17 February 2015

حياة مملة

"أنا متمللة.. ساعدني"

إلى (ملكة الثلج).. أول خيوط الوصل



-مرحبا. مشغول؟
-لأ.. تفضلي
نصف دقيقة صمت.. ثم تابعتْ: ملل.
ثم نصف دقيقة صمت حتى سألتُها: اليوم ولا كل يوم؟
-كل يوم تقريبا.
كانت هذه البداية الحقيقية لأول حوار أجريه بماسنجر الفيسبوك مع شابة عمانية لا أعرفها. شابة ضمن قائمة أصدقائي بالفيسبوك تكتب باسم مستعار. لم يكن هذا منذ زمن طويل، فرغم أنني في الفيسبوك منذ عام 2008 إلا أن عدد أصدقائي هو 87 شخصا فقط، ولم أجرِ حوارا مع أحد لا أعرفه حتى حدوث ذلك الحوار الذي تسبب به وجود فتاة ملولة، فتاة رغبتْ بالتواصل معي بدافع الملل، فكانت أولَ شخصٍ لا أعرفه شخصيا يتواصل معي عبر ماسنجر الفيسبوك. ما حكايتُكَ أيها الملل؟ ولماذا الكل يشكو منك؟ مهلا.. هل هو الكل فعلا، أم البعض؟ وهل هناك فئة عمرية معينة هي الأكثر ضجرا؟

بالنسبة للكثيرين، ما الحياة إلا رحلةُ تجزيرٍ للوقت. قتلٌ له بالمسليات والمُلهيات. ليس بوسع الكائن البشري أن يكون دائما قبطانُ وقتِهِ، بمعنى أن يكون المسيطر والمتحكم دائما في يومه وساعاته. ثمة بشر لم يحددوا هدفا معينا لحياتهم يسعون وراءه، هؤلاء هم الغالبية العظمى من الناس في كل الثقافات. كل صراعهم مع الحياة هو صراع مع كيفية تمرير الوقت والحصول على بعض المرح والتسلية. هل هؤلاء سعداء أم ملولون؟ وهل السعادة هي عