في رأسي، لكنه تبخر! كانت أفكارٌ تكتب نفسها في دماغي وأنا أقود السيارة. أتراني تأخرتُ على تدوينها؟

ربما أردتُ أن أتحدث عن لماذا حذفتُ الواتساب من هاتفي مؤخرا. إذا كان هذا هو الموضوع، فإنه بسيط. لقد حذفته لأن التفاهة التي تصل من خلاله قد تجاوزت الحد. ولأنه يذكّرني في كل مرة كم أنّ غالبية أبناء هذا الشعب مثيرون للرثاء بسذاجتهم في تصديق أي شيء، وغياب العقل الناقد عنهم، وتجذّر الجهل فيهم، وهي حقائق يسرني أكثر أن أتغاضى عنها وأن أتناساها. إضافة لكل ذلك، فأنا لستُ على استعداد للتواصل مجانا مع من أثبتوا أنهم يستخسرون إنفاق عشر بيسات في رسالة نصية يسألون فيها عن صحتي. هذا ما حدث عندما حذفتُ الواتساب: حذف الكثيرون أنفسهم عن التواصل! ما أرخص الإنسان عندما لا يساوي عند أصدقائه عشر بيسات.

لقد كنت أفكر (هئنذا أتذكر الآن) أنني فاقد للاستمتاع بشيء في الحياة. ليس لديّ حماس لإنجاز أي شيء أو الاهتمام بشأنٍ ما أو التواصل مع أحد. لكنني مع ذلك ما زلت أحب الحياة. إني أستغرب حقا من نفسي كيف أحب حياةً لا أجد فيها ما يُمتِعني! مهلا، ثمة ما أمتعني في الشهر الأخير. إنها وجبات التاكو التي تعرفتُ عليها عبر بوفيه مساء الأربعاء بأحد الفنادق الذي زرته صدفة. على أية حال فأنا لا أستطيع دفع قيمة بوفيه كامل لأجل قطعتيّ تاكو بالروبيان!

لستُ جيدا لا في التواصل الاجتماعي ولا في التواصل في العالم الافتراضي (عبر برامج السوشيال ميديا). إنني أفضّل التواصل بالبريد الإلكتروني أكثر عن أية وسيلةِ تواصلٍ أخرى (لولا أن بُطئي في الطباعة يُكرّهني في الأمر). أكره الحديث بالهاتف، وأفضّل التواصل مع الماكينات عن التواصل مع البشر.

لم أُتقِن شيئا يوما كما ينبغي. لا الإخراج ولا النقد ولا كتابة القصة ولا المقالة ولا المسرحية، ولا حتى إمتاع امرأة كما أشتهي (تبا لسرعة القذف). جرّبتُ من كل بستان زهرة—حتى أن أكون جناينيّا أزرع الطماطم والفلفل. لم أتقن إعداد طبخة واحدة، ولا برعت في استخدام الحاسب الآلي رغم تأليفي لكتاب عن أساسياته. والحق يقال أنني برعتُ في عبّ الجعة باستمتاع كبير قلّ نظيره على مدار سنوات وسنوات، لكن جسمي كافأني بالسكري تحية لهذا الشغف!

ربما لستُ سيّئا كأب لطفلتي الوحيدة، ولكن ليس في هذا سلوى كافية. حتى السفر الذي تمنيته، لا أستطيع إتيانه لضيق ذات اليد، وإذا فعلته فإنني دوما بلا رفيق (عدا عن استثناء لمرة واحدة). والصديقُ قبل الطريق، كما يقولون!

أأنا خذلتُ حسناواتي أم هنّ خذلنني؟ أأنا لم أعد أستمتع بالأفلام أم لم يعد هناك سينما جيدة؟ منذ متى لم أتعلم شيئا جديدا؟ منذ متى لم أكمل قراءة كتاب؟—وإذا فعلتُ فإنه لا يمنحني المتعة التي أبتغيها!

كنتُ مع مطلع كل عام ميلادي أسطّر حقيبةَ أحلامٍ أتمنى تحقيقها. لم أكن أحقق منها الكثير. لكنني منذ عامين لم أضع حتى رؤوس أقلام بشيء أريده. لم يعد لدي رغبة سوى في سير الأمور كما هي عليه. لم يعد لدي سوى حلم واحد، لكنني لا أعمل لتحقيقه. هو أن أتقاعد. لكن بديوني هذه فأنا مربوط بالوظيفة حتى يطردني منها يوما مديرٌ حديثُ التعيين في نصف عمري!

إنني لا أأسف على أي شيء فعلته أو لم أفعله، وهذه هي كارثة حياتي. كل الأمور متساوية عندي. المهم أن يمر الوقت بسرعة. الشيء الوحيد، الوحيد ربما، الذي أتمناه في هذا العمر، هو لو أنني لم أكن مصابا بالسكري. إنه مَخْزَنٌ كبيرٌ للشرور. مستودَعٌ للدمار. يدس أنيابه بخفاء في كل مفاصل الحياة فيدمرها بصمت. ولكن ماذا كان سيحدث لو أنني غير مصاب بالسكري؟ ماذا كنت سأكسب؟ حسنا، لا شيء، سوى المزيد من الطعام والجعة بلا قلق أو مخاوف! (وهل هذا بالشيء اليسير؟!)

أأريد شيئا حقا؟ أجل بالطبع. أريد أن تقول ابنتي ذات يومٍ -وأنا ببطن التراب أو ما زلت على سطح الأرض- أنه كان لديها أفضل أب في العالم. أريد أن أسافر وأستمتع. أن أعيش بلا قلق الديون. أن أشاهد فيلما يأسرني ويجعلني أرتعش. أن أشرب كأسي بلا قلق من سرطان قد ينجمُ عنه! حسنا، أريد أن يكون الشغف متجددا، بحيث يكون هناك بين الفترة والأخرى تاكو جديد أعشقه. لا عن التاكو أتحدث، ولكن عن شيء أشغف به كما يشغفني حاليا تاكو بوفيه مساء الأربعاء.

"ونحنُ نحبُ الحياةَ
إذا ما استطعنا إليها سبيلا".*



*محمود درويش

22 February 2016

لقاء الغريب بالغريب

لقاء الغريب بالغريب


من أجمل المتع في الحياة، هي تلك الصدف النادرة التي تجعل غريبين –أو أكثر قليلا- يلتقيان على طاولة واحدة، ثم سرعان ما ينشأ بينهما حوار حميم. حوار يبدأ بشيء من الفضول، ثم يتطور للحديث عن شؤون خاصة. عن وجدانيات وآراء لا يبوح بها المرء كل يوم. وبدون أن يدرك المتحاوران كيف حدث هذا، يذهب الحوار بغير تخطيط إلى كبد الحقيقة. يصل إلى البوح والتقارب. فجأة يصبح هذا الغريب الذي التقيناه صديقا—كما لو أننا نعرفه بعمق من عدة سنوات. لربما نبوح له عن دواخل أنفسنا وأسرارنا بأكثر مما يعرفه عنا أصدقاء عايشناهم لسنوات. أحب أن أسمي هذا النوع من اللقاءات بلقاءات البحارة في الحانة. حانة ميناء. لعلها صورة أستمدها من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز.. حيث يلتقي البحّار المخضرم بطالب شاب، ويعرض عليه ثلاثة قروش مقابل أن يوافق الطالب على سماع الحكاية التي سيقصها عليه البحّار. حكاية مليئة بتجارب الحياة والسفر والموانئ والنساء والصراع مع الأمواج. أسميه لقاء البحّارة لأن البحارة يرتحلون من ميناء لآخر. وفي محطاتهم القصيرة على اليابسة يجمعهم دفء شراب (الروم) وحميمية الحانة، حيث تنشأ الصداقات وتنتهي. حيث البوح يأتي بلا مقدمات. حيث يعيش المرء عمرا كاملا صاخبا في ليلة واحدة، يسرد حكاية حياته لشخص غريب كمن يشرب ثمالة الكأس الأخيرة، لأنه يعلم أنه لن يلتقي بذاك الغريب مرة أخرى.

كم أحب لقاءات بحارة الموانئ. لا أعني البحارة حرفيا، لكني أقصد أيّ غريبين يلتقيان صدفة لسويعات فتنشأ بينها صداقة عجيبة في جلسة واحدة، ثم يفترقان إلى الأبد. أنا ملّاح مثلهم، ولي موانئي المؤقتة. ولدي حكاياتي التي لا أخبر بها إلا العابرين، الحكايات التي تقال كاملة لشخص لن ألتقيه مرة أخرى. تحدث صدفة لقاء البحارة غالبا في السفر. عند مَشرب على الرصيف، أو مقهى على ضفة نهر. تحدث غالبا عند السفر، في مَواطن لا نعرف فيها أحدا، لكننا جئنا إليها من مواطننا بحب كبير حين اخترنا الترحال إليها. مَواطنُ نحن مستعدون أن نصادق ناسها وأشجارها ونسمات هوائها ونادلاتها اللطيفات. مستعدون لنآخي غرباءها الذين هم ملّاحون مثلنا، مسافرون لاكتشاف شيء جديد وتجربة شيء مغاير. إننا –عند السفر- جميعنا بحّارة. جميعنا لدينا حكاية نود أن نتشاركها، و سرّ أجّلنا البوح به حتى نلتقي بالغريب المناسب. وحين نعود لأوطاننا فإن تلك الصداقة العميقة العابرة التي دامت ليلة واحدة تكون هي أفضل ذكرى نأخذها إلى مخادعنا من ذلك البلد.

لكن السفر ليس مطلبا ضروريا للقاء البحارة. بل إنه لا ضمانة هناك أنّ السفر سيقدم لناء بالضرورة فرصة لقاء الغريب بالغريب في جلسة بوح حميمة. يمكن أن لا يحدث ذلك في السفر، كما يمكن أن يحدث لقاء الغرباء في موطنك الأم. كل ما عليك هو أن تكون مُشْرَعَا لتكون حضنا للآخر إذا احتاج إليك. أن تصغي له بانتباه. تشاركه تجربته. تطلب منه تفاصيل أكثر. وإذا كانت فتاةً جاشت بها الذكرى وهي تبوح بمشاعرها، فليكن حضنك هذه المرة حقيقيا لا افتراضيا. لعل هذا الحضن يكون الترياق الذي يحتاج إليه كلاكما حتى يتعافى من بعض وعثاء الحياة.

لقاءات البحارة قليلة. والمحظوظون السعداء هم مَن يحصل معهم الأمر مرة كل سنتين أو ثلاثا. ولقد كنت أحدهم أكثر من مرة، في السفر وبلا سفر. لن أستطيع أن أصف النشوة التي تملأ نهاري التالي عقب كل مرة ألتقي فيها بغريب أتبادل معه البوح الحميم. البارحة مثلا‘ كي لا أذهب أبعد، كيف تسنى لكل ذلك المرح أن ينشأ فجأة بيني وبين الزوجين البريطانيين اللذين التقيتهما صدفة، وانتهى بي المطاف أسوق بهما مسافة طويلة مُقلّا لهما لمنزلهما، لأن الصداقة التي تكونت بيننا في جلسة واحدة جعلتني لا أقبل أن يستقلا سيارة أجرة كالغرباء. يا إله العرش! بضع ضحكات ورشفات من إكسير متبادل جعلتنا أصدقاء في ساعة! ما أعظم موانئ البحّارة!

وهل أنسى الفتيات اللاتي فتحن قلوبهن لي، وطهّرن قمصاني بمدرار دموعهن وهن يسردن لي عن خيانات الأحبة وقسوة الزمن؟ وتلك التي باحت بأسرار لن تعرفها عنها يوما أمها، كما لن يعرفها زوجها. وأنا الذي تركت العنان لروحي لتسرد فصولَ أفراحٍ وأتراحٍ، عن رغبات مكبوتة تارة، وعن حب موؤود، وعن اشتهاءات شبه آثمة، وعن رغبة عارمة في احتضان الكون بأجمعه، وأحيانا عن فانتازيات وظلال تسكن كهوف النفس. فكان هناك من يصغي إلي بلا توجس أو إدانة. بل كان هناك من يبادلني بوحا ببوح، وحكاية بحكاية، وكأسا بأخرى، وربما دمعة بدمعة أو ضحكة بضحكة. ما أجمل البحارة في موانئهم العابرة!


قد لا نلتقي بالملّاح الذي بحنا له بكل شيء حميم في حياتنا مرة أخرى. لعلنا في لاوعينا لا نتشجع للبوح إلا لمعرفةٍ دفينةٍ في قرارات نفوسنا بأننا لن نلتقي هذا المسافر المرتحل مرة ثانية. لكننا أحيانا نلتقي بالملاح مرة أخرى. نلتقيه ونحن نعلم أننا نلتقي بصديق حميم. قد لا نأتي على ذكر ما بحنا به في أول لقاء، لكننا سندرك دوما أن ذاك اللقاء الأول كان السر وراء صداقتنا هذه. سنلتقي مرة أخرى ونضحك ونتناقش في أمور كثيرة، لكنّ كل واحد منا سيحمل حنينه السري الخاص به إلى لقاء الغريبين اللذين كنّاهما ذات يوم، ذات سويعة آفلة. الغريبين اللذين التقيا في حانة ميناء الحياة. ما أجمل الغرباء، ما أجمل حاناتهم وموانئهم!

