23 June 2019

صعود أنماط الحياة البديلة


صعود أنماط الحياة البديلة*


قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبوظبي" التي يشاهدها اليوم الآلاف في ربوع الوطن العربي، نموذج ممتاز لواحدة من الممارسات الاجتماعية/الثقافية الحديثة المرتبطة بما أود تسميته بـ "صعود أنماط الحياة البديلة". "الحياة البديلة"، في السياق الذي أتحدث عنه، هي حياة مرتبطة ببروز أنماط من التفكير والممارسات كانت قبل نحو أربعين عاما أو أقل تعتبر شاذة وغير مفكَّر بها. من أنماط الحياة البديلة الصاعدة حول العالم اتساع رقعة الممارسات الفردية المرتبطة بالحفاظ على البيئة والدالة على انتشار الوعي البيئي، والاهتمام بصحة الفرد والتغذية السليمة المتوازنة، وانتشار الزراعة العضوية، وتجرؤ العقلانيين والعلمانيين والتنويريين على الظهور علنا –ولو في تجمعات صغيرة محدودة- في مجتمعات تنخرها الخرافة من الوريد إلى الوريد. إنه لأمر عظيم دون شك أن يتجه المزيد من الناس إلى مثل هذه الأنماط الحياتية البديلة، الجديدة في مرجعياتها الثقافية، وهي مرجعيات مختلفة تميزها عن مرجعيات جيل الآباء والأجداد. إنها لعلامة على بلوغ الحضارة البشرية مراتب راقية تعتمد أكثر على العقل والمنطق والتفكير السببي، وتتسم بحس عال بالمسؤولية الاجتماعية تجاه الأخوّة الإنسانية وتجاه البيئة من حولنا وإزاء قضايا المحيط الحيوي لكوكب الأرض برمته. صحيح أن البدانة في ازدياد، لكن الأطعمة العضوية والوعي بأساسيات التغذية السليمة هو الآخر في ازدياد. صحيح أن هناك قتلة عميان بأسماء مختلف الأديان، لكن هناك دعاة سلام إنسانيو النزعة لا ينطلق نزوعهم الإنساني الخَيِّر من محدودية دين بعينه. صحيح أن وتيرة قطع الغابات في ازدياد، لكن أعداد الخَضر ومعانقي الأشجار هي أيضا في ازدياد.

كثير من الأشياء كانت قبل أربعين عاما أو أقل سلوكيات معزولة يتجاسر على ممارستها قلة بسيطة من الناس، إلا أنها آخذة الآن في الانتشار على نطاق واسع، في تبدل واضح لمعايير الكثير من الأشياء. صعود العلوم هو السبب وراء صعود أنماط الحياة البديلة، فعندما بتنا نعرف المزيد عن أنفسنا والمحيط الحيوي من حولنا، صرنا أكثر دراية بقربنا وعلاقتنا المشتركة ببقية مخلوقات الأرض من أجناس مختلفة من البشر وحيوانات ونباتات وغيرها، ولذا زاد حسنا الإنساني بالمسؤولية إزاءها. حتى بعض المؤسسات الدينية قد اضطرت لتغيير مواقفها المتزمتة من قضايا معينة لأنها أدركت أن صعود أنماط الحياة البديلة ستعزل الناس عنها، فها هي الكنيسة الكاثوليكية، ومن مقر أعلى سُلطة فيها، تعلن أن نظرية النشوء والارتقاء لتشارلز داروِن لم تكن يوما متعارضة مع أفكار الكنيسة! إنه صعود العلم الذي يترك الآخرين معزولين إذا لم يأخذوا بأصول التفكير السببي في فهم الحياة والتعامل معها. المفارقة المضحكة، أن شعراء "الحداثة" العربية هم الوحيدون الباقون لغاية الآن بعيدين عن أي تأثر بأنماط الحياة البديلة التي تسود العالم من حولهم، فلا هم يعرفون شيئا عن البيئة أو يحسون بشئ من قضاياها (وقد كفوا عن التغزل بالفراشات والزهور لأن ذلك لا يليق إلا بالشعراء التقليديين)! كما أنهم هم الوحيدون الذين لم يسمعوا بعد بالأغذية العضوية، ولم يقرأوا لريتشارد دوكينز، ويجهلون تماما من يكون ديفيد أتنبوروج!

التغير آخذ في التسارع نحو أنماط الحياة البديلة على مستوى القاعدة الشعبية من الناس، لكن القوى التقليدية (الدينية والاقتصادية والسياسية، على نحو أخص) ما زالت تمسك بزمام الأمور حول العالم. إنهم رجال سياسة متدينون، أمثال جورج بوش، مَن يشنون الحروب حول العالم. إنهم رجال دين مَن يقفون ضد استخدام المناظير الفلكية لمشاهدة هلال رمضان والعيدين. إنهم أصحاب مصانع برجر ونقانق مَن يستمرؤون إنتاج الأغذية المسببة للبدانة والأمراض. لكن هناك قاعدة عريضة تتنامى ممن رموا البرجر في سلة المهملات مرة وإلى الأبد وتذوقوا لذة حبوب فول الصويا العضوية، مثلما قفز بعضهم عن الجرافة وعانق شجرة، أو ترك معتقدا عتيقا باليا كي لا يصير محدودا بجماعة أو عقيدة أو طائفة، لأنه اختار أن تكون الإنسانية جمعاء عائلته الكبيرة. هناك من هجروا أفلام جيمس بوند إلى وثائقيات الـ (بي بي سي) عن الطبيعة، ومن رموا الريموت كونترول وكفوا عن تقليب الفضائيات وخرجوا للتنزه سويعة في الجوار ليتعرفوا - ربما لأول مرة- على تفاصيل الحي الذي يسكنون فيه!.

لو كانت قناة "ناشيونال جيوجرافيك-أبو ظبي" قد ظهرت قبل عشرين عاما لما كان شاهدها سوى قلة محدودة للغاية من الناس، لكن عدد من يستنيرون اليوم ببرامجها التثقيفية الراقية هم مجموعة غير بسيطة مولعون بها. إنه صعود العلم والتفكير السببي ونجاح التكنولوجيا في تقريب الشعوب وتبادل وجهات النظر المختلفة هو ما جعل التربة مهيأة لتنمو وتورق أنماط الحياة البديلة وتكتسب قاعدة شعبية متنامية حول العالم. سيبقى الأشرار هناك دوما يعيثون في الأرض فسادا، ولكن سيولد في كل يوم عدد أكبر -عمن ولدوا في اليوم السابق- ممن يكرهون الحروب ويقفون ضد قمع الأفكار وتدمير البلدان، ليجعلوا من هذا العالم مكانا أفضل للعيش.

*كتبت في 18 سبتمبر 2011 ونشرت آنذاك في جريدة الرؤية العمانية.

10 June 2018

في وداع الخطاط الراحل عزت عبدالحميد


وداعا عزت عبدالحميد




بلغني بالأمس نبأ وفاة الصديق وزميل العمل عزت عبدالحميد، الذي عاش في السلطنة حوالي 35 عاما، وقد عمل لثلاثة عقود بوزارة التربية والتعليم بوظيفة خطاط. توفي الراحل في جمهورية مصر العربية، وكان قد أحيل للتقاعد من وزارة التربية والتعليم قبل سنوات بسيطة، لكنه أكمل العمل مع الوزارة بعقد سنوي تم تجديده مرتين وربما ثلاثا قبل أن يغادر لمصر قبل سنوات قليلة فقط. الرحمة لذكرى إنسان عزيز قضى أكثر من نصف حياته في بلادنا وأحبها وأنتج فيها، وفيها تعيش عائلته لغاية اليوم، والتعازي لجميع أفراد عائلته—صبّرهم الله على فقده.

كانت وظيفة خطاط مهمة جدا في العقود الماضية وذلك قبل أن تحتل الكمبيوترات مهمة تصميم الخطوط. كتب الراحل عزت عبدالحميد عناوين كافة أغلفة الكتب الدراسية التي أصدرتها وزارة التربية والتعليم في الثمانينيات وجزء من التسعينيات من القرن الماضي، وظهر خطه وتوقيعه (عزت) على منشورات أخرى للوزارة. كما تعاونت معه العديد من المطابع في تصميم أغلفة كتبها. إضافة لذلك فقد خطّ الراحل اللوحات الرئيسية الكبيرة الموجودة على كافة أروقة المبنى القديم لوزارة التربية والتعليم. فضلا عن ذلك فقد تعاون عزت عبدالحميد مع تليفزيون سلطنة عمان لأكثر من 15 سنة في كتابة الخطوط لأسماء الممثلين وطاقم العمل في مختلف البرامج التي قدمها التليفزيون في الثمانينيات والنصف الأول من التسعينيات (عندما كانت تترات البرامج تُكتب بخط اليد)، نجد ذلك في برامج المنوعات والأغاني الوطنية والعاطفية والمسلسلات والفوازير وغيرها. إنها لمفارقة أن الليلة التي سبقت وصول نبأ وفاة المرحوم كنتُ أتابع فيها في يوتيوب ولفترة تزيد عن 90 دقيقة عددا من الأغاني الوطنية العمانية القديمة التي صورها وبثها تليفزيون السلطنة في الثمانينيات، وكان اسم عزت وتوقيعه موجودا تقريبا في كل واحدة منها. كنت أقول في نفسي، لم أر عزت منذ ثلاث سنوات؟ كيف هو الآن؟ هل غادر السلطنة مؤخرا بعد أن تقاعد من وزارة التربية منذ بضع سنوات؟

