16 September 2015

بلا عنوان

لم يتذكرني أحدٌ طوال الليل
ولو حتى برسالة واتساب!
بينما كان قلبي يوزع الأحلامَ السعيدة
على النائمات الآمنات في أسرتهن الدافئة.

لن يعرفن في الصباح
أن تنهيدتهن الحالمة -وهن ينقلبن بهدوء أثناء النوم-
سببُها قلبي الخافق تحت وسادتهن.

ليس ضروريا أن يعلمن شيئا عني
المهم أن ينمن هانئات مطمئنات.

حينها.. ليس ضروريا أن يتذكرني أحدٌ
ولو حتى برسالة واتساب!


31 August 2015

لا ترتدي الكورسيه. أرجوكِ!

لا ترتدي الكورسيه. أرجوكِ!





لستُ على استعدادٍ للحبِّ.
لستُ على استعداد لأحبَّ الآنَ، فأنا محبوبٌ –سلفا- من قِبَلِ ثلاثِ يماماتٍ.
وأنا مهووسٌ بيماماتي. يمامةِ حزني، يمامةِ حضني، يمامةِ شطآني.

لماذا الحبُّ يداهمني الآن—وأنا أخطو نحوَ الذاكرةِ المفقودةِ؟ أذهبُ للفقدانِ، الأحزانِ، النسيانِ، الحرمانِ، الضعفِ الجنسيِّ، الفنتازيا. أذهبُ للكهف كما شِعْرٍ يكتبه سماءُ العيسى! أذهب للشعر—كـ "هسهسةٍ تخرجُ من تابوتٍ". أذهب للكهف الأنبلَ، إذ لا شيء هناكَ سوى توقيعِ يديَّ على الجدرانْ! لا شيءَ هناك من الزخرفِ. وليس هناك سوى ظلي منعكسا في الجدرانِ. ليس هناك سوى خوفي يرقبُ أطيافا تتماوجُ حولي. يمامةُ حزني، يمامةُ حضني، يمامةُ شطآني. ثلاثُ يماماتٍ تمرحُ في جدران الكهفِ، ولا شيء لديّ سوى توقيع يديّ على الجدران!

لستُ على استعدادٍ للحبِّ. كل حبيباتي في قلبيْ –الأكثرُ موتا منهنّ، والأحياء-.
الأكثرُ إيغالا في الذكرى، هنّ الأبقى، فأنا أيضا شبحٌ مخفيٌّ إلا في (وجهِ كتابٍ). وجهٌ أتمرأى فيه أصيلا، بعذاباتي، ونداءاتي، والحزنِ الطافحِ في عينيْ. إني مرهونٌ للماضي، هل يخرجني من تابوتي (وجهُ كتابْ)؟
إني مخفورٌ بنهودٍ تحرسني حتى السجنِ. بنهودٍ أتهجّاها طفلا لن يُفطمَ يوما. بنهودٍ تسجنني في (وجهِ كتابٍ) لا أقرأه. كتابٍ ينقصه الحرفُ كما ينقصه التلوينُ. فأنا أيضا شبحٌ مخفيٌّ تحرسه نهودٌ لا أقطفها. تَصْنَعُهُ دموعٌ أقطفها وأحنّطها بالشمعِ وبالغفران. محروسٌ بنهودٍ تصبحُ دمعي، فأنا لا أعشق إلا الدمعَ. لا أعشق إلا المحزوناتِ –كحالي-. لا أعشق إلا المكسورات كقلبي. المجروحاتِ كفشلي في أنْ أصبحَ فنانا. لا أعشقُ إلا من يتقيأن بدربي وأنا آخذهن لبيوت أهاليهنّ تلايا الليلِ. لا أعشقُ إلا من يحببن رجالا فاقوهن العمرَ بجيلٍ أو أكثر. لا أفتحُ قلبي إلا ليتيمةْ. لا أعرف إلا عذراواتٍ آثرن تجاهلَ زملاءِ الدرسِ—واخترنَ رجالا بدأ الشيبُ يخطُّ مآقيهم. لستُ على استعداد للحب سوى ما يوقظ عصفورا أخضرَ في القلبِ. لثلاث يماماتٍ أشهد أني منثورٌ –كغبار النجمِ- بين حناياهنّ، ثناياهنّ، وحولَ خطوطٍ تتماوجُ بين الزرقةِ والخضرةِ بكتابِ الثدي. أهو الثدي الأيمن يأسرني أكثرَ أم ما تحتَ الحلمةِ؟ لن أذهبَ في القولِ بعيدا يا مِقْصَلتي، فأنا لا أعشقٌ إلا الدمعَ. لا أعشق إلا المحزوناتِ –كحالي-. لا أعشق إلا المكسورات كقلبي. لا أعشق غيرَ ثلاثِ يماماتٍ مكلوماتٍ، وأنا العشُّ الأكثر حزنا. يمامٍ يتهادينَ على جدرانِ الكهفِ الأنبلِ، إذ لا شيء هناك سوى توقيعُ يديّ على الجدرانْ! 

لستُ على استعدادٍ للحبِّ.
فأنا مهووسٌ بيماماتي. يمامةِ حزني، يمامةِ حضني، يمامةِ شطآني.

26 August 2015

لماذا لم يعجبني جهاز الآيفون؟

لماذا لم يعجبني جهاز الآيفون؟


قد يتصور البعض أنني تخلصت من الآيفون6 لأنني لم أعرف كيفية استخدامه. ليس الأمر كذلك، فأنا أزعم أني سريع وجيد في استخدام مثل هذه الوسائل والتطبيقات. حسنا، تراجعتُ عن الجهاز لأنه ليس الجهاز الأمثل لذائقتي واحتياجاتي. إنه جهازٌ لمُستخدِمٍ آخر، وليس لي.

سأقول أولا أنني اشتريتُ الجهاز بسرعة نفورا مني من بعض مشاكل التحديث الجديد في نظام أندرويد (المسمى لولي بوب)، فقررت عدم شراء جهاز يعمل بنظام أندرويد لفترة، حتى تنزل أجهزة بنظام (أنرويد أم، أو يحلوا مشاكل اللولي بوب). بترك نظام أندرويد ورائي، يتبقى لي فقط نظام آي أو أس (الآيفون)، وأجهزة الويندوز فون، ومعروف أن أجهزة الويندوز فون الجديدة المنتظرة لم تنزل بعد للأسواق. لذا كان الحل السريع هو شراء الآيفون.

هنا سأقول ما أعجبني وما لم يعجبني في الآيفون من تجربة 4 أيام فقط، لعل في هذا معلومة تهم أحدا.. وفي الحقيقة فقد طلب مني صديق أن أكتب تجربتي عن الآيفون في الفيسبوك.

أحببت في الآيفون 3 أشياء بقوة:
1 الأمان، متجسدا ذلك في عدم سماحه بتنزيل اي برامج مشبوهة. ويتجسد أيضا في البصمة.
لن يرقى جهاز لمستوى الأمان الشخصي الذي يقدمه الآيفون (رغم اختراق سحابته من قبل هاكرز)
 المُساعد الشخصي سيري وخدماتها الجليلة
3 نقاء الشاشة حتى في الاضاءة القوية. فعند تشغيل فيديو في الشمس يكون بنقاء تشغيله داخل الغرفة.

كرهت في الآيفون ما يلي:
1  لا توجد الـ (واو) التي يتحدث عنها الجميع. لا شيء مدهش جدا أو يستحق كل ذلك الضجيج. لا شيء يبرر طوابير الذين يسهرون أمام المتجر 48 ساعة ليكونوا أول من يشتريه عند نزول نسخة جديدة منه. إنه نجاح تسويقي لا أكثر.
كل تطبيقات الآيفون متاحة في بقية الأجهزة. وثمة هواتف تفوقت كاميراتها عليه، كما تفوقت بعض الخدمات التي تقدمها. صحيح أن هذا الجهاز هو الرائد في ابتكار معظم التطبيقات التي تتبعه فيها الأجهزة الأخرى، ولكن هذا لا يعنيني كمستخدم في شيء طالما تُوفر الأجهزة الأخرى نفس خدماته (وبسعر أقل).
إن سقوط أكذوبة الـ "واو" هو أكبر أمر صادم بالنسبة لي. فلنقل أن رفض الآيفون هو مسألة أخلاقية بالنسبة لي في المقام الأول. إذن ببساطة، لماذا هو الأغلى؟ مجددا، إنه نجاح التسويق لا أكثر.
 2  كرهت عدم إمكانية نقل محادثات الواتساب القديمة إليه. فهي أثمن عندي من أنْ اخسرها. حاولت بكل الطرق. اشتريت برنامجا بـ 12 ريال يزعم أنه يستطيع نقل محادثات الواتساب من أندرويد لآيفون. فشل البرنامج في أداء عمله ولم يتعرف على الآيفون عند توصيله به!
إن الاحتفاظ بأرشيف محادثاتي هو أهم لي من أية ميزة كانت يستطيع الآيفون توفيرها، حتى لو كانت البصمة أو سيري.
 3  بم أُحْبِب طريقة اتصاله بالحاسوب لتبادل الملفات. أفضّل طريقة الأندرويد التي تعامل الهاتف كانه (درايفر) أضيف وأعدل فيه. أعرف أن طريقة الآيفون في النقل منه وإليه أكثر أمانا، لكنها أكثر تعقيدا. وشخصيا أنا شخص حذر بما يكفي في تعاملي مع نظام أندرويد، لذا لا أحتاج كل هذا الحرص الذي يقترب من الحجر علي في تبادل ملفاتي بين الحاسوب والهاتف.
4 آيفون6 كان صغيرا على يدي. لربما او كنتُ اشتريت آيفون6 بلص (الأكبر) لكان الأمر أقل في المعاناة.

والآن؟
لن اشتري أي جهاز حاليا. وسأنتظر طويلا الخيار القادم.
لقد عملت فورمات للنوت 3 وسأواصل معه حتى إشعار آخر.
واصبر على مجنونك لا يجيك الأجن منه.

09 April 2015

صفحة غير مطوية من ذكريات الطفولة

صفحة غير مطوية من ذكريات الطفولة



إلى أطفال زهران القاسمي (هنيئا لكم قريتكم الجميلة)

ليست لدي ذكريات سعيدة تعود لفترة طفولتي، ولكني أثق أن طفولتي كانت (سعيدة) كأي طفل آخر عاش في زماني ومكاني. سر سعادتنا كأطفال هو في براءتنا، وهي كلمة ملطفة لمفهومَيّ الغفلة والجهل. نعم، فما يجعلنا أبرياء هو أننا نغفل ما يدور حولنا. أننا جاهلون به. جاهلون بمعاناة آبائنا لتوفير لقمة عيشنا. غافلون عن المعارك الدائرة في المجتمع حول المصالح والمنافع المختلفة. ومع هذه (البراءة) فلا تحمل ذاكرتي لحظات سعيدة، لا لأنني لم أعشها، ولكن لأننا لا ندرك أننا سعداء إلا بعد أن تنقضي اللحظة التي كنا نحس فيها بالإشباع والرضى. ربما كانت الطفولة أبعد من أن تستطيع ذاكرتي الواهنة استعادتها، فلا أتذكر إلا شذرات قليلة. على أية حال فإن لدي ذكريات سيئة من فترة مراهقتي، كون المراهقة هي فترة عنف عاطفي/وجداني وصدام مع المجتمع المحيط. لا أريد أن أتذكر فترات سيئة، وكم أتمنى لو أنّ ذاكرتي تسعفني بتذكر شيء سعيد من طفولتي. ورغم فقد الذاكرة هذا، فقد استيقظت اليوم بحلم ملئ بالحنين إلى الطفولة.

رأيت فيما يرى النائم منطقة مليئة بضواحي النخيل المقسمة لملّاك مختلفين. المنطقة تقع خلف بيت طفولتي بمزرعة واحدة. تقود إلى تقاطع الضواحي هذا سكة ضيقة هي بالأصل ساقية الفلج، وعند تقاطع المزارع توجد "تحويلة" يتم عندها تحويل مجرى الفلج إلى هذه المزرعة أو تلك. في تلك الناحية يوجد بيت طيني كان يبدو لنا مريبا، تسكنه عجوز مخيفة (رغم أن أمي مازالت تذكر هذه المرأة بكل خير وتترحم عليها وعلى طيبتها، إلا أنها كانت تخيفنا نحن الأطفال). لا يحدث في الحلم الذي رأيته شيء سوى أنه يعيدني لتلك المنطقة. أنا متأكد أن لها اسما لكني ما عدتُ أذكره، فكل عشرة أمتار وكل مزرعة كان لها اسم في كل مكان بأرض عمان وفي جميع ولايات عمان الداخل. في الحلم كنتُ شخصا بالغا يتلصص على ذلك المكان، السكك الصغيرة جدا المحاذية لسواقي الفلج، والفلج ذاته. كنت مثل الدكتور إيزاك في فيلم (الفراولات البرية) لبيرجمان: عجوز يرى طفولته ويرى نفسه صغيرا يلعب مع أقرانه. في الحلم، كان الحنين يعتصرني، وقد استيقظت متخيلا نفسي أكتب مقالة عن هذا الحنين، لكنني سرعان ما عدت للنوم! الآن، أحاول استعادة ذلك الحلم لأفهم معنى الحنين الذي كان يعبق به.