*الصورة أعلاه هي لقطة من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز

20 January 2016

شجرةٌ وحيدةٌ عندَ النبع

 إلى مُنى




أريدُ أن ألتقيكِ اليومَ
لساعتينِ أو ثلاثا.

كم أتمناه لقاءً في مكانٍ ليسَ بالعامِ ولا بالخاص
ربما تحت شجرةٍ معزولةٍ على ضفةِ غَيْلِ ماءٍ يجري
أو
على ظلِّ سدرةِ نبقٍ تطلُ مباشرةً على البحر.

ننطرح متعانقَين.
يدي تطوقك.
ولا نتبادل الكلامَ.. لكنّ "بحيرةَ البجعِ" ترفرفُ حولَنا.

نصغي لموسيقى أرواحِنا
ولا نشعر بأسى
أنّ هذا سيكونُ عناقَنا الأخير.

12 January 2016

سأجازف.. و أضيفك!



سأجازف.. و أضيفك أيتها الفتاة المجهولة.
ستكونين ضمن قائمة أصدقائي.
لا شيء أعرفه عنك بعد (بل لستُ متأكدا أنك فتاة أصلا، لكن حدسي لم يخطئ يوما في شم عبير الأنثى ولو من خلف زنزانة القناع والفزع).
سأضيفك لأن صورة بروفايلك أعجبتني، وأنا أعرف أنها ليست صورتك الحقيقية، فأنتِ على الأرض لستِ باقة ورد أو لوحة لامرأة دامعة العينين من عصر النهضة، ولا حتى وجهَ موديلٍ محسّنة بالفوتوشوب. ولكن سأضيفك لأن صورتك التي اخترتيها ليست قناعا، بل هي القناع-الضد.
سأضيفك لا لأن عدد الأصدقاء المشتركين كبير بيننا (في الحقيقة يزداد قلقي كلما كان بيننا أصدقاء مشتركين كُثُر).
سأضيفك أيتها الصديقة الجديدة المحتمَلة، لأن فكرة أنه (لا شيء أعرفه عنك بعد) تغريني. ولأن كل أنثى هي قصيدة، أو شيء يبدو كقنبلة، ولكن اذا انفجرت فقد تتطاير منها الزهور أو رزاذ العطر. كل أنثى هي وردة شائكة، يجعلنا حزنها ألطف، وإذا بكينا يوما معا -ولو عبر اتصال هاتفي، كما حدث لي مؤخرا، وكما حدث من قبل، وكما سيحدث دائما- فإن ذلك يجعل روحي أخف، و أنفاسي أجمل.
سأجازف.. وأضيفك أيتها الفتاة المجهولة.
ستكونين ضمن قائمة أصدقائي. لأننا حتما سنكون سعداء معا. سنسعد بدمعة مشتركة، وبعناق افتراضي آخر الليل، بعد أن يسكب كلا منا دموعه على وسادة خالية.

30 December 2015

صداقة في الهواء الطلق

صداقة في الهواء الطلق

يمتزج صوت تساقط أوراق الليمون الجافة –من الشجرة التي تبعد عني ثلاثة أمتار فحسب- بصوت زقزقة عصافير على مبعدة عدة أمتار، متخذة من النخيل الشامخات مَواطنَ آمنةً لها. ومن البعيد يأتي متقطعا صوتُ آلة حفر مزعجة (لكن لي من العزيمة ما يجعلني قادرا على تجاهلها). أما أصوات السيارات فـ بالكاد تهتم لها أذني. إن ما يأخذني حقا هو نسمات الهواء العليل حولي، فأنا أكتب لأول مرة في حياتي في الهواء الطلق.