كان عزت عبدالحميد إنسانا بشوشا مرحا. يدخل مكاتبنا فيملأها بهجة. في السنوات التي عملنا فيها معا كانت مهمة الخطاط قد تغيرت عند دخول الكمبيوتر في هذا المجال. وقد تغيرت طبيعة عمل عزت وفقا لذلك. صار دوره الرئيسي هو الإشراف الفني على مطبوعات وزارة التربية والتعليم وإصداراتها الإعلامية -وليس الكتب الدراسية- ومتابعة ذلك مع المطابع. مجلة مثل (رسالة التربية) التي ما زالت تصدرها وزارة التربية والتعليم لم يكن لها أن تظهر للوجود لولا جهود الراحل في إصدار أعدادها الأولى. وقد ارتبط الراحل بصداقات مع الكثير من المسؤولين في وزارة التربية وخارجها، ممن كانوا موظفين عاديين وقت بدء عمل الراحل في السلطنة وتقلدوا بعدها مناصب عليا في الدولة، وقد جمعته على نحو جيد علاقة عمل وطيدة وزمالة جيدة بكل من معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري (الوزير السابق للتربية والتعليم وشؤون الشباب) ومعالي السيد سعود بن إبراهيم البوسعيدي (الوزير السابق لوزارة التربية والتعليم)، وأنا أثق أن من عملوا مع عزت عبدالحميد سيذكرونه دائما بكل خير.

من ضمن الأشياء الطريفة التي تعلمتها من الراحل جملة حفظتها ولكني للأسف نادرا ما طبقتها، وهي أنه "فيه حاجات ما تجيش إلا بالخِناق"، أي لا تصمت عندما يكون الحق إلى جانبك. بل فليعلُ صوتك حتى لا يأكل حقك أحد. لكن هذه الجملة بالذات لم تنفع الراحل بشأن الحصول على الجنسية العمانية.

المؤسف بشأن الراحل هو أنه رغم أنه عاش في بلادنا أكثر من 3 عقود من الزمن، إلا أنه حتى وفاته لم يحصل على الجنسية العمانية التي كان يرغب فيها، والتي أرى أنها من حق إنسان عاش في هذا البلد وأحبها واحترم قوانينها وأعطاها ما يستطيع من جهد وعرق. يَشترِط قانون الجنسية على (العامل الوافد) أن يكمل 20 سنة عمل في بلادنا قبل أن يتقدم بطلب الحصول على الجنسية، مقرونا بإجادة اللغة العربية تحدثا وكتابة، وشريطة ألا يكون قد غادر البلد أكثر من 60 يوما متصلة أو منفصلة في سنة من تلك السنوات. وهنا هو الأمر الذي أفسد على الراحل حصوله على الجنسية، فجاءه التقاعد على المعاش من وزارة التربية والتعليم لبلوغه سن الستين قبل أن ينال مراده. كان عزت عبدالحميد يحصل على إجازة سنويا تبلغ 60 يوما بالضبط في السنة يغادر فيها إلى مصر. لم يكن يريد أن يتخطى شرط الحصول على الجنسية.  وفي إحدى السنوات وقد كان الراحل قد أقام أكثر من 15 سنة في البلد أراد الذهاب للعمرة مدة أسبوع واحد، وذهب للتأكد هل يتعارض ذلك مع شرط عدم السفر لأكثر من 60 يوما لسنة واحدة، فتم إخباره بأن الحج والعمرة هما استثناء، فذهب للعمرة مطمئنا، وكانت تلك أول مرة يغيب فيها خارج السلطنة أكثر من 60 يوما (متصلة أو منفصلة) في عام واحد. بعد إكماله 20 سنة في البلد ذهب لوزارة الداخلية ليقدم طلب الحصول على الجنسية العمانية، وعند مراجعة أوراقه تبين أنه قد غادر البلد قبل حوالي 5 سنوات لمدة تزيد بأسبوع عن الستين يوما المفروضة. كان ذلك هو الأسبوع الذي ذهب فيه لأداء العمرة. هنا أخبروه أنه خالف القوانين وأنه عليه أن يبدأ بِعَدّ 20 سنة أخرى بداية من السنة التي تلت ذهابه للعمرة. يعني أن الـ 15 سنة الأولى قبل الذهاب للعمرة غير محسوبة وقد ضاعت سدى! ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة أن الرجل الذي قضى أكثر من 30 سنة من حياته في بلادنا قد وصل للتقاعد وغادر البلاد دون جنسية عمانية، فيما لا يزال أولاده الذين ولدوا في السلطنة يعيشون هنا ويعملون في مؤسسات خاصة تحت كفالة مواطن، وبعضهم قد تجاوز هو الآخر سن الثلاثين. فهل سيتكرر معهم قدر أبيهم بسبب صرامة القانون وعبثيته؟

إذا كان هناك درس مستفاد من رحيل الزميل عزت عبدالحميد عن بلادنا فهو الدعوة لمراجعة قانون التجنيس لغير العمانيين، بالأخص العرب، ومراعاة الظروف الإنسانية. إن 20 سنة هي فترة طويلة للغاية حتى يحصل فيها المرء على الجنسية. بل إن الأمر ليس كذلك، فمقدم طلب الجنسية لن يحصل عليها تلقائيا لأنه أتم العشرين عاما، بل هناك فترة انتظار بعد تقديم الطلب تمتد في المتوسط بين 10 إلى 15 سنة! متى يحصل الإنسان على الجنسية العمانية، هل بعد وفاته؟ والأمر ينطبق على زوجات المواطنين، إذ جرى مؤخرا تعديل صعّب شروط حصول زوجة المواطن على الجنسية العمانية، وصار عليها إكمال 10 سنوات زواج لا تغادر فيها البلد في أية سنة من السنوات أكثر من 60 يوما متصلة أو منفصلة. فماذا كان يضر لو أبقوا على القانون القديم الذي كان يتيح لزوجة المواطن التقدم بطلب الجنسية بعد 5 سنوات من الزواج؟

يبدو أنك كنت محقا عزيزي عزت في قولك "فيه حاجات ما تجيش إلا بالخِناق"، ولكن لماذا لا يكتفون بالمنطق بدلا عن الخناق؟


*كُتبت في 10/6/2018


18 March 2018

عن الهيبّي الموؤود بداخلي


شتاء الأحلام*


ثمة أشياء كثيرة تُروى باعتبارها ممارسات شائعة، ولأن بعضها لم أتعرض له في طفولتي فإنني بالكاد أستطيع تصديق أنها موجودة. مثالا لا حصرا، فإن قيام الجدات بحكي قصص للأحفاد أمر هو بمثابة ممارسة عامة شائعة في كثير من بلاد العالم، بل وحسب علمي (الحديث نسبيا) فإن الجدات العمانيات فعلن ويفعلن نفس الشيء. ولأنني شخصيا لم أسمع أية حكاية من جدتي، فهي لم تروِ شيئا لي أو لأي من إخوتي وأخواتي، فإنني بالكاد أصدق أن الجدات العمانيات يحكين حقا حكايا للصغار! ولأن جدتي لا تبدو مختلفة عن أية جدة أخرى، وعليه فإنه إذا كان صحيحا أن الجدات يروين قصصا للأحفاد فإنها لابد أن تكون قد روتْ شيئا. لكنها لم تفعل، وهذا يجعلني عاطفيا متقبلا أكثر لفكرة أن الجدات العمانيات لا يحكين قصصا للصغار، وحدهن فقط الجدات في الرسوم المتحركة من يفعل ذلك! هذا ما تقوله عاطفتي، رغم أني أدرك عقليا أن الأمر مختلف عن ذلك للبعض. إنه لصحيحٌ أنّ ما نتعلمه في طفولتنا ليس من السهل أن تغيره فينا المعرفة العقلية عندما نكبر. نعم، هذا صحيح!

نموذج آخر للأشياء التي تروى كممارسات شائعة: أن كل طفل لديه حلم يرغب في تحقيقه عندما يكبر. شخصيا، لا أتذكر أنني حلمتُ بأن أصبح شيئا، لا طبيبا ولا شرطيا ولا أي شيء آخر، وأتساءل حقا إذا ما كان الأطفال لديهم صدقا أحلام من هذا القبيل، أم هُمُ الكبارُ وحدهم يجبرونهم على إدعاء الحلم حين يحاصرونهم بالأسئلة الملحة عما يودون أن يكونوا عليه عندما يكبرون. الأمر الغريب أنني ربما إلى الآن لا أحلم بأن أكون شيئا معينا، على الأقل، لا أريد أن أكون "وظيفة". لا أرغب في أي شيء من ذاك. ربما يراودني خلسة حلم بأن أرى نفسي مخرجا سينمائيا، لكنه شيء أشبه بطيف هائم لا أكثر. الطريف في الأمر، أنني لم أخلُ تماما من حُلمِ أن أكون شيئا. ففي مراهقتي، وليس طفولتي، حين كنتُ أعيش في قريتي الصغيرة، ثمة صورة أسرتني وحلمتُ بها. أن أكون بوهيميا متسكعا، أو بألفاظ أعرفها اليوم وما كنتُ قد سمعت بها آنذاك، هي أن أعيش حياة الهيبيين (بتصور خاص بهذه الحياة جاء من عندياتي). كنت أرى نفسي ببنطال جينز أزرق ممزق ورث، وشعر أشعث، وأنا أعيش منطرحا تحت الجسور في مدينة كبيرة. لا مسؤوليات لديّ، ولا علاقة لي بأية ضوابط وتقاليد وأعراف!