لا أجد شيئا محددا أحن إليه الآن. لا أتذكر حادثة سعيدة محددة. بل على العكس، أتذكر أشياء غير إيجابية في ذلك المكان. أتذكر أننا نسبح في الفلج غافلين لاهين ثم نتفاجأ بعصى رجل بغيض تلشطنا على ظهورنا لأننا "نِسْبَح سبّوحة القرّة" (نسبح كالضفدعة)! كان شخصا بغيضا لن أغفر له. مجرد عجوز من الحارة لا يحب سباحة الأطفال ويعطي نفسه حق ضرب أي واحد منهم بعصاه. من كنتَ أيها البائس حتى يسمح لك الأهالي بذلك؛ أن "تؤدب" أطفالهم نيابة عنهم؟! أتذكر في ذاك الفلج العقارب المندسة بين "الخلاقين" التي كانوا يحشون بها أطراف "اللجالة" لسد مجرى الفلج وتحويله لوجهة أخرى. أتذكر العجوز المخيفة والبيت الطيني الذي يوحي أن الجن تستوطنه.

ثمة شيء آخر كان يحدث في ذلك المكان؛ ملتقى المَزارع المملوك كل منها لفرد مختلف. إنها طقوس كشف الضر (نسيت اسم الطقس بالعامية). طقس تذويب معدن (لعله الألمنيوم أو القصدير) بالنار الساخنة جدا ثم سكب المعدان المذاب في إناء به ماء. وهنا كنا نغنى لحظة سكب المعدن المذاب في الماء حتى يتشكل المصهور على صورةٍ ما: "يا صويرة تصوّري. كان حمامة تصوري. كان فراشة تصوّري.. كان (ما أعرف من) تصوّري.الخ".. كان البصّار (وهو بالنسبة لي حاليا ليس سوى محتال بائس آخر تماما كالعجوز صاحب الخيزرانة)، كان ينظر لقطعة المعدن الذائبة ليرى بأي شكل تصورت، فيقول مثلا "سنورة" أو "كلب"، وهذا يعني أن الضر الذي أصاب الشخص المريض ناتج عن ذلك الحيوان. أو ربما عن جني تهيأ بشاكلة ذلك الحيوان، وكل حيوان وله علاجه وقرابينه. كنت كطفل مدعو دوما للمشاركة في طقس كشف الضر، لأنني توأم (كان لي أخ توأم توفي وعمره سنة واحدة). كنت مطلوبا لأن التوأم (مبارك). كنت مطلوبا أيضا لعلاج عيون المصابين بالرمد. حيث أبول (بوصفي طفلا مباركا) في فنجان، ثم يتم قطر عين المريض ببولي المقدس!

ذكرى وحيدة غير سيئة تربطني بملتقى المزارع هذا ذي العقارب في وسط فلجه والمحفوف بالعجوز الشريرة. شجرتا مانجو كانت تتساقط ثمارهما عندما تنضج. كنت أحب المرور بذاك الطريق وأسعى أن أكون أول المارين علّي أحصل على ثمرة مانجو غير خربانة وليس فيها دود قد سقطت ولم يسبقني إليها أحد. كان هذا نادرا ما يحدث، فما أجده غالبا هو ثمار فاسدة. إذا كانت هذه أسعد ذكرياتي في هذا المكان، فلماذا يعود إليّ في الحلم بوصفه مكانا أحن إليه؟ حسنا، في حقيقة الأمر فإن لدي رغبة أن أسير في هذا المكان مرة أخرى ولو لمرة واحدة في حياتي. لم يعد أهلي يسكنون ذات المنطقة. بيتنا القديم لايزال قائما لكنه آيل للسقوط، وقد يقع في أية لحظة على رؤوس الباكستانيين الذين يستأجرونه حاليا بثلاثين ريالا عمانيا لا غير! الجيران مددوا بيوتهم وسوّروا مزارعهم. ولا أظن ساقية الفلج ما تزال موجودة، ولا اعلم هل مازال الفلج يجري أم قد أصابه المحل. أذهب إلى قريتي مرة كل شهرين ونصف في المتوسط، لليلتين لا ثالث لهما. وأنا أقود للبلدة أقول لنفسي: "هذه المرة سأفعلها.. سأذهب عند البيت الطيني، وسأمشي في نفس الطريق لمرة أخيرة لأرى كيف أصبح". لكني في كل زيارة للبلدة لا أغادر بيت عائلتي الجديد الذي يقع بعيدا عن تلك المزرعة ذات البيت الطيني الذي تسكنه عجوز يخافها الأطفال لكن أمي ما زالت تدعو لها بالرحمة والغفران.

لا أتذكر أحداثا سعيدة في ذلك المكان، ولا أتذكر حدثا سيئا لافتا للنظر. فحتى ضرب العجوز لنا بخيزرانته عندما نسبح في الفلج لا يترك لدي ذكرى مؤلمة (ورغم أني لن أسامحه على فعلته كموقف عقليّ مني بوصفي شخصا بالغا ناضجا، فإني أيضا لا أحمل حقدا طفوليا نحوه). لا ذكريات حزينة ولا سعيدة. ومع ذلك فرغبتي قائمة لأسير في ذلك المكان ولو لمرة واحدة أخيرة. أخاف القيام بالخطوة لأني شبه متأكد أن المكان كله لم يعد موجودا. لابد أن معظم النخيل قد مات. ولعل الفلج قد اندثر بكل عقاربه. والبيت الطيني قد تمت إزالته. ولم تعد المزارع متداخلة وفيها سكك ترابية ضيقة يتنقل عبرها الناس بين أجزاء الحلّة، إذ لابد أن المزارع قد تم تسويرها بجدران الاسمنت التي ألغت الوصال بين الأهالي. ألهذا إذن أيها المكان –الذي أمني النفس بزيارته في كل مرة أذهب فيها لولايتي وفي كل مرة أحجم عن فعل ذلك- ألهذا إذن تزورني أنت في منامي كحلم يضوع حنينا وحسرة؟