في الهواء الطلق سأتحدث عنكِ أيتها الصداقة. سأناجيكَ أيها الشعور بالتناغم مع كل شيء حولي. في هواء المحبة النقي أقدم نفسي قربانا لمتعة الروح ونعيم الجسد المتخفف من الأثقال. أنا أجلس في زاوية منزلي التي يسمونها في أوراق البلدية "ارتدادات"، حيث لا يتردد عليّ هنا إلا كل شيء جميل. يروح النسيم ويجئ، وتتمايل وريقات الشجيرات المزروعة في الأحواض (إذ لا مجال لغرسها في التربة لضيق المساحة). أما أصوات الطيور بشتى أنواعها فهي تتراقصُ معلنة تكوين العلاقات والدعوة لتأسيس الشراكات. إنها روح الصداقة تهفهف من حولي. ربما أشعر بحاجتي لصديق يجلس معي على هذه الكنبة، لنفتح صدورنا لبعضنا ونتشارك أقداح الشاي ذي الرائحة العطرية—الشاي الذي لا يحلو إلا مع الأصدقاء. ربما أحتاج لصديق الآن، ولكن لا بأس إن لم يكن أحدهم متواجدا حولي هذه اللحظة (فليس الجميع في إجازة سنوية مثلي)، ولكن ذلك لا يهم، فإن غاب الصديق فالصداقة حاضرة. إنها حاضرة بقوة الآن بكل دفئها وبهجتها وحميميتها ونجومها اللامعة.

أكتب لأول مرة في الهواء الطلق، بعد أن تم كل ما كتبته من قبل في حياتي في غرف مغلقة: حجرات منزلية، مقاهٍ و حانات، ومكاتب عمل. هذه المرة أكتشف لذة الكتابة في الهواء الطلق. لا شيء أجمل من هذا الجو ليتنفس فيه المرء هواءً عليلا؛ لا باردا ولا حارا. لا شيء أجمل من حديقة منزل صغيرة حتى يشعر المرء أنه في مملكة يحسده عليها الآخرون. لماذا تأخرتْ ستة أعوام كاملة مسألةُ جلبِ كنبةٍ مريحة وطاولة صغيرة أضعهما في ناحية البيت لأجلس وأستمتع بالحياة من حولي؟ لماذا ضاعت خمسة فصول شتاء ومثلها من فصول الربيع القصير قبل أن يَهديني عقلي لفكرة أنّ حياتي ممكن أن تصبح أحسن بكثير بمجرد الجلوس ساعتين نهارا في حوش البيت الظليل؟ لاشك أني انتبهت لأهمية هذا الأمر الآن فحسب لأنني الآن فحسب قد قررت أن أعيش حياتي بمتعة كاملة. أريد لسنواتي القادمة أكبرَ رصيدٍ من المتعة والمحبة. أريد أن أستمتع بصداقاتي وأحاديثي ومشروباتي وأطعمتي وعلاقاتي (ما ظهر منها وما بطن). أريد للمحبة والرغبة في الحياة أن تكون قرونَ استشعاري لمناطقَ الجمال في كل شيء. فيكِ أيتها الضحكة سأبث بذور انتشائي، ويا أيتها النكتة فلتظلل غيومُ بهجتك كل رفاقي ومعارفي. ويا أيها الحضن فلتتشرب كلَّ ألمٍ أو لحظةِ حزنٍ وتأخذها بعيدا عن نفوسنا. فلتمتص في جنتك –أيها الحضن- أيةَ شوكةِ سوءِ تفاهمٍ نبتت بالخطأ في الدرب الوارف بالتفهم وحسن النية. ويا أيتها اليد الحانية فلتتشابك أصابعك بأصابعي لنؤكد أننا معا أكثر صلابة ضد صعوبات الحياة. ويا أيتها القُبلة لا تخجلي من نفسك، فأنت قِبلة المُريد لصفاء الروح ونعيم الولع. ويا أيها الكِتاب فلتفتح صفحاتك للمعرفة والتجارب المثمرة، ولتغرقي نفوسنا يا قصائدُ و روايات بخفقات من النور تجعل قلوبَنا تنبض من جديد.