كان ذلك في النصف الثاني من ثمانينيّات القرن الماضي، ولا شك أن تلك الصورة المستقبلية المتخيلة لنفسي قد استقيتها من نوعية الأفلام السينمائية التي كانت تعرض في التليفزيون المحلي، لكن ذلك لوحده لا يبرر لماذا تمثلتُ نفسي في صورة الهيبيّ أو البوهيميّ، فالمرء يشاهد أشياء كثيرة على الشاشة ويتأثر بالقليل منها، والتأثر بصورة البوهيمي لِمراهقٍ في قرية بسيطة هو –في ظني- حدث غير مألوف. إذ كيف كنتُ أحلم أن أرى نفسي تاركا الدنيا لشأنها وأعيش زاهدا تحت جسور السيارات ببنطال جينز رث، كيف يحدث ذلك ولم أكن أرى أحدا يرتدي الجينز في قريتي سوى المدرسين العرب بمدرستي؟! على أية حال فهذا السؤال لا يشغلني كثيرا، بل لعل ما يشغلني/يروقني أكثر منه أن هذه "اللوحة" التي كنتُ أرى فيها نفسي لم تمتحِ تماما بعد، بل لازالت موجودة بصورة من الصور، هي صورة الحنين إلى زمن لم أعشه. ثمة حنين خاص يأخذني إلى الستينيات والسبعينيات، حين كان الهيبيون ظاهرة حقيقية، والبوهيمية طاقة تحرك الأفراد لنبذ قيود الحياة الصارمة والسعي لحرية أكبر حتى لو كانت مفاتيحها المخدرات والمشاعية الجنسية. حين أقول أني أتمتع بحنين لزمن الهيبيين، فهو نوع من الحنين المتخيل، أو ربما التوق، إلى تجربة لم أعشها شخصيا، فأنا أصغر عمرا من أن أكون قد عشت في زمن أُدركتُ فيه عقليا أنه كان زمن الهيبيين، وقد كنتُ أبعد جغرافيّا عن مدن العالم الكبيرة العاجة بالثوار على الأعراف القديمة إبان ذروة حركة نصرة المرأة وصعود المثليين الجنسيين ومظاهرات الطلاب حول العالم وأغاني البيتلز وجون لينون. كان ذلك يحدث في مكان آخر، وكنت أصغر من أن أدركه. إلا أن سحر هذه الأيام الخوالي لا يزال يعيد إليّ الحلم الوحيد –إن جاز التعبير- أو الصورة الوحيدة التي رأيتُ أو حلمتُ فيها بمستقبلي عندما كنتُ مراهقا: صورة الشاب الحر المنفلت من قيود المجتمع والذي يعيش حياته بهيئةٍ رافضةٍ لما هو مفروض عليه من قيود في الملبس والعادات وغيرها. شاب بقميص جينز رث وممزق يهيم تحت الجسور في مدينة كبيرة تاركا البنايات الشاهقة خلف ظهره.



لا توجد أفلام سينمائية أكثر تغذية لمخيلتي وإسالة لعاب اندماجي بها من الأفلام التي تتناول عالم الهيبيين والبوهيميين، لا سيما إنْ انطوت المعالَجة على شيء من النوستالجيا، ومن هذه الأفلام يأتي في المقدمة الفيلم الأسترالي "شتاء أحلامنا" للمخرج جون ديوجان. فرغم أن الفيلم قد رأى النور عام 1981، إلا أن أوائل الثمانينات كانت هي آخر مراحل الظاهرة الهيبيّة، فضلا عن أن الفيلم بنفسه عبارة عن تجربةِ حنينٍ تستوطن روحَ بطلِ الفيلم لحياته الحرة الطليقة في أواخر الستينيات. إنه فيلمٌ حنينيّ عن موضوعٍ هو –بالنسبة لي- الحنينُ ذاته، ولذا فليس غريبا أن أتوق إلى إعادة مشاهدته بين الفترة والأخرى، حيث لم يبق لنا شيء سوى شتاء الأحلام الجميلة نسترخي فيه مع ذكرياتنا وخيالاتنا التي ستبقى دوما أدفأ الأحلام وأعذبها.

*كُتبت المقالة بتاريخ 18 ديسمبر 2010. ونُشرت آنذاك في صحيفة (الرؤية) العمانية

20 February 2018

هل هذا النص متفائل بما يكفي؟

هل هذا النص متفائل بما يكفي؟



أريد أن أكتب شيئا متفائلا. شيئا جميلا. شيئا بإمكانه ان يبهج القارئ ويعطيه أملا في الحياة. وإذا كانت جملة (أمل في الحياة) هي مطلب كبير لِمَا يمكن لمنشور في الفيسبوك أو في مدونة أن يحققه، فإنني آمل على الأقل أن تمنحه كتابتي ابتسامة، أو بعضَ الطمأنينة الروحية حتى لو دام ذلك للحظات فقط.
أريد حقا أن أقول شيئا متفائلا، إيجابيا، مَرِحا إذا أمكن. لكن عن أي شيء سأتحدث؟ وكيف لفاقد الشيء ان يعطيه؟

العمر يتآكل، والصحة تتدهور -شاملا البصر ووظائف بقية الأعضاء المتأثرة بعدم القدرة على التحكم في مرض السكري-، والوضع المادي السيئ يتأزم، والمتعة تغيب عن كل فعل يمكن إتيانه.

الصداقات محبِطة، وجلسات أحاديث الليل شديدة الإضجار، وكان بإمكاني أن أفضَل عليها الإنشغال بهاتفي وتطبيقاته، لولا أن النت مكّلفة جدا، والجيجابايتات تنقرض بسرعة كبيرة. حتى الشراب الذي فيه بعض السلوى، فهو ينعشك من جانب وينخر بدنك من جانب آخر، ومن جانب ثالث فهو يثقب المحفظة. تبا!

القرض البنكي لا يبدو أنه سينتهي، والتأجيلات في الأعياد -التي لا يمكن الاستغناء عنها- تُضاعِف فترة السداد، وتطيل أمد العذاب والعَوَز المادي، وتؤجل مشروع التقاعد إلى أجل غير مسمى.

المغامرات العاطفية فشلت جميعها، كلها بسبب التربية الصارمة والخجل الشخصي اللذين تضافرا فأنتجا فردا مترددا، بل جبانا.

والسينما؟ السينما العظيمة موجودة. نعم ما تزال موجودة. لكن المرء لا يبدو أنه بات يمتلك الجَلَد الكافي للتعاطي مع فيلم لا يكشف أسراره للروح إلا ببطء وأناة. البصيرة والذائقة تلوثتا بقمامة هوليوود، التي تجعل سرعةُ إيقاعِ أفلامها الأمرَ سهلا على شخص مجهد لا يريد شيئا سوى أن يمضي الليل بسرعة وأن يقترب النوم.

حتى عروض دار الأوبرا السلطانية التي كانت سلوى عظيمة وكشفا روحيا أبهجني وأنعشني في السنوات الخمس الماضية، حتى هذه صارت بمنأى لأن الرغيف أولى من شراء تذكرة لعرضٍ فنيّ. حينما يكون الرغيف هو هم الإنسان الوحيد -بسبب بؤسه المادي-، فإن الشغف بالفنون يتراجع إلى ذيل القائمة.

ومع ذلك، فالمرء لا يزال تصله أربع جرائد محلية مجانية على طاولة مكتبه كل صباح. إنني شغوف بتصفح الجرائد، رغم أني أقرأ العناوين فقط، فليس لدي من الصبر ما أحتمل به قراءة التقارير الصحفية الطويلة. جرائد ورقية مجانية في المكتب، حسنا، هذا جيد لشخص لم يستطع أن يحب قراءة الصحف على جهاز إلكتروني. هذه من نِعَم الحياة الصغيرة. أليس كذلك؟

المرء أيضا قد نجا من حادث سير كبير وانكتب له عمر آخر. كل من رأى صور سيارتي بعد الحادث لا يزال مندهشا كيف خرجتُ منه حيا بالحد الأدنى من الإصابات. أنا ممتن لذلك حقا، ولكني في نفس الوقت ما زلت أعاني آثار الإصابات، مثل تيبس مفصل الكتف وآلامه وعجز اليد اليمنى عن أداء كافة وظائفها الاعتيادية، وكذلك تورم كاحل الرِجل اليمنى في موضع العملية، وهو التورم الذي يقول الطبيب أنه وارد وعادي أن يظهر ويختفي ثم يظهر مجددا في الستة الأشهر الأولى بعد الجراحة. إذن ما يزال لدي شهران ونصف أتصبر فيهما على تحمل هذا التورم. حسنا، طالما لم أصب بشيء فادح في الرأس أو الأحشاء نتيجة الحادث، فما زلت أقول بقناعة أن كل هذا بسيط وهيّن.

السفر يبدو مستحيلا، حتى إلى دولة قريبة وعزيزة على نفسي مثل البحرين. إنه صعب حاليا لوضعي الصحي، وصعب دوما لوضعي المالي. لكن السفر نفسه لم يعد يبهجني كثيرا كما كان الأمر في عشرينيات عمري. صرت بحاجة لرفيق للسفر، ولكن بالكاد لي رفاق وأنا قارٌّ في مكاني، فكيف أثناء السفر؟! لا الاستقرار يبهجني ولا السفر، فماذا أنا فاعل بنفسي يا إله العرش؟!

حسنا.. أعرف ما هو الحل. عليّ أن أملأ حياتي ببعض الأكشن. بعض الأفعال والأنشطة. عليّ، بدايةً، أن أتعلم الطباعة الصحيحة على الحاسوب لأتشجع للكتابة. لكي تأخذ أسطرا مثل هذه زمنها الطبيعي في الكتابة وليس ضعفيّ ما يستغرقه الآخرون في كتابتها. لعل الطباعة الصحيحة ستجعلني أكتب رواية (وماذا ستفعل رواية في مجتمع متخلف سوى أن ترسل صاحبها إلى المتاعب والتهلكة وربما غياهب السجون؟). عليّ أن أنظم حياتي وأعتمد أربعين دقيقة يوميا للمشي، فهذا سيفقأ عينيّ السكري—عدوي الأول. عليّ أن أنجح في التوقف عن تناول مدخَلات السكر والنشويات، وهو أمر أنجح فيه دائما كلما بدأته، لكنني لا أستمر طويلا. وعليّ قبل كل شيء، إذا أمكن الأمر، أن أجدا متعا أخرى غير مكلفة لتزجية الوقت، بديلا عن عاداتي الحالية المكلفة في الاستمتاع وتزجية الوقت. ولكن هل ذي البلد فيها شي الواحد يسوّيه؟

عليّ العودة للقراءة. هذا مهم للغاية. مؤكد أن فيها سلوى ومعرفة وفائدة. المهم تنظيم عناصر الحياة اليومية الأخرى حتى يمكن أن تتحقق فرصة القراءة. إنه لمن الحزن أن أقتني الكتب من معرض الكتاب سنويا ويأتي معرض جديد وأنا لم أفتحها بعد.

أظن أنني أريد حقا أن أفعل شيئا لصالح تغيير الحال الواقع إلى الأفضل. أعرف أني أريد التغيير بدلالة أني قاعد الآن أكتب هذه الأسطر. إنني أفكر مع نفسي الآن. أفكر بصوت عالٍ (رغم صمتي). على الأقل أنا أفكر. وأنا أفكر، إذن أنا موجود! ويا ليتني لم أكن موجودا!

28 January 2018

ماذا يعني لي أن أكون توأما؟





لي أخ توأم ليس له وجود إلا في ذهن أمي! كان اسمه راشد. توفي بعد أن أكمل حولا واحدا بأيام قليلة. ليس له صورةٌ ولا شهادةُ ميلادٍ باقية. لا أحد من إخواني الأكبر يتذكره، فقد كانوا أطفالا. ولأن أبي متوفى، فليس للطفل وجود سوى في ذاكرة أمي، ولا أسمع عنه سوى منها.

روت أمي أنها عندما كانت حاملا بنا قد حلمت أنها حامل بتوأم، وقررت تسميتهما طالب وغالب! لا أدري هل حدث هذا الحلم حقا، أم أنه قد تشكل لاحقا في لاوعي أمي بعد ولادتنا. إن الذاكرة خؤونة ولا ترتّب الأشياء دوما ترتيبا صحيحا. لا أعلم، على أية حال، لماذا تغيرت أسماؤنا من طالب وغالب إلى راشد وعبدالله!

ومع أن قلة عرفوا راشد شخصيا، لكن جميع أهالي بلدتنا كانوا يعرفون أن لي أخا توأما راحلا. أتحدث هنا عن أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، عندما كان الناس يعرفون بعضهم عن كثب، وكانت القرية كأنها بيت واحد كبير. أن أكون جزءا من أخوين توأم عنى هذا شيئا خاصا للقرية وطقوسها. كان ثمة اعتقاد أن التوائم لديهم بَرَكة خاصة، لذا كنتُ مطلوبا بشكل متكرر في طقسين، ولكني كنت قلما ألبي الدعوة. الطقس الأول هو التبول في فنجان بغرض استخدام بولي في علاج العيون المصابة بالرمد أو بمرض آخر. لقد طُلِبت -وأنا طفل- لأفعل هذا أكثر من مرة، واليوم أشعر ببعض الرثاء لمن تسبب بولي في حرقانٍ بعيونهم، وآمل أنه لم يتسبب بمضاعفات أخرى أكبر. الطقس الثاني هو طقس (المغبار)، وهو طقس لمعرفة سبب (الضر)، أي الضرر، الذي أدى لمرضِ شخصٍ ما. لا أتذكر الكثير من مشاركاتي في هذا الطقس. لابد أن عمري كان أقل من ثمانية أعوام. كان يتم إشعال نار عليها طنجرة بها ماء مغلي، ثم يُصب الرصاص المغلي فيها، أو ربما كانت الطنجرة للرصاص المغلي وبجوارها ماء بارد. لا أتذكر بالضبط، لكن ما أتذكره أن الرصاص الُمذاب يُسكب على الماء فيتشكل على هيئةٍ ما فور تجمده. هنا كنا نغني أهزوجة هدفها مساعدة الرصاص على التشكل. لا أذكر منها سوى جملة "كان طويرة تصوّري" (أي إذا كان سببَ الضر طائرٌ فلتتشكل أيها الرصاص على هيئته). كنا نردد أسماء مخلوقات وجمادات عديدة، ثم يقرر (الباصر) نوعية الهيئة التي تشكّل عليها الرصاص، وبذا يكتشفون سبب الضر الذي أدى لمرض الشخص الذي كان يقام المغبار طلبا لمعرفة سبب علته. بعدها يتم إقرار نوعية القربان المطلوب لرفع الضر، والذي يكون غالبا ذبح ديك ووضع بعض التمر في مكانٍ ما. كان التوائم مفضلين في الغناء في طقس المغبار، بسبب فكرة البَرَكة النابعة بدورها من الاعتقاد بوجود "نقاء" خاص يسري في أرواح التوائم. لقد كنت أكره طقوس المغبار كما كنت أكره التبول في فنجان، وكنت أتهرب دوما من أدائها رغم كثرة الطلب على خدماتي في أوساط أهالي البلدة.

هل عنى لي أن أكون توأما شيئا خاصا؟ مؤكد أنه عنى شيئا للبلدة وطقوس حياتها، وربما لوالديّ. بل عنى أيضا شيئا لخالتي التي كان لديها رضيع في نفس عمري أنا وأخي التوأم، وكانت تساهم مع أمي في إرضاعنا (إذن هنا شخص آخر يتذكر راشد إضافة لأمي). لقد رضعتُ من سيدتين، وما زلت أتساءل هل هذا في لاوعيي هو سر ولعي البالغ بالنهود وافتتاني الدائم بها؟ على أية حال، لا أظن أن كوني توأما قد عنى لي الكثير على صعيدي النفسي. الشيء الوحيد الذي أذكره هو الإحساس بنوع من الامتعاض الخفيف عندما تجيء أمي على سيرة أخي الراحل –على فترات متباعدة-. سبب الامتعاض أنها تكرر في كل مرة ما معناه أنه كان أكثر وسامة وعيونه أجمل. أو بالأدق، كان وسيما وأنا الزوج القبيح! مؤكد أن هذا ليس له أثر موعىً به في روتين حياتي اليومية، وأستبعد أنه يمثل شيئا عميقا لي في اللاشعور.

توفي توأمي بحمى شديدة وكان قد أكمل حوله الأول منذ بضعة أيام. مر رجل واقترح على أمي دواءً سيفيد في خفض الحمى. أعطاها فنجانا به ويسكي! سقته للطفل، فأمي لم تكن تعرف الويسكي ولا أعرف من أخبرهم لاحقا أن ذلك الدواء ما كان سوى خمرا محرّما. لن أزعم أن هذا سبب وفاة توأمي، فأمراض ذلك الزمن كانت كثيرة، وكان شائعا أن يموت الطفل قبل إكمال عامين. لكني أنتقم لك يا راشد من كل كحول العالم! هل كان الرجل متخابثا وقصد إلحاق الضرر بالطفل، أم كان حَسَن النية مؤمنا أن الويسكي علاج للحمى؟ لن أعرف الإجابة يوما لأنني لا أسعى لذلك. أنا لا أعرف أصلا من هو هذا الرجل ولا أعرف إذا ما كان ما يزال على قيد الحياة. إنها حادثة وقعت عام 1974 وسمعتها من أخي الأكبر الراحل، الذي لا شك أنه سمعها بدوره من والدي أو والدتي.

مرة في حدود عام 1996، كنتُ أعمل مدققا لغويا في صحيفة الشبيبة، وكان هناك رسّام صفحات من صعيد مصر. ذات جلسة، هكذا وبدون مقدمات، نظر إليّ وقال: "انته شِق توم". نطقها بصعيديته، قالبا القاف إلى جيم. ويعني كلامه "أنت أحد زوجَيْ توأم". اندهشت لهذا التصريح الفجائي منه. هذه معلومة لم يعرفها أحد حولنا ولم تكن هناك مناسبة لأحكيها. سألته بسرعة: "كيف عرفت؟". أجاب بما معناه أنه شعر بهذا بالحدس. بالحدس وحده. أتاه حدس فجائي بهذا الأمر! لا زلت أجد هذا غريبا، فهل هناك حقا إشارات يبعثها التوأم أنه تشارك بطنا واحدة مع إنسان آخر؟ أنا لا اصدق كل ما يقال عن التواصل الروحي بين التوائم، وأنهم يشعرون ببعض عن بُعد، عبر نوع من التخاطر الغريب. هذا بالنسبة لي محض هراء، واعتبرته دوما نوعا من الخرافات والخيالات. لكن من أين أتت لهذا الصعيدي فكرة أنني توأم؟ حسنا، في الحياة دوما ثمة أشياء غير مفسّرة. وعلى أية حال فقصة حدس أحدهم أنني "شِق توم" لا تعني لي سوى غرابة الموقف—لا أكثر.
كان لدينا جيران لديهم ابنان توأم. كان النظر إلى التوائم فيه شيء من الطرافة. إنها يتسببان في اللبس. وأحيانا أفكر من باب الدعابة أنه لو كان أخي راشد حيا وصار كبيرا، لربما أضفنا إلى هذه المدينة بعض المرح عبر اللخبطة التي كنا سنخلقها في أوساط أصدقائنا. تخيل أن يلتقيك أحدهم –في الحانة مثلا- ويكون غير واثق هل أنت ذاك الشخص الذي كان يبوح له بأسراره البارحة أم أنه الآن أمام شخص آخر. كان هذا سيجعل حياتي أكثر مرحا. لكن مهلا، لم نكن توأما متطابقا. كان أحدنا أكثر وسامة وبعيون أجمل. ولا أدري أكان الوسيم هو الأكثر سمرة أما أنا البدين. لكني كنت الأكبر حجما حتى منذ أن كان عمري عاما. تبا، حتى لو كان راشد حيا ما كنا سننجح في خلق المرح في محيط حياتنا اليومية. كان الأصدقاء سيميزون بيننا بسهولة لأننا لسنا متشابهَين.

منذ متى لم ألتقِ بأي توائم؟ منذ زمن طويل حقا. فعلا منذ أكثر من عشرين عاما. أظن أن عدد التوائم كان أكبر فيما مضى لسببٍ ما. أتذكر عدة توائم في بلدتنا، لكن هنا في مسقط لم يسبق لي الالتقاء بتوأم سوى أخوين لا أعرفهما معرفة شخصية، لكنهما يترددان على الأماكن التي تستضيف حفلات رقصة (السالسا). أمم، سيكون جيدا لو التقى المرء بفتاتين توأم. هنا قد تكون المتعة الحقيقية😜.

*كُتبت هذه المادة بناء على مقترح من الصديقة الكاتبة هدى حمد لتقديم شهادة عن ماذا يعني لي أن أكون توأما.


10 January 2018

شغفُ تاكو مساء الأربعاء: هواجسُ ليلةٍ شتوية

شغفُ تاكو مساء الأربعاء!


كان ثمة كلامٌ مُحْكَمٌ في رأسي، لكنه تبخر! كانت أفكارٌ تكتب نفسها في دماغي وأنا أقود السيارة. أتراني تأخرتُ على تدوينها؟

ربما أردتُ أن أتحدث عن لماذا حذفتُ الواتساب من هاتفي مؤخرا. إذا كان هذا هو الموضوع، فإنه بسيط. لقد حذفته لأن التفاهة التي تصل من خلاله قد تجاوزت الحد. ولأنه يذكّرني في كل مرة كم أنّ غالبية أبناء هذا الشعب مثيرون للرثاء بسذاجتهم في تصديق أي شيء، وغياب العقل الناقد عنهم، وتجذّر الجهل فيهم، وهي حقائق يسرني أكثر أن أتغاضى عنها وأن أتناساها. إضافة لكل ذلك، فأنا لستُ على استعداد للتواصل مجانا مع من أثبتوا أنهم يستخسرون إنفاق عشر بيسات في رسالة نصية يسألون فيها عن صحتي. هذا ما حدث عندما حذفتُ الواتساب: حذف الكثيرون أنفسهم عن التواصل! ما أرخص الإنسان عندما لا يساوي عند أصدقائه عشر بيسات.

لقد كنت أفكر (هئنذا أتذكر الآن) أنني فاقد للاستمتاع بشيء في الحياة. ليس لديّ حماس لإنجاز أي شيء أو الاهتمام بشأنٍ ما أو التواصل مع أحد. لكنني مع ذلك ما زلت أحب الحياة. إني أستغرب حقا من نفسي كيف أحب حياةً لا أجد فيها ما يُمتِعني! مهلا، ثمة ما أمتعني في الشهر الأخير. إنها وجبات التاكو التي تعرفتُ عليها عبر بوفيه مساء الأربعاء بأحد الفنادق الذي زرته صدفة. على أية حال فأنا لا أستطيع دفع قيمة بوفيه كامل لأجل قطعتيّ تاكو بالروبيان!

لستُ جيدا لا في التواصل الاجتماعي ولا في التواصل في العالم الافتراضي (عبر برامج السوشيال ميديا). إنني أفضّل التواصل بالبريد الإلكتروني أكثر عن أية وسيلةِ تواصلٍ أخرى (لولا أن بُطئي في الطباعة يُكرّهني في الأمر). أكره الحديث بالهاتف، وأفضّل التواصل مع الماكينات عن التواصل مع البشر.

لم أُتقِن شيئا يوما كما ينبغي. لا الإخراج ولا النقد ولا كتابة القصة ولا المقالة ولا المسرحية، ولا حتى إمتاع امرأة كما أشتهي (تبا لسرعة القذف). جرّبتُ من كل بستان زهرة—حتى أن أكون جناينيّا أزرع الطماطم والفلفل. لم أتقن إعداد طبخة واحدة، ولا برعت في استخدام الحاسب الآلي رغم تأليفي لكتاب عن أساسياته. والحق يقال أنني برعتُ في عبّ الجعة باستمتاع كبير قلّ نظيره على مدار سنوات وسنوات، لكن جسمي كافأني بالسكري تحية لهذا الشغف!

ربما لستُ سيّئا كأب لطفلتي الوحيدة، ولكن ليس في هذا سلوى كافية. حتى السفر الذي تمنيته، لا أستطيع إتيانه لضيق ذات اليد، وإذا فعلته فإنني دوما بلا رفيق (عدا عن استثناء لمرة واحدة). والصديقُ قبل الطريق، كما يقولون!

أأنا خذلتُ حسناواتي أم هنّ خذلنني؟ أأنا لم أعد أستمتع بالأفلام أم لم يعد هناك سينما جيدة؟ منذ متى لم أتعلم شيئا جديدا؟ منذ متى لم أكمل قراءة كتاب؟—وإذا فعلتُ فإنه لا يمنحني المتعة التي أبتغيها!

كنتُ مع مطلع كل عام ميلادي أسطّر حقيبةَ أحلامٍ أتمنى تحقيقها. لم أكن أحقق منها الكثير. لكنني منذ عامين لم أضع حتى رؤوس أقلام بشيء أريده. لم يعد لدي رغبة سوى في سير الأمور كما هي عليه. لم يعد لدي سوى حلم واحد، لكنني لا أعمل لتحقيقه. هو أن أتقاعد. لكن بديوني هذه فأنا مربوط بالوظيفة حتى يطردني منها يوما مديرٌ حديثُ التعيين في نصف عمري!

إنني لا أأسف على أي شيء فعلته أو لم أفعله، وهذه هي كارثة حياتي. كل الأمور متساوية عندي. المهم أن يمر الوقت بسرعة. الشيء الوحيد، الوحيد ربما، الذي أتمناه في هذا العمر، هو لو أنني لم أكن مصابا بالسكري. إنه مَخْزَنٌ كبيرٌ للشرور. مستودَعٌ للدمار. يدس أنيابه بخفاء في كل مفاصل الحياة فيدمرها بصمت. ولكن ماذا كان سيحدث لو أنني غير مصاب بالسكري؟ ماذا كنت سأكسب؟ حسنا، لا شيء، سوى المزيد من الطعام والجعة بلا قلق أو مخاوف! (وهل هذا بالشيء اليسير؟!)

أأريد شيئا حقا؟ أجل بالطبع. أريد أن تقول ابنتي ذات يومٍ -وأنا ببطن التراب أو ما زلت على سطح الأرض- أنه كان لديها أفضل أب في العالم. أريد أن أسافر وأستمتع. أن أعيش بلا قلق الديون. أن أشاهد فيلما يأسرني ويجعلني أرتعش. أن أشرب كأسي بلا قلق من سرطان قد ينجمُ عنه! حسنا، أريد أن يكون الشغف متجددا، بحيث يكون هناك بين الفترة والأخرى تاكو جديد أعشقه. لا عن التاكو أتحدث، ولكن عن شيء أشغف به كما يشغفني حاليا تاكو بوفيه مساء الأربعاء.

"ونحنُ نحبُ الحياةَ
إذا ما استطعنا إليها سبيلا".*



*محمود درويش

14 March 2017

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!*




*كٌنبت هذه المقالة بتاريخ 22 فبراير 2014، أي قبل 3 سنوات و 3 أسابيع من الآن! ونشرتها في وقتها في جريدة الرؤية التي كنتُ أكتب فيها مقالة أسبوعية منتظمة.
ولأن التاريخ المُشين يعيد نفسه، فأنا أعيد نشرها اليوم عبر رفعها في مدونتي.