17 February 2015

حياة مملة

"أنا متمللة.. ساعدني"

إلى (ملكة الثلج).. أول خيوط الوصل



-مرحبا. مشغول؟
-لأ.. تفضلي
نصف دقيقة صمت.. ثم تابعتْ: ملل.
ثم نصف دقيقة صمت حتى سألتُها: اليوم ولا كل يوم؟
-كل يوم تقريبا.
كانت هذه البداية الحقيقية لأول حوار أجريه بماسنجر الفيسبوك مع شابة عمانية لا أعرفها. شابة ضمن قائمة أصدقائي بالفيسبوك تكتب باسم مستعار. لم يكن هذا منذ زمن طويل، فرغم أنني في الفيسبوك منذ عام 2008 إلا أن عدد أصدقائي هو 87 شخصا فقط، ولم أجرِ حوارا مع أحد لا أعرفه حتى حدوث ذلك الحوار الذي تسبب به وجود فتاة ملولة، فتاة رغبتْ بالتواصل معي بدافع الملل، فكانت أولَ شخصٍ لا أعرفه شخصيا يتواصل معي عبر ماسنجر الفيسبوك. ما حكايتُكَ أيها الملل؟ ولماذا الكل يشكو منك؟ مهلا.. هل هو الكل فعلا، أم البعض؟ وهل هناك فئة عمرية معينة هي الأكثر ضجرا؟

بالنسبة للكثيرين، ما الحياة إلا رحلةُ تجزيرٍ للوقت. قتلٌ له بالمسليات والمُلهيات. ليس بوسع الكائن البشري أن يكون دائما قبطانُ وقتِهِ، بمعنى أن يكون المسيطر والمتحكم دائما في يومه وساعاته. ثمة بشر لم يحددوا هدفا معينا لحياتهم يسعون وراءه، هؤلاء هم الغالبية العظمى من الناس في كل الثقافات. كل صراعهم مع الحياة هو صراع مع كيفية تمرير الوقت والحصول على بعض المرح والتسلية. هل هؤلاء سعداء أم ملولون؟ وهل السعادة هي عدم الشعور بالملل؟ لنرجئ قليلا التفكير في هؤلاء لنتساءل بشأن تلك القلة من الناس الذين حددوا هدفا صارما لحياتهم، سواء كهدف مرحلي مؤقت أو كهدف عام دائم. هل هؤلاء أقل وقوعا في شِراك الملل؟ مثلا الطالب الجامعي الذي يقرر التفوق ويضعا هدفا رئيسيا له، أو الموظف الذي يريد صعود سلم النجاح بسرعة، هل كل حياة هؤلاء هي مطاردة لذلك الهدف واشتغال على تحقيقه؟ بالطبع الأمر ليس هكذا قطعا، ففي الـ 24 ساعة هناك الكثير من الوقت الذي يقضيه المرء بعيدا عن مطاردة هدفه الأسمى. الطالب الجامعي لن يذاكر طوال اليوم، ومهما ذاكر فسوف تتبقى له سويعات من يومه تحتاج لِأنْ يملأها بشيء. العامل الساعي للتمكين الوظيفي هو أيضا لديه ساعات طويلة عليه أن يقضيها خارج محيط العمل، فماذا هو فاعل بوقته؟ إنه مهما كانت شخصية المرء من حيث امتلاكه هدفا يطارده في حياته أو كونه شخصا قد ترك الأيام تسيّر مصيره، ففي نهاية المطاف هناك وقت كبير لابد أن يشغله المرء بشيء. هذا الوقت الكبير هو ما يُوجِد الأرضية الخصبة للإحساس بالملل.

تتفاوت أنصبة الناس من الملل بتفاوت ظروف حياتهم، وباختلاف تركيبتهم الشخصية وحساسيتهم الذاتية تجاه هذا الأمر. هناك أفراد تشغلهم عائلاتهم ويحبون دوما التواجد بين إخوانهم وأقاربهم، يتجاذبون الحديث والضحكات وينشغلون بما يشغل بال الآخرين ويتفاعلون مع أهم أحداث حياتهم. لهؤلاء –بصفة عامة- فرصة أضعف في الشعور بالملل، ومع ذلك فإن فيهم من سيشعرون به بمجرد اختفاء غلالة الانشغال الاجتماعي تلك وخلو المرء إلى نفسه. ومنهم من لن يشعروا بالملل، فإذا انفض الأقارب كان هناك التليفزيون، أو القراءة، أو كرة القدم، أو النوم، أو وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة للجزء المتبقي من يومهم.

يتراءى لي –في تقديري الشخصي للأمر- أنّ المراهقين، وطلبة الجامعات، والموظفين الجدد، هم أكثر الأشخاص شعورا بالممل. فلنقل إذن هم الأشخاص في الفئة العمرية بين 14 و 28 سنة تقريبا. ليس صعبا أن نفكر لماذا يشعر هؤلاء بالملل أكثر من غيرهم. إنها هرمونات النمو التي تجعل المرء مليئا بالطاقة، مثلما هي روح الشباب التي تجعل الذهن راغبا في الانشغال الدائم بإنجاز شيءٍ ما والتوق الواضح إلى التغيير. من تجاوزوا تلك الأعمار يشعرون بالملل بدرجة أقل غالبا، فمعظمهم تكون لديهم حياة اجتماعية لها التزاماتها ومتطلباتها ومشاويرها المتعددة التي لا تُبقي لديهم أصلا وقتا حتى يشعروا فيه بالضجر، ولديهم أيضا طموح تحسين الوضع المالي الذي يضطرهم لقضاء ساعات عمل طويلة في أكثر من وظيفة أحيانا، ولديهم رفاق ثابتون يلتقون بهم بين وقت وآخر، وتلك هي متعتهم الأهم. إن المفارقة هي أنّ أفراد الفئة العمرية بين 14 و 28 سنة، وعلى الرغم من تمتعهم بعدد أكبر من الزملاء والرفاق حولهم، فإنهم يبدون الأكثر تبرما وضجرا. لماذا؟ لأن رفاقهم مثلهم يشعرون بالضجر! ما الذي يفعله طالب المدرسة بعد عودة رفاقه إلى بيوتهم؟ ما الذي يفعله طالب الجامعة في الفراغ بين محاضرتين، وبعد عودته للبيت، وفي عطلة نهاية الأسبوع؟ ما الذي يفعله الموظف المغترب من إحدى الولايات في مسقط بعد انتهاء ساعات الدوام؟ جميع هؤلاء يبحثون عن طريقة لتجزير الوقت ويستغيثون من وحش متربص بهم دوما اسمه الملل.