عنكِ أيتها الصداقة أتحدث في الهواء الطلق، حيث كلي رغبة في التسامح. كلي رغبة للتصالح مع الكون كله. أريد أن أتصالح مع جسدي فأرمم ما أفسده تجاهل الماضي له فباء بآلام الأسنان وأمراض العصر. أريد أن أحبكَ أيها الجسد لتحملني بخفة إلى القادم السعيد من أيامي. أريد ألا أحصر متعتي فيكَ أنتَ وحدكَ يا مائي المقطّر بعناية، فليكن الشاي العطري –مثلا- زهرة جديدة في باقة اللذة. فليكن المقهى في الهواء الطلق—وليس بالضرورة الحانة الغالية المفتوحة على بركة السباحة. فليكن الفرح في كل شيء، وليتمرءى بكل الأشكال: في المزيد من ضحكات طفلتي وهي تقول لي : "بابا انته تضحكني". فليكن فيكِ وأنتِ تكتبين لي –مشاكِسةً- "فديتك"، وأنا أجيبك: "لا تكرري ذلك غاليتي فما أسرعني في التصديق". فليكن في عصفورٍ حط على النافذة و فرّ قبل أن ألحق بتصويره. فليكن، الفرحُ، في أغنية صغيرة ترسلها لي بصوتها صديقة من البعيد لتشاركنا جلسة طرب لم تتمكن من حضورها. فلتجئ، يا أنتَ أيها النور السامي، على هيئة أيقونةِ قلبٍ خافق يبعثها لك -بإحدى برامج التواصل الاجتماعي- إنسانٌ يفتقدك من مكان ما في هذا العالم. فلتكن حتى فتاةً تحب تدخين الشيشة أجالسها وهي تنفخ دخانها في وجهي لأنها تحب القيام بذلك للمرح. سأجد في هذا لذة بلا ريب. سأجد لذة حتى في بكائكِ عندما يكون صدري هو المكان الوحيد الذي اخترتيه من بين كل صدور الرجال في الكون لتدفني فيه أوجاعك وترميها إلى يوم يبعثون. في الهواء الطلق سأتنفس كل هذا، وسأكتب عنه -عائدا للكتابة- بقلب يمد يديه للعالم للعناق. "سأسمي الذي ليس شَعبيْ.. شَعبي"، وسأخطو بروح مهفهفة إلى حضنكِ النبيلِ الحميم، أيتها الصداقة؛ يا كنزَ الحياة الأثمن.



07 October 2015

سأعيش كما أشتهي

سأعيش كما أشتهي



يا حراسَ النوايا.
سأعيش كما اشتهي.
كما أشتهي أنا فحسب. ولن أعبأ بكم.

سأقول لحبيبتي أنها الأجمل دوما، حتى ولو فرقنا الزمن وغيّرت الشيخوخة ملامحنا.
سأقول لكل انثى نبيلة أنتِ حبيبتي. من الباطنة كنتِ أم من عبري الواعدة. من الفيسبوك ام سنابتشات ام من حلّة الشمامير. أنتِ حبيبتي لأنك رائعة.
وللتي طلبتْ مني ان اشتري سوتياناتها على ذوقي.. سأفعل بكل سخاء قلب.
وللعذراء سأهب آخر نَفَس في حياتي، حتى تظل عذراء وهي معي. وإنْ حاول غولٌ انتهاك عذريتها، فليعلم أن حمم الجحيم ستُصَبُّ على رأسه.
لذات الصدر الكبير أعتذر: لا استطيع سوى أن أحبها.
لذات الصدر الصغير أعتذر، ليس بوسع صدري الكبير سوى أن يحتويها. أعليّ أن أعتذر بسبب هذا؟!
للعذراء أعتذر. للمتزوجة أعتذر. للمطلقة أعتذر. للأرملة أعتذر. أعتذر لأنني لا أملك سوى أن أحبكِ، حتى ولو لم يكن الوقت مناسبا للحب.
لحليقة العانة أعتذر. للحائض أعتذر. لذات الشعرتين البريّتين حول الحلمة أعتذر. للتي ترهّل بطنها أعتذر. للتي استدارت مؤخرتها -كرغيف عربي ساخن- أعتذر. للعشرينية اعتذر. للثلاثينية والاربعينية اعتذر. للخبيرة و المبتدئة أعتذر. أعتذر أنني لن أفي بوعدي.. لن استطيع سوى أن أحبكن جميعا.
"خايف أوعدك ما أوفيش
أقولك فيه.. تلاقي مافيش"
سأعيش كما أشتهي. ولا شهوة لي إلا ان أعيش لأنكن موجودات في حياتي. لذا.. انا احبكن جميعا.

سأعيش حرا كما اشتهي.. لأن حياتي هي ما تهِبُهُ حيواتكن لي.
أنا لستُ سوى فيض أنفاسكن الحرة. لذا سأعيش حرا.. حرا، كما أشتهي.

16 September 2015

بلا عنوان

لم يتذكرني أحدٌ طوال الليل
ولو حتى برسالة واتساب!
بينما كان قلبي يوزع الأحلامَ السعيدة
على النائمات الآمنات في أسرتهن الدافئة.