سمعتُ باسم "نعيمة المقبالي" للمرة الأولى قبل نحو شهر من الآن، عندما وصلتني عبر إحدى برامج التواصل الاجتماعي تغريدة لها على تويتر تعرب فيها عن سخطها من شركة عمانتل بسبب بطء خدماتها في ولاية صحار. لستُ من كثيفي التواجد في برامج التواصل الاجتماعي، فلا ولع لدي بالفضائح و المهاترات، ولا أشارك الأدمغة المغسولة اهتماماتها الجوفاء، ويصيبني الغثيان من اللغة السوقية والمكسرة في معظم رسائل هذه البرامج، ولذا فلم أعر تلك التغريدة اهتماما كبيرا سوى أني وجدتها تعبر عن مواطن طفح به الكيل من تدني مستوى خدمات الاتصالات في بلادنا ورداءتها غير المبررة. لم أتصور أصلا أن نعيمة المقبالي شخصية حقيقية، فما أكثر من يتخفّون تحت أسماء فتيات في هذه البرامج من الشباب العصري الشجاع المغوار! ومع ذلك، أدركتُ أن وصول هذه التغريدة إلى هاتفي شبه المعزول عن عالم الفضائح يعني أنها قد وصلتْ سلفا لعُمان كلها، فأنا في العادة آخر من يعلم! وقد كان الأمر كما توقعت، إذ كانت رسالة الشابة نعيمة قد أشعلت التويتر و الإنستجرام وغيرهما من برامج التسلية الشعبية. في نفس يوم تلك الرسالة، التقيتُ بصديق له باع في مجال التواصل الاجتماعي، قال لي أن نعيمة شخصية حقيقية، وأنها سبق لها أن شاركت في مسابقة لملكات الجمال تمثل فيها السلطنة (لا أدري بصفة شخصية أم شبه رسمية)، وقال أنها فتاة تبحث عن الشهرة بأي ثمن. علّقتُ من باب الدعابة: "إذا كان الحال كذلك فسأصنع لها فيلما إذا كانت ستدفع جيدا. ههههه". وضحكنا وانتهى الأمر. ما اهتممتُ به في ذلك التوضيح من صاحبي –والذي ليس بالضرورة أن تكون جميع معلوماته دقيقة- هو أنني أمام فتاة متحمسة وفاعلة، فالمشاركة في مسابقة دولية لملكات الجَمال هو خطوة متقدمة لافتة للنظر في مجتمعنا المحافظ، وطالما أننا أمام فتاة خرجت عن المألوف فمن الطبيعي أن ينهش المحافظون لحمها حية. حسنا، لم أسمع بعد ذلك شيئا عن هذه الفتاة ولم أهتم للأمر مطلقا، إلى أن جاءتني نعيمة المقبالي مرة أخرى هذا الصباح إلى هاتفي.. هذه المرة لم تكن تغريدة، ولكنه مقطع فيديو للفتاة بشحمها ولحمها (مهلا.. هي ليس بها شحم. فهي مراهقة رشيقة). طيب: أهلا بك يا نعيمة؛ حللتِ أهلا ونزلتِ سهلا، ودعينا نعرف أسباب الزيارة!

مقطع نعيمة المقبالي الجديد المبثوث أصلا على موقع "كيك" keek لتبادل ملفات الفيديو، تحيي فيه متابعيها بعد طول غياب، وتعدهم بمفاجأة يوم الثلاثاء قبل مباراة عمان وسوريا. ولأنه لا علاقة لي بالرياضة من قريب أو بعيد –بدلالة وزني الزائد-، فلم أستطع أن أقرر هل المقطع جديد وهل هي تتحدث عن الثلاثاء القادم (25 فبراير)، أم أنه مقطع قديم وصل إلى هاتفي شبه المعزول عن العالم الخارجي هذا الصباح فقط؟ بالطبع ما زلت غير متأكد من الإجابة، إلا أنّ ما أثار انتباهي في أمر الظهور الجديد لنعيمة المقبالي شيئان. الأول: هو أنني أرى صورتها للمرة الأولى، ففي المرة السابقة –قبل شهر- كان ما وصلني مجرد تغريدة مكتوبة لا أكثر. هذه المرة أنا أمام مقطع فيديو مصور طوليا بطريقة خاطئة في الإمساك بالهاتف –كما يفعل كثيرون من الناس ممن أشعر بالشفقة نحوهم لامتلاكهم هواتف لا يعرفون حتى كيف يلتقطون بها مقطع فيديو سليما ومعدولا!-. إنها شابة صغيرة جدا. هي مراهقة حسب ما أظن. وكنت قد تخيلتها سيدة تخطو نحو أواخر العشرينيات من العمر (نظرا لشعبيتها وما قامت به من أعمال حققتْ لها هذه الشعبية). يالها من فتاة نحيلة تفيض حماسا ودافعية وتحديا. الأمر الآخر هو أنّ وصولها لهاتفي في مقطع جديد –حتى ولو كان قديما بعض الشيء ولكنه وصلني اليوم فحسب- فهذا يعني أن الضجة حول هذه الفتاة مازالت قائمة في مواقع "التراشق" الاجتماعي. إنّ أسطورة هذه الفتاة ما تزال حية، فكيف لها ذلك في مجتمع محافظ يحول كلَّ محاولة للخروج عن ربقة القطيع المتكلس إلى فضيحة؟ مجتمع يصنع قطاعٌ كبيرٌ من أفراده الفضائحَ ويعتاشون مُقتاتين عليها. إن هذه الفتاة تحمل اسم قبيلة محددة، ومع ذلك لازال بإمكانها الظهور في مقطع فيديو! ما أظن ذلك كان ممكنا قبل بضع سنوات، وأبناء جيلي يتذكرون المطربة العمانية الواعدة التي ظهرت على شاشات تليفزيون السلطنة في أغنيتين أو ثلاثا قبل أن تمنعها فحولة القبيلة من الغناء مرة أخرى! لا شك أنّ عمان تتغير مع الجيل الشاب سائرة نحو مزيد من العصرنة. إن مقطع نعيمة المقبالي الجديد في "كيك" هو مقطع عادي جدا في أي مجتمع حديث وفي عالم السماوات المفتوحة، لكنه بالنسبة لمجتمعنا لافت للنظر. هو لافت للنظر بالنسبة لي من حيث قدرة هذه الفتاة على رمي كل الهراء والتفاهات التي حامت حول تغريدتها عن عمانتل وراء ظهرها والظهور بابتسامة واثقة مجددا. لا أظن أن هذا سلوكُ شخصٍ "يطلب الشهرة بأي ثمن"، لكنه يبدو لي سلوكُ فتاةٍ واثقةٍ من نفسها وتعيش عصرها بمعطياته التي من ضمنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الذات وتحقيق الكينونة.

ولكن من هي نعيمة المقبالي؟ هل سيسعفني الـ يوتيوب في معرفة شيء آخر عنها غير التغريدة قبل شهر ومقطع الفيديو الداعم للمنتخب هذا الصباح؟ يا للهول! يا للسوقية! يا لعار الذكور والأشاوس والنشامى! كل هذا السب والسخرية والبذاءة كردود فعل على "تغريدة"!!.. ما أجرأ هذه الفتاة لتظهر مرة أخرى بكل هذه الابتسامة الودودة الواثقة أمام كل تلك البذاءات التي قيلت عنها—لا لشيء سوى أنها فتاة تريد الخروج من الشرنقة إلى الحياة الحقة. أنتِ فعلا ظاهرة ملفتة يا نعيمة الجريئة، وسيسرني من خاطري –لو أتيحت لي الفرصة- أن أصنع عنكِ فيلما تسجيليا لأن شجاعتك جديرة بالإعجاب. إننا حقا بحاجة إلى ألف نعيمة ونعيمة حتى يعود الشتّامون إلى كهوفهم، وحتى نُخْلِص لذواتنا وندفن هذا النفاق الاجتماعي المستشري في قبورٍ تليق به. لا يليق بالانغلاق والرياء سوى الكهوف، أما الأرواح الطليقة فلها أن تغرد عاليا وترى النور وتفرد أجنحتها في سماء الحرية التي استحقتها عن جدارة.