أحاول استعادة فترة مراهقتي ودراستي في الجامعة، أي أنني أتكلم عن العشر سنوات بين 1985 و 1995—سنة تخرجي من الجامعة. هل كنتُ أشعر بملل شديد؟ هل كان من حولي يستغيثون من الملل بنفس الحدة التي يتشكى فيها الشباب اليوم من الملل، وبنفس المقدار الذي دفع تلك الشابة لتفتح دردشة إلكترونية مع شخص غريب فقط لتهرب من الملل؟ لغاية عام 1986 لم يكن لدينا هاتف ثابت بالبيت، فقد وصل الهاتف تلك السنة. ولعل الكهرباء الحكومية قد سبقته بثلاث سنوات تقريبا. اما الهاتف المحمول فقد ظهر في نوفمبر 1996. لقد كانت سنوات ليس فيها مجال لتزجية الوقت بأي شيء من معطيات التقنية الرقمية المتاحة حاليا. لم يكن هناك إلا التليفزيون بقناتين فقط، عمان وأبوظبي! لقد كنت شخصيا مراهقا منطويا إلى حد ما، وأحب القراءة والكتابة، ولو تركت الحديث عن نفسي وتحدثت عن أقراني الذكور فقد كانوا يتميزون عني بلعب كرة القدم عصرا وهو ما لم أكن أفعله. عدا ذلك فقد عاش الجميع حياة متشابهة تقريبا في كل شيء، ولم تمر على أسماعي وقتها كلمة "ملل" إلا نادرا جدا. كنا نقضي معظم الوقت داخل بيوتنا مع عوائلنا الكبيرة العدد، تتخلل الوقت زيارات الجيران والأقارب، ونقضي وقتا نستمتع فيه بالمسلسلات والأفلام المصرية والمسلسلات الأجنبية المترجمة وبرامج المنوعات. وننام مبكرين. ورغم أننا شباب تحركنا نفس هرمونات النمو ونتمتع بذات الطاقة للعمل والتوق للتغيير وروح التمرد التي يتمتع بها شباب اليوم، إلا أننا كنا أقل ضجرا بكثير مما يعانيه جيل اليوم. لماذا يا ترى؟ أود لو أنني أترك الإجابة مفتوحة ليبحث عنها كل قارئ في حياته الشخصية وحياة المحيطين به، لكني لا أستطيع أن أتجاهل ما أراه واضحا بخصوص دور "العالم الافتراضي" في حياتنا المعاصرة في تعزيز الشعور بالملل.

في الماضي كانت لنا حياة واحدة، هي حياة الواقع. لم نعرف سواها. اليوم لكل منا حياة واقعية وحياة واحدة عالأقل افتراضية، ولربما عدة حيوات افتراضية لمن لديه عدة حسابات في الفيسبوك وتويتر بأسماء مستعارة. نستطيع اليوم قتل الوقت في حياتنا الفعلية بنفس الطرق التي كنا نمرره بها قبل عام 2000، ولكن كيف نقتل وقتا افتراضيا في حياة افتراضية؟ هذا هو التحدي الأكبر. جذر المشكلة هو أننا نسعى اليوم لتجزير الوقت باستخدام هاتفنا المحمول وتطبيقاته المختلفة، ونكاد لا نملك وسيلة أخرى لفعل ذلك. لقد اخترنا الأمر على هذا النحو. اخترنا أن نفكر في الوقت الافتراضي فقط، وهو وقت مراوغ لأنه ليس من لحم و دم. والصراع معه غير متكافئ لأنه ليس بوسع آدميّ أنْ يقتل شبحا، والنتيجة هي استشراء الملل. مهما زاد عدد أصدقائنا الافتراضيين في الفيسبوك فليس من بينهم شخص متاح لنلتقيه على فنجان قهوة أو نذهب معه للسينما. وطالب الجامعة لن يذهب بين المحاضرات ليبحث عن كتاب في المكتبة، لكنه يجوجل الكتاب ليحصل على نسخة إلكترونية، أو يكتفي حتى بتصفح جديد الانستجرام ولا يفكر حتى بالكتاب الإلكتروني. وزميله العاشق الخجول لن يتصيد اللحظات حتى يجد فرصة مناسبة لفتح حوار مع زميلته الحسناء منتظرا لحظة التعارف التي طالما تطلّع إليها، ولكنه سيضيف تلك الفتاة –والعشرات مثلها- إلى قائمته في الفيسبوك—إنْ لم يكن كلاهما اختار معرّفا لا يتضمن اسمه الحقيقي، وصورة هي أفتار لا يمثلهما! حين تختار العالم الافتراضي ميدانا لمعركتك فأنت قد اخترت معركة افتراضية، ولا أمل لك في الفوز فيها. إذا سعينا لقتل الوقت في العالم الافتراضي، فعلينا أن ندرك أننا لن نجني سوى عكس ذلك: إننا نعطي الوقت الافتراضي الفرصة الذهبية كي يقتلنا. إننا نزرع الملل ونحصد الملل، وبين الغرس والحصاد عمر ينقضي في رعاية الملل والعناية به وهو ينمو ويتغول حتى يستل أنفاسنا ويخطف أعمارنا في العالم الواقعي—وليس الافتراضي!