لن يعرفن في الصباح
أن تنهيدتهن الحالمة -وهن ينقلبن بهدوء أثناء النوم-
سببُها قلبي الخافق تحت وسادتهن.

ليس ضروريا أن يعلمن شيئا عني
المهم أن ينمن هانئات مطمئنات.

حينها.. ليس ضروريا أن يتذكرني أحدٌ
ولو حتى برسالة واتساب!


31 August 2015

لا ترتدي الكورسيه. أرجوكِ!

لا ترتدي الكورسيه. أرجوكِ!





لستُ على استعدادٍ للحبِّ.
لستُ على استعداد لأحبَّ الآنَ، فأنا محبوبٌ –سلفا- من قِبَلِ ثلاثِ يماماتٍ.
وأنا مهووسٌ بيماماتي. يمامةِ حزني، يمامةِ حضني، يمامةِ شطآني.

لماذا الحبُّ يداهمني الآن—وأنا أخطو نحوَ الذاكرةِ المفقودةِ؟ أذهبُ للفقدانِ، الأحزانِ، النسيانِ، الحرمانِ، الضعفِ الجنسيِّ، الفنتازيا. أذهبُ للكهف كما شِعْرٍ يكتبه سماءُ العيسى! أذهب للشعر—كـ "هسهسةٍ تخرجُ من تابوتٍ". أذهب للكهف الأنبلَ، إذ لا شيء هناكَ سوى توقيعِ يديَّ على الجدرانْ! لا شيءَ هناك من الزخرفِ. وليس هناك سوى ظلي منعكسا في الجدرانِ. ليس هناك سوى خوفي يرقبُ أطيافا تتماوجُ حولي. يمامةُ حزني، يمامةُ حضني، يمامةُ شطآني. ثلاثُ يماماتٍ تمرحُ في جدران الكهفِ، ولا شيء لديّ سوى توقيع يديّ على الجدران!

لستُ على استعدادٍ للحبِّ. كل حبيباتي في قلبيْ –الأكثرُ موتا منهنّ، والأحياء-.
الأكثرُ إيغالا في الذكرى، هنّ الأبقى، فأنا أيضا شبحٌ مخفيٌّ إلا في (وجهِ كتابٍ). وجهٌ أتمرأى فيه أصيلا، بعذاباتي، ونداءاتي، والحزنِ الطافحِ في عينيْ. إني مرهونٌ للماضي، هل يخرجني من تابوتي (وجهُ كتابْ)؟
إني مخفورٌ بنهودٍ تحرسني حتى السجنِ. بنهودٍ أتهجّاها طفلا لن يُفطمَ يوما. بنهودٍ تسجنني في (وجهِ كتابٍ) لا أقرأه. كتابٍ ينقصه الحرفُ كما ينقصه التلوينُ. فأنا أيضا شبحٌ مخفيٌّ تحرسه نهودٌ لا أقطفها. تَصْنَعُهُ دموعٌ أقطفها وأحنّطها بالشمعِ وبالغفران. محروسٌ بنهودٍ تصبحُ دمعي، فأنا لا أعشق إلا الدمعَ. لا أعشق إلا المحزوناتِ –كحالي-. لا أعشق إلا المكسورات كقلبي. المجروحاتِ كفشلي في أنْ أصبحَ فنانا. لا أعشقُ إلا من يتقيأن بدربي وأنا آخذهن لبيوت أهاليهنّ تلايا الليلِ. لا أعشقُ إلا من يحببن رجالا فاقوهن العمرَ بجيلٍ أو أكثر. لا أفتحُ قلبي إلا ليتيمةْ. لا أعرف إلا عذراواتٍ آثرن تجاهلَ زملاءِ الدرسِ—واخترنَ رجالا بدأ الشيبُ يخطُّ مآقيهم. لستُ على استعداد للحب سوى ما يوقظ عصفورا أخضرَ في القلبِ. لثلاث يماماتٍ أشهد أني منثورٌ –كغبار النجمِ- بين حناياهنّ، ثناياهنّ، وحولَ خطوطٍ تتماوجُ بين الزرقةِ والخضرةِ بكتابِ الثدي. أهو الثدي الأيمن يأسرني أكثرَ أم ما تحتَ الحلمةِ؟ لن أذهبَ في القولِ بعيدا يا مِقْصَلتي، فأنا لا أعشقٌ إلا الدمعَ. لا أعشق إلا المحزوناتِ –كحالي-. لا أعشق إلا المكسورات كقلبي. لا أعشق غيرَ ثلاثِ يماماتٍ مكلوماتٍ، وأنا العشُّ الأكثر حزنا. يمامٍ يتهادينَ على جدرانِ الكهفِ الأنبلِ، إذ لا شيء هناك سوى توقيعُ يديّ على الجدرانْ! 