21 March 2016

ماذا بعد عودة معاوية الرواحي؟

السنة التي غاب فيها معاوية



أتيحُ لنفسي حق التأمل في موضوع عودة معاوية الرواحي للبلاد، بعد سنة قضاها في سجون دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن معاوية كان –قبل غيابه- قد تحول إلى شخصية عامة، بل إلى واحد من أكثر المؤثرين في تفكير الشباب. إنه بطل للكثير من طلبة وطالبات الجامعات. هو الأنشط –بلا منازع- في وسائل التواصل الاجتماعي. هو الأكثر تهورا إنْ شئت. والآن وقد عاد هذا الشاب ذو الشعبية الكبيرة، ما المتوقع من قبل شخصية عامة كمعاوية أن يتصرف بعد عودته للوطن؟ هل سيعود إلى سابق عهده في نشر الموضوعات الساخنة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل سيسمح له أهله أن يعرّض نفسه للأذى مرة أخرى؟ هل سيترجل بطل الشباب عن صهوة وسائل التواصل الاجتماعي فيحبط مريديه الذين صلّوا لأجله طوال عام وأشعلوا الشموع لعودته؟ ولكن.. أكانت تلك بطولة مستحقة، أم مجرد ظاهرة ربما كان على هذا الشاب المتعدد الاهتمامات أن يعتبرها مرحلة عمرية عليها أن تنقضي؟ بل، ألم يكن كل ذلك ظاهرة مرضية لها علاجها الذي ظل معاوية الرواحي يرفض أن يتعاطاه؟

منذ أن عرفنا معاوية الرواحي، وحتى قبل أن نعلم أنه مريض بمرض يدعى "اكتئاب المزاج ثنائي القطب"، عرفناه شعلة من النشاط. متعدد الاهتمامات لدرجة التضارب أحيانا—كأنْ يعطي موعدا لخمسة أشخاص في نفس الوقت في خمسة أماكن مختلفة، وفي نهاية المطاف يدخل معاوية في النوم –بسبب عبثية حياته- ولا يلتقي أحدا! كنا نتقبل ذلك منه ونعتبره جزءا من شخصيته "المتنعشلة". لكن مع السنين تغير الأمر كثيرا. صار معاوية أكثر نشاطا لدرجة غير طبيعية بالمرة، وقد ترافق ذلك مع ازدهار الفيسبوك و تويتر وزيادة انغماس الناس في عالم وسائل التواصل الاجتماعي. أصبح معاوية غزير الانتاج لدرجة لا يمكن فيها متابعة كل ما يكتبه ويصوره بالفيديو من موضوعات. فهناك منشورات للفيسبوك تصل من الطول أحيانا إلى درجة لا يستطيع الفيسبوك أن يرفعها، فيلجأ معاوية إلى مدونته لينشرها. وهناك مقاطع فيديو على اليوتيوب بالساعات في الأسبوع الواحد. و هناك قصائد على الواتساب، و سيل من التغريدات في تويتر. و هناك أكثر من حساب بالفيسبوك–لأن الخمسة آلاف صديق التي يتيحها الفيسبوك للفرد الواحد لم تكن كافية لمعاوية الرواحي! كان هناك شاب مفرط الحماس متعدد الاهتمامات يقود معارك على جبهات شتى: لمناصرة قاصة شابة استأسد عليها جيش من الظلاميين، أو للقيام بهجوم موجه ضد كاتبة هزيلة مستفزة تكتب ما تسميه "قصف جبهات"، أو لفضح خرافات رجل دين لم أكن شخصيا قد سمعت به قبل حملة معاوية الرواحي ضده. ما لم نكن نعرفه أن هذا التصاعد المحموم الحاد في نشاطات معاوية الرواحي كان نتيجة للمرض الذي يعاني منه. إنه مرض غريب. وكما يحمل اسمه فهو مرض له قطبان. القطب الأول يمكن أن يُدخِل صاحبَه في نوبات اكتئاب حادة قد تصل إلى مراحل يؤذي فيها الشخص نفسه. وهذا كان يحصل لمعاوية. والقطب الثاني كان يمنح صاحبَه طاقة هائلة وحماسا خطيرا، وهنا كان معاوية يتألق. لم تكن جماهير معاوية المتنامية تعرف شيئا عن كل هذا. إلى أن وقعت الفأس في الرأس بتدوينة نشرها معاوية لم ينقذه منها إلا تسامح السلطة وجهود والده، وقد كان من تلك الجهود أنْ نشر والده لأول مرة للعلن الحالة الصحية لمعاوية والشهادات الطبية التي تثبت حالته النفسية.

الأشهر الستة السابقة لاحتجاز معاوية الرواحي كانت أشهرا من النشاط المحموم في حياة هذا الشاب. كان الأمر قد وصل إلى الفوضى العارمة. كانت هناك حرائق يشعلها باستمرار في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولمن عرفوه عن قرب كانت هناك أشياء مخيفة تجري في حياته الشخصية كردود فعل لمرضٍ يرفض صاحبه أن يتناول أدويته. كانت تمر الأيام بلا نوم لدى معاوية، وفي ظروف كهذه يضطرب الدماغ ويفقد المرء السيطرة على الأمور. في مثل هذا التصاعد المرضي جاءت مسألة تهديد معاوية العلني عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي بقتل الكاتب الطبيب حسين العبري بزعم أن الكاتب قد أفشى أسراره الطبية. في هذه المرحلة بالذات كان معاوية لم يعد شخصا مأمونا، حتى بالنسبة لأصدقائه. لعله كان يقترب من الشيزوفرينيا، حيث يمكن لاكتئاب المزاج ثنائي القطب أن يتحول إلى شيزوفرينيا في الحلات المتطرفة للمرض. حسنا.. هنا حدثت مفارقة شديدة الأهمية. لقد ابتدأ معاوية الرواحي يدرك أنه مريض، وبدأ يذكّر الناس بمرضه وألا ينظروا إليه كبطل. كان ذلك على الأقل ما تقوله كلماته، لكنه كان على أرض الواقع ماضيا في التصرف كبطل. أما جماهيره المفتونة به فقد تجاهلت تحذيراته وبدأت تتجه أكثر فأكثر إلى الذوبان فيه والتماهي مع حالته. لقد ظهر لمعاوية مقلّدون في أسلوب كتاباته. وصار هناك جيل من كتاب الفيسبوك يتفاخر بالإعلان أنه مكتئب ويكتب منشورات مليئة بعبارات مكتئبة. لقد أضحت الحالة المرضية حالة مقدسة. صار الأمر مخيفا، فالمدون الذي يرتكب جريمة قانونية وهي التهديد بقتل أحدهم يصبح بطلا في عيون جماهير توقفتْ عن التفكير. جماهير من الشباب المنقاد تبحث فقط عن البطل لتتبعه، ولم تلتفت يوما لتحذيرات هذا البطل أنه لا يريد البطولة. لقد انتبه معاوية أنّ شعار "#الحياة_هجلو" الذي وضعه عنوانا لفلسفته في الحياة لم يكن إلا شعارا اكتئابيا؛ فالحياة عمل و أمل وليست مجرد تجزير للوقت. لكن جماهير معاوية المتحمسة بإفراط لم تصغِ مجددا لتصحيح المسار الذي أراد الكاتب الشاب أن يقود إليه. على مستوى شخصي لي، كنت قد توقفتُ عن متابعة معاوية الرواحي في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة قبل احتجازه في سجون الإمارات بنحو ثلاثة أشهر. تلك الفوضى النارية كانت مخيفة، ومزعجة. لم أتوقف عن اعتبار معاوية صديقا، وكنت قد زرته في شقته قبل السجن بأيام بسيطة، ورأيت -ما سأحتفظ بتفاصيله كصديق- ما يعبر عن المقدار الذي وصلت إليه حالة التشوش الصحي والمعيشي لدى معاوية. كنت أعرف –ببساطة- أن شيئا سيّئا سيقع. كان معاوية الذي يزداد بطولة في عيون الشباب، يدخل أكثر فأكثر إلى حالة من التشوش الذاتي. كان كل شيء متوقعا (إلا السجن بدولة الإمارات). أغلب التوقعات كانت بأن تحجر عائلة معاوية عليه لأنه كان قد أصبح مؤذيا لنفسه، أو أن يرتكب حماقة في منشورٍ ما يدخل بسببه سجون البلاد. كان معاوية قد وصل إلى مرحلة لابد أن يحدث معها شيء، فهو نفسه لم يكن قد أصبح يطيق نفسه. مرة يتحول لمعلم رياضيات وتصبح مهنة يجني منها المال. ومرة ينهك جسده ليتعلم إشارات موريس في يوم وليلة ويكتب بها منشورات في الفيسبوك. ومرة يتحول إلى جراح يشرح كل يوما قطة أو حيوانا صغيرا، وهو الشاب الذي يخاف بالأصل النظر إلى قطرة دم. لقد أخذ معاوية جسده إلى أقصى طاقة المرونة بحيث كان الجسد ينتظر لحظة الانهيار. وفي مغامرته الأخيرة كان قد تحول إلى صانع للشموع، وهي تقليعة مرضية تحولت بسببها نساء متزوجات إلى مراهقات بائسات مثيرات للشفقة. قبل سجن معاوية بيوم واحد كان معاوية بالونا لابد أن ينفجر، وكنا –أصدقاءه الذين نحبه، وليس مريدوه العميان- نسأل الله اللطف بالقدر وليس رد القدر.

الآن وقد عاد معاوية، ما الذي يمكن أن يحدث؟ هناك عائلة تخشى على ابنها، وقد تخشى عليه كثيرا لدرجة إبعاده عن العيون كافة. لن ينجح هذا مع شاب بالأساس هو مبدع حيوي و نشيط: مدون وقاص وشاعر ومتفاعل مع قضايا المجتمع. وهناك على الضفة الأخرى جماهير تنتظر قائدها الذي لا ترى سوى هالته، لكنها لا تعنيها آلامه وتمزقاته. ولكنّ هناك طريقا ثالثا، اسمه أخذ الدواء بانتظام.