02 January 2015

رغائب سنة جديدة

رغائب سنة جديدة


هذه الليلة أنا مستعدٌ لالتهامِ تمساحٍ حيّ كاملٍ بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة!
مستعد ﻷسامح زوجة خائنة.. وﻷغوي زوجا بالخيانة!
مستعد ﻷقطع الصلة بنديم أعرفه منذ 15 عاما؛ ﻷنه لن يصبح يوما صديقا قط.
مستعد لأجلد طيز حبيبتي بالكرباج، بتدرج وشبق.. إذا أقسمتْ أنها ستبادلني المِثل؛ ولكن بقسوة لامتناهية.
مستعد ﻷهشم البطيخات بلكمات من قبضة يدي. وأن أفقأ حتى عيون العميان، فما حاجتهم لها؟
مستعد لقطع ذيل ضب.. فتُنتهك كرامته، ويسَمِّم نفسه من الداخل حتى الموت. أتوق ﻷرى أحدا يموت بكرامة.
مستعد أنا الليلة لقطع ذيل سحلية؛ ﻷراها تفلت من قبضة الكراهية.  وأرى ذيلها ينمو مجددا، هازئا بي.
مستعد الليلة ﻷعلّق امرأة من حلمتيها بمروحة الغرفة.. غير أنني لن أدير زر التشغيل.
مستعد لإحراق صالة سينما، وإنقاذ شريط سينمائي واحد ﻷنه بالأبيض والأسود، أو ﻷنه صامت.
مستعد الليلة ﻷهجر كل الصديقات إذا رفضن أن أمزق سوتياناتهن وأطعمها للحلزونات.
مستعد ﻷتعشى بخبز عفن، طالما كان لديّ كأسُ نبيذ أحمر.
مستعد ﻷغازل سحاقية، حتى لو انتهى بي الأمر حبيسا.. طالما كان ذلك سيشعل غضبها ضد العالم كله!
مستعد ﻷشعل حريقا، لتتبخر بلادة البرد.
مستعد ﻷعلّم طفلا أقذع الألفاظ، كي لا يحرمه والداه السخيفان من النطق الحق.
مستعد ﻷقطع لسانيْ أبوين أرعنين، فلا تسمع الطفولةُ صلواتٍ عند الطعام، وزجرا حال الغناء على المائدة.
مستعد ﻷدق المسامير على الحلمات. وليتم خصيي بمشرطٍ صدئ. وﻷدَغدَغ تحت الإبطين حتى الموت. مستعد أن أعض مؤخرة امرأة مستديرة، وأن أنهش منها ما يكفي ليمتلئ به فمي فأكف عن الشكوى والتذمر.
مستعد ﻷضرب أرنبا بمطرقة على رأسه، وأن أولج اصبعي فُجاءة بدناءة تجعل أقرب صديقاتي تحتاج لجلسةِ علاجٍ تمتد 20 عاما لتتعافى من الصدمة، لكنها لن تشفى يوما!
مستعد للحرائق والدخان. لنبش قبر فرناندو بيسوا والتمثيل بجثته. ولطبع قبلة على جبهة شارلي شابلن--التي لم تترك الديدان شيئا منها.
مستعد لكل شيء سوى أن أحظى بسنة عادية. سنة لا تليق إلا ببشر ليسوا سوى بهائم ناطقة.
مستعد أن أفقد القدرة على الكلام، شريطة ان أبوح كثيرا بحبي للوجوه الصامتة للنساء الحزينات.
هذه الليلة أنا مستعد لالتهام تمساح حي كامل بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة، حتى لو علق بحلقومي.. فقط كي لا تكون سنتي هذي شبيهة بسابقتها الرمادية.
الليلة سأدخل فيك بشهوة. وسأرقب دم بكارتك يسيح مغادرا حياتي البليدة، حياتي ذات العذرية الزائفة، كغشاء بكارةٍ صينيّ خدعوا به زوجا شرقيا جديرا بالخداع ولا شيء غير الخداع.
الليلة يستيقظ الغوريلا ضاربا بيديه الهمجيتين صدرَه الفولاذي، ليغزو العالم الأشعث الشَعر بزمجرة تهتز لها أركان الغابة المسمومة. الليلة يركل كينج كونج الزمن ليخلط أوراق اللعب، فلا يعود شيء آمنا بالسذاجة التي كنا عليها قبل سويعات.



03 December 2014

تكلمتُ الليلة كثيرا

تكلمتُ الليلة كثيرا



ما زلتُ مستيقظا أيتها الصامتة، وفي جوفها بركانٌ من التناقضات.
ما زلتُ مستيقظا، وفي يدي مُدية وأنا أبحث عن البرئ--الأكثر براءة، الجدير بأن أغرسها في قلبه.

ما زلتُ مستيقظا، لكني الليلة بالتحديد تكلمتُ أكثر مما ينبغي.
أخبرتُ الطيورَ أنني أنوي نتف ريشها لو مجرد فكرت أن تزقزق حول نافذتي صباحا!
أخبرت الرفاق أنهم بلا جدوى بعد 11 ليلا، فأي فيلم أمريكي تافه يمكن أن يعوضني عنهم.
أخبرت العاهرات أنني وصلتُ سن الفطام، وأن الوقت قد تأخر ﻷشتهي أحمر الشفاه الفاقع.
همست لصديقتي المقربة أنني أكذب عندما اقول أنني أحب عينيها، فأنا أحب عدسات عينيها اكثر.
أخبرت حذائي أن السير حافيا لم يعد يؤلمني.
أخبرت الرجال العواجيز حولي أن النبيذ مفيد للروماتيزم، وأن انحناء الظهر أجمل من التفكير بشراء تابوت أو كفن.

تحدثتُ اليوم كثيرا.
تحدثتُ لطالبة جامعية أن سر النجاح هو أن تتوقف عن الكتابة إليّ بين المحاضرات.
وتحدثت ﻷمي -كاذبا، كي لا أقلقها- أني اتخذت كل الاحتياطات لكي لا أصاب بالسكري او ضغط الدم.
كما تحدثت لنجوم السماء أنني لا أصدق مزحة إعصار نيلوفار.
أنا صاح أيتها البعثرة الكونية.. ولكني لن أتحدث الآن ﻷحد..
فقد تحدثتُ الليلة أكثر مما ينبغي.
تحدثتُ لجميع الكائنات.
وبقيتُ، كالعادة، صامتا كالصخرة الملساء أمام نفسي!

01 December 2014

يا شوقي لأيامي.. تسريبي وتغديبي

يا شوقي لأيامي..


في منتصف التسعينيات إلى السنوات الثلاث الأولى من القرن الحادي والعشرين، كانت حانات مسقط قليلة.
وجهة الشعراء والكتاب وبعض الفنانين الرئيسية كانت حانة تشرشل بفندق الهوليداي إن بالخوير.
روادها كانوا ثابتين.. هم أنفسهم تقريبا في كل ليلة، عدا نزلاء الفندق من السياح.
كانت هناك شلة مزعجة من الشباب تقتعد كل ليلة إحدى طاولات الحانة. ربما ذات الطاولة إن لم يسبقهم إليها أحد. عندما يسكرون يبدأون بغناء أغنية عجيبة الكلمات بصوت أجش. أحدهم كان صوته عاليا جدا ونشازا جدا ومنفرا جدا، لكنه كان يقود قطيع السكارى حين يبدأ يغني: "يا شوقي لأيامي. تسري بي وتغديبي. وأنا على سرجها.. تتحطم أعصابي".
كنت ورفاقي، ندماء الطاولة القريبة، نبدأ بالضيق من هذا النهيق. لكننا نبتلع انزعاجنا لكي لا تحدث مشكلة، ولتمر الليلة بسلام.
كان نهيق هؤلاء السكارى بأصواتهم النشاز يتعالى دوما آخر الليل بهذه الأغنية، وهي أغنية لم أكن أعرف من يغنيها.
قبل قليل..
قبل قليل فقط..
اكتشفت أنّ هذه الأغنية لميحد حمد! بمحض الصدفة وأنا أسمع أغان أخرى لميحد على اليوتيوب. إذا بأغنية (يا شوقي لأيامي) يتضح أنها لميحد! يا لها من لحظة في الحياة!
تلك الربشة آخر الليل لحفنة من السكارى في حدود عام 1998 إذا بها تعود لمسامعي دفعة واحدة. تعددت الحانات الآن وتفرق الرفاق والصحاب والأعداء، بل إن بعض الندامى قد ماتوا. وها هي الأغنية تقفز من جديد. ولمن؟ لميحد حمد، حقيقة أعرفها للمرة الأولى!
استمعت للأغنية للتو. كلماتها غريبة جدا، وجميلة. وإيقاعها غريب للغاية. لا أعرف ماذا يسمى. ولا تستحضر ذاكرتي أغنية أخرى لميحد بهذا الإيقاع.
إنه كشف من زهو الشباب ينفتح علي وأنا في الحادية والأربعين من العمر. كنت أعرف أن الأربعينيات هي النسخة المكررة بشكل أجمل من العشرينيات. نفس الرغائب والميول، ولكن بخوف أقل من المستقبل، وبتشويش أقل.
ليس لي سوى أن أترك نفسي مع (يا شوقي لأيامي). وأنا أردد مع أؤلئك السكارى المزعجين (الذين ربما أتمنى عودتهم لليلة واحدة فقط من العمر بعد غياب 15 سنة من آخر مرة أسمع فيها أصواتهم)، أردد بنحيب: يا شوقي لأيامي.. تسري بي وتغديبي.. وأنا على سرجها.. تتحطم أعصابي!


23 November 2014

حول التحرش في مسيرات السيارات المُزيّنة

حول التحرش في مسيرات السيارات المُزيّنة


من المظاهر الاجتماعية المستحدثة في بلادنا الخروجُ الشبابي في مسيرات جماعية بالسيارات المُزيّنة في مناسبات معينة، أبرزها لغاية الآن مناسبات فوز المنتخب الوطني في مباريات رياضية، وكذلك بمناسبة احتفالات البلاد بالعيد الوطني. بالنسبة للجزئية الأخيرة فأنا لا أتحدث هنا عن المسيرات المنسقة سلفا من الجهات الحكومية المختلفة وعلى رأسها مكاتب الولاة والمدارس، والتي تتم في وضح النهار، ولكني أشير إلى مسيرات الليل الشبابية التي لم تقم برعايتها –علنا- أية جهة حكومية، وهي مسيرات أبطالها السيارات والدراجات النارية والشباب المتزينون بإكسسوارات تحمل رموزا وطنية، كرسم العلم على الوجوه ووضع الشعر المستعار على الرأس. ميادين هذه المسيرات هي الشوارع الرئيسية في مسقط وبعض الولايات، وقد ازدهرت بالأخص في العيد الوطني الماضي وهذا العام، وكان لها وجود سابق قوي في حادثة واحدة هي فوز منتخبنا الوطني لكرة القرم بكأس خليجي 19 عام 2009م، حينما أغلق المحتفلون شوارع مسقط الرئيسية حتى ما بعد ساعات الفجر. لكن هذه المسيرات كثيرا ما تنتهي بتحفظات اجتماعية عليها وتؤدي إلى إثارة نقاش حاد، لاسيما لعمليات التحرش ببعض الفتيات المحتفِلات والذي رصدته كاميرات الفيديو بالهواتف خلال العامين الماضيين. فكيف نقرأ ما يحدث في هذه المسيرات من خلال ردات فعل المجتمع؟

ثقافة مسيرات الفرح الشبابية بالسيارات المزينة ظهرت بالتزامن في بلدان الخليج العربي، ولعل واحدة من أبكر المناسبات التي قادت لمسيرات شبابية في عواصم الخليج هي انطفاء شمعة ليلة 31 ديسمبر 1999 ودخولنا في الألفية الجديدة. شخصيا كنتُ ليلتها في دبي حين انطلقتْ مسيرات السيارات المزينة وأصوات (الهرنات) تصطخب في الشوارع. على ما يبدو أنه لم يكن بمستطاع السلطات أن ترفض مسيرات السيارات المزينة جملة وتفصيلا منذ أول انطلاقة لها--ربما انتظارا لما سوف تسفر عنه. فبدون حدوثها ليس بوسع المرء أن يمنعها منعا مسبقا، ولماذا يمنعها وليس بيده دليل على أنه سوف يسفر عنها ما يخل بالنظام والآداب العامة؟ يبدو أن موقف السلطات الخليجية كان مع السماح بها خشية وقوع ردود فعل عكسية لو تم المنع. لكن تلك المسيرات أفرزت حقا ما يخل بالنظام العام والآداب الاجتماعية السائدة. لقد أفرزتْ قطعا للطرق يمتد عدة ساعات ويؤدي إلى تعطيل حياة الناس، لاسيما مَن هم بحاجة لمشاوير ضرورية. كما أفرزتْ حالات من التحرش بالفتيات (لا علم لي بعددها وهل هي محدودة جدا أم كثيرة نسبيا)، ورقصا -من الأولاد، بالأخص- تجاوز حدود اللياقة. وانقسمت الآراء بين من اعتبر ذلك مظهرا طبيعيا مؤقتا كون الظاهرة كلها جديدة وسف تصنع لنفسها ضوابط ومعايير سنة وراء أخرى. وهناك من رأى العكس، إذ يخشى هؤلاء أن تتزايد السلوكيات غير المرغوبة عاما وراء آخر. وكان المتشددون الدينيون، كالعادة، يصيدون في الماء العكر، فسعوا إلى تضخيم ما يحدث وترويع المجتمع منه، وتحريض السلطات على الشباب المحتفلين اتكاء على حوادث فردية حدثت، لغاية في نفوس هؤلاء تتمثل في سعيهم الدائم لقتل كل مظاهر الفرح من حياة الناس. وبين كل هذا وذاك انتشر سجال مجتمعي داخل الأسر وعبر مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي حول مشاركة الفتيات في مسيرات السيارات المزينة سواء كُنّ راجلات أو على متون سياراتهن. وهو سجال ساخن يستحق التوقف عنده.

بعد أن أثبتت كاميرات الفيديو بالهواتف وقوع حالات تحرش بالفتيات المحتفِلات، تمثلت غالبا في محاولات بعض الشباب فتح أبواب سيارات الفتيات وإخراجهن منها، وهي على ما يبدو حالات محدودة جدا وفقا لما صورته مقاطع الفيديو، وقد يكون هناك أكثر منها مما لم يتم توثيقه.. بعد ثبوت هذا، سارعت طوائف كثيرة في المجتمع إلى لوم المرأة وكأنها هي المسؤولة الأكيدة والوحيدة عما حدث. وانبرى من يطالبون بعدم مشاركة الفتاة في مثل هذه المسيرات الشعبية. هذه الفئات شملت المتدينين الذين كانوا دوما وأبدا يرون مكان النساء في الخيمة المغلقة عليها، كما شملت آباء وأخوة أرادوا إراحة رؤوسهم من تقريع المجتمع، مع أنه –كالعادة- فإن نصفهم يذهبون لهذه المسيرات لرؤية الفتيات المتزينات قبل أي سبب آخر. وأيضا كانت هناك نساء ربما يكن أكثر شراسة من تلكم الطائفتين، وهن نساء تشددن في إدانة أخواتهن اللاتي يخرجن في هذه المسيرات باعتبار أنه ليس عليهن أن يقلدن الشباب الذكور. ربما كان من ضمن هؤلاء نساء يستشطن غيظا لأنهن لا يستطعن الخروج في المسيرات لأسباب مختلفة، فتأتي ردة فعلهن بالغيظ على من تستطيع ذلك من بنات جنسهن من مبدأ "اللي ما يطول العنب...". وهكذا، فقد وُجِدت شرائح جماهيرية مختلفة –كلٌّ له أسبابه الخاصة- ألقت بلائمة التحرش في مسيرات السيارات المزينة على الفتيات وحدهن، وتم اعفاء الشباب الذكور من أية مسؤولية عما يجري!


لو تأملنا المشهد أعمق، لرأينا حزمة من التوجهات والأفكار غير المنصفة تجاه المرأة فيما يخص مسألة مشاركة الفتاة في هذا النوع من المسيرات وفي قيام بعض الأولاد بالتحرش بهن. الفكرة التي ترى أنه ليس على الشابة المشاركة في مسيرة بسبب فوز المنتخب في مباراة لكرة القدم هي فكرة ترى أن الفرح حق مقصور على الذكور فقط. إنها وجهة نظر تتجاهل حقيقة أن هناك عددا كبيرا جدا من الفتيات لهن اهتمام بالرياضة ويتابعنها بنفس الشغف كالرجال. وبالتالي فإنه أمر فطري أن يكون للفتيات حق التعبير عن الفرح بفوز المنتخب مثلما هو حق مكفول للأولاد. نفس هذا الفكر الذكوري المهيمن هو ما يتبنى مسألة إدانة المرأة عندما تقع التحرشات في المسيرات، وكأن الفتاة هي التي دعتْ الشباب ليقتحموا عليها سيارتها ويحاولوا سحبها منها. ما رصدته كاميرات الهواتف أنّ بعض الذكور هم من تطاول وامتدت يداه لتفتح الأبواب، مثلما تطاولوا بالألفاظ النابية والجارحة يرشقون بها الفتيات. فما ذنب الضحية حين يُعتدى عليها؟ في حالات كهذه، مهما كانت نادرة، فإن الانكفاء على سجالات (هل يحق للمرأة المشاركة في المسيرات أو لا يحق) هي سجالات ليست ذات أهمية بقدر أهمية تفعيل القوانين المدنية ضد من يخالف القانون. لو أنّ من قام بفعل التحرش في العام الماضي نال عقابه القانوني على فعلته بموجب القوانين المدنية المنصوص عليها لفكّر الشباب الطائشون مرتين وثلاثا قبل أن يرتكبوا سلوكا مشابها هذا العام. لكن فلات الجاني من العقاب أو نيله عقابا مخففا هو ما يجعل فئات اجتماعية تستمر في لوك الكلام حول (هل الفتيات هن السبب فيما يحصل لهن). إن التساهل في عدم إيقاع عقاب قانوني بحق المتحرشين يشجع على التحرش. وقد باتت نساء كثيرات يخشين من هذا الأمر. مَن يخرجن مِن دوامهن ليلا، ومن يضطررن للذهاب للمستشفى أو أي مشوار، وخصوصا من يعلقن بالصدفة في شارع تحتله مسيرة سيارات مزينة دون أن يكون قصدهن التواجد للمشاركة في المسيرة، هؤلاء صار لديهن تخوف من وقوع التحرش طالما لم تكن القوانين والعقوبات الرادعة مفعّلة على أرض الواقع. طالما كان المجتمع يلقي باللائمة على الشابة إذا تحرش بها أحد ويبرّئ الشاب من الإدانة، فإن عددا متزايدا من النساء يعشن خوف تحولهن إلى ملكية عامة مشاعة اجتماعيا إذا لم يتم حقا تفعيل القوانين والعقوبات الواجب إيقاعها على من تثبت مقاطع الفيديو ارتكابهم جرم التحرش ونراهم يسرحون ويمرحون حولنا دون أن يحاسبهم أحد على ما فعلوه.