لستُ على استعدادٍ للحبِّ.
فأنا مهووسٌ بيماماتي. يمامةِ حزني، يمامةِ حضني، يمامةِ شطآني.

16 November 2014

من وحي يدٍ محروقة




من وحي يدٍ محروقة





شيءٌ مثل الحرقان يلتهب على ذراعِيْ..
يدُك المحروقةُ قد لسعتني بالنار.
هي ذي اللسعةُ تمتد على كامل جسمي.. النار على ذراعيّ. وجنتيّ. صدري. بين فخذيّ..
هأنذا أشم شعري الزغبيّ يحترق.. وثعباني يبحث عن ملجأ لا تصل إليه النيران.
هئنذا ألعق ساعدك.. أنا قطك الأليف جدا. مُصَمَّمٌ لألعق جراح حروقك ورضوض سقطاتك الصغيرة..
ومصمم أيضا ﻷخدشك بشدة حيثما لا تتوقعين.
أنا القط الذي (ينبح) عندما تريدين منه المواء،
ويعض عندما يتوجب عليه التقبيل.
أنا القط الباحث عن النَمِرَة التي بداخلك.. لتردي لي صاع النشوة صاعين.
كل قبلة تعيدينها لي بِعَضّة على إحدى حلمتيّ.
كل لعقة على ذراعك المحروق تقذفيني بعدها بحمم من نهديك تحرق خديّ.
اجعلي الحرقة تتقد على جسدي بكامله،
فأنا منذ أبصرت الحرق على يدك البضة
لا حلم لي سوى أن تسلخي جلدي كله بمكواة أحرُّ من الجحيم.
احرقيني بجحيمك أيتها البركانة الجامحة.. لنصعد سراعا إلى سماء التأوهات.

31 October 2014

وجهي القبيح

وجهي القبيح




بمناسبة الهالوين..
سأريكِ الليلة يا حبيبتي وجهي القبيح!
أعلم أنك كنتِ تتطلعين لهذا في الخفاء في عتمات روحكِ.
أمّا أنا..
فلطالما أردتُ أن أحز عنقك بطرف لساني
وحين يتضرج بالدم..
أحشره في خزان دمكِ الحرام.. الخزان الذي طالما عذبتيني بالحرمان منه.
أنا الدراكولا خاصتك هذه الليلة.
شفاهي دماء. عروقي دماء. ولا شيء في رأسي إلا الرغبة.
سأخمشكِ بأظافري.. أسوأ من قطٍ نذل، كان خطأُ أُمّهِ أنها لم تلتهمه وهو حديث الولادة!
سأخضّب الغرفة بعَرَقي.. والسماء ستمطر حمضا يذيب الأجساد.
وسأحول نهديكِ إلى نوتيللا.. ذائبةً ألَغْوِصُهَا بأصابعي العشر.
حتى عانتكِ قد أنتفُها وأتعمدُ أنْ آلمكِ، إذا لم تؤلِمِي عانتي بما يكفي.
أنا الشر الليلة.
أنا الجوع. أنا اللزوجةُ انقذفتْ على عينينكِ الصابئتين. أنا مسمارُ الرحمةِ في نعشِ الجسدِ الظامئ.
أنا من سيدغدغ باطنَ قدميكِ باللعق حتى تحتارين هل تركليني أم تعصريني.
أنا صليبٌ ﻷلفِ مسيحٍ يبحثُ عن الخطيئة.
أنا مُستَقَرُّ الحليبِ المتقاطر، المعصورِ عنوة.
أنا حيثُ تستريحُ تأوهاتكِ الوحشية.. وحيث ينبتُ العشبُ الطالما اشتاقَ للمطر.
انعصدي الليلةَ كمن تتشهى دورَ المغتَصَبة.
أنا الغاصبُ فلتتشقق الشمسُ من صرخاتنا البرية.. وتسقطَ على الأرض ساعةُ الحائطِ--مفككة الأزرار.
الليلة يا حبيبتي سأريك وجهي القبيح.. الطالما اشتقتي إليه.
الليلة أنتِ الملاكُ الذي سيقتلني بدم بارد، بكل حرارةِ الكونِ التي أحبها فيك.