في غياب معاوية الرواحي فقدنا بطلين شعبيين حقيقيين لم تصنعهما جماهيرٌ تقدم أبطالها كقرابين نيابة عنها، ولكن صنعهما حب الوطن والإخلاص له. فقدنا الراحلَين الكبيرين علي الزويدي و حمد الخروصي رحمهما الله. والآن يعود إلينا معاوية الرواحي، الشاب الذي كان يمكن أن يكتب خلال الفترة التي غيبه فيها السجن عدة مؤلفات بين الشعر والقصة والتدوين. لقد حُرِم معاوية الرواحي سنة كاملة من أن يشارك بآرائه في مجريات الحياة العامة في البلاد، والآن تعود إليه الفرصة –لو تعامل معها باتزان- لينسى الجماهير العريضة التي كادت أن تورده مورد التهلكة، ويصغي لصوت المبدع في داخله. صوت الشاعر المطبوع، والناشط الإعلامي الذي ساهم منذ تأسيسه لمهذونته قبل نحو 8 سنوات في تنشيط الإعلام الإلكتروني في بلادنا والتأثير فيه. لن أزعم أن علي الزويدي و حمد الخروصي كانا بلا جماهير في حياتهما. لقد كان هناك جمهور هادئ، لم نره بوضوح إلا في جنازة كل منهما، حين انسابت الدموع الصادقة لفقدهما والدعاء للرب بالغفران لهما وبجنة الخلد. كان ذلك حبا صادقا. هذا جمهور لم يسع المرء إليه، ولم يعبأ به في حياته. كان يحصل كتراكمٍ طبيعي يتحقق بمقدار ما يكرس المرء نفسه للإخلاص لوطنه وقضاياه. أما العائد معاوية الرواحي، فعلي كصديق أن أقول أنه ليس بحاجة لهذا النوع من الجمهور الذي يحيط به، فهو بحاجة أكثر لصداقة الشعر والأدب والفن، وإلى تلك الفئة القليلة النبيلة من أصدقاء الواقع الذين يحبونه بصدق. أولئك الذين سيقولون لك يا معاوية: رجاء، لا تنس أخذ أدويتك، لأنك بصحتك الجيدة تستطيع أن تفعل أكثر وأفضل بكثير مما يفعله المرض بك و بنا.

22 February 2016

لقاء الغريب بالغريب

لقاء الغريب بالغريب


من أجمل المتع في الحياة، هي تلك الصدف النادرة التي تجعل غريبين –أو أكثر قليلا- يلتقيان على طاولة واحدة، ثم سرعان ما ينشأ بينهما حوار حميم. حوار يبدأ بشيء من الفضول، ثم يتطور للحديث عن شؤون خاصة. عن وجدانيات وآراء لا يبوح بها المرء كل يوم. وبدون أن يدرك المتحاوران كيف حدث هذا، يذهب الحوار بغير تخطيط إلى كبد الحقيقة. يصل إلى البوح والتقارب. فجأة يصبح هذا الغريب الذي التقيناه صديقا—كما لو أننا نعرفه بعمق من عدة سنوات. لربما نبوح له عن دواخل أنفسنا وأسرارنا بأكثر مما يعرفه عنا أصدقاء عايشناهم لسنوات. أحب أن أسمي هذا النوع من اللقاءات بلقاءات البحارة في الحانة. حانة ميناء. لعلها صورة أستمدها من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز.. حيث يلتقي البحّار المخضرم بطالب شاب، ويعرض عليه ثلاثة قروش مقابل أن يوافق الطالب على سماع الحكاية التي سيقصها عليه البحّار. حكاية مليئة بتجارب الحياة والسفر والموانئ والنساء والصراع مع الأمواج. أسميه لقاء البحّارة لأن البحارة يرتحلون من ميناء لآخر. وفي محطاتهم القصيرة على اليابسة يجمعهم دفء شراب (الروم) وحميمية الحانة، حيث تنشأ الصداقات وتنتهي. حيث البوح يأتي بلا مقدمات. حيث يعيش المرء عمرا كاملا صاخبا في ليلة واحدة، يسرد حكاية حياته لشخص غريب كمن يشرب ثمالة الكأس الأخيرة، لأنه يعلم أنه لن يلتقي بذاك الغريب مرة أخرى.

كم أحب لقاءات بحارة الموانئ. لا أعني البحارة حرفيا، لكني أقصد أيّ غريبين يلتقيان صدفة لسويعات فتنشأ بينها صداقة عجيبة في جلسة واحدة، ثم يفترقان إلى الأبد. أنا ملّاح مثلهم، ولي موانئي المؤقتة. ولدي حكاياتي التي لا أخبر بها إلا العابرين، الحكايات التي تقال كاملة لشخص لن ألتقيه مرة أخرى. تحدث صدفة لقاء البحارة غالبا في السفر. عند مَشرب على الرصيف، أو مقهى على ضفة نهر. تحدث غالبا عند السفر، في مَواطن لا نعرف فيها أحدا، لكننا جئنا إليها من مواطننا بحب كبير حين اخترنا الترحال إليها. مَواطنُ نحن مستعدون أن نصادق ناسها وأشجارها ونسمات هوائها ونادلاتها اللطيفات. مستعدون لنآخي غرباءها الذين هم ملّاحون مثلنا، مسافرون لاكتشاف شيء جديد وتجربة شيء مغاير. إننا –عند السفر- جميعنا بحّارة. جميعنا لدينا حكاية نود أن نتشاركها، و سرّ أجّلنا البوح به حتى نلتقي بالغريب المناسب. وحين نعود لأوطاننا فإن تلك الصداقة العميقة العابرة التي دامت ليلة واحدة تكون هي أفضل ذكرى نأخذها إلى مخادعنا من ذلك البلد.

لكن السفر ليس مطلبا ضروريا للقاء البحارة. بل إنه لا ضمانة هناك أنّ السفر سيقدم لناء بالضرورة فرصة لقاء الغريب بالغريب في جلسة بوح حميمة. يمكن أن لا يحدث ذلك في السفر، كما يمكن أن يحدث لقاء الغرباء في موطنك الأم. كل ما عليك هو أن تكون مُشْرَعَا لتكون حضنا للآخر إذا احتاج إليك. أن تصغي له بانتباه. تشاركه تجربته. تطلب منه تفاصيل أكثر. وإذا كانت فتاةً جاشت بها الذكرى وهي تبوح بمشاعرها، فليكن حضنك هذه المرة حقيقيا لا افتراضيا. لعل هذا الحضن يكون الترياق الذي يحتاج إليه كلاكما حتى يتعافى من بعض وعثاء الحياة.

لقاءات البحارة قليلة. والمحظوظون السعداء هم مَن يحصل معهم الأمر مرة كل سنتين أو ثلاثا. ولقد كنت أحدهم أكثر من مرة، في السفر وبلا سفر. لن أستطيع أن أصف النشوة التي تملأ نهاري التالي عقب كل مرة ألتقي فيها بغريب أتبادل معه البوح الحميم. البارحة مثلا‘ كي لا أذهب أبعد، كيف تسنى لكل ذلك المرح أن ينشأ فجأة بيني وبين الزوجين البريطانيين اللذين التقيتهما صدفة، وانتهى بي المطاف أسوق بهما مسافة طويلة مُقلّا لهما لمنزلهما، لأن الصداقة التي تكونت بيننا في جلسة واحدة جعلتني لا أقبل أن يستقلا سيارة أجرة كالغرباء. يا إله العرش! بضع ضحكات ورشفات من إكسير متبادل جعلتنا أصدقاء في ساعة! ما أعظم موانئ البحّارة!

وهل أنسى الفتيات اللاتي فتحن قلوبهن لي، وطهّرن قمصاني بمدرار دموعهن وهن يسردن لي عن خيانات الأحبة وقسوة الزمن؟ وتلك التي باحت بأسرار لن تعرفها عنها يوما أمها، كما لن يعرفها زوجها. وأنا الذي تركت العنان لروحي لتسرد فصولَ أفراحٍ وأتراحٍ، عن رغبات مكبوتة تارة، وعن حب موؤود، وعن اشتهاءات شبه آثمة، وعن رغبة عارمة في احتضان الكون بأجمعه، وأحيانا عن فانتازيات وظلال تسكن كهوف النفس. فكان هناك من يصغي إلي بلا توجس أو إدانة. بل كان هناك من يبادلني بوحا ببوح، وحكاية بحكاية، وكأسا بأخرى، وربما دمعة بدمعة أو ضحكة بضحكة. ما أجمل البحارة في موانئهم العابرة!


قد لا نلتقي بالملّاح الذي بحنا له بكل شيء حميم في حياتنا مرة أخرى. لعلنا في لاوعينا لا نتشجع للبوح إلا لمعرفةٍ دفينةٍ في قرارات نفوسنا بأننا لن نلتقي هذا المسافر المرتحل مرة ثانية. لكننا أحيانا نلتقي بالملاح مرة أخرى. نلتقيه ونحن نعلم أننا نلتقي بصديق حميم. قد لا نأتي على ذكر ما بحنا به في أول لقاء، لكننا سندرك دوما أن ذاك اللقاء الأول كان السر وراء صداقتنا هذه. سنلتقي مرة أخرى ونضحك ونتناقش في أمور كثيرة، لكنّ كل واحد منا سيحمل حنينه السري الخاص به إلى لقاء الغريبين اللذين كنّاهما ذات يوم، ذات سويعة آفلة. الغريبين اللذين التقيا في حانة ميناء الحياة. ما أجمل الغرباء، ما أجمل حاناتهم وموانئهم!

*الصورة أعلاه هي لقطة من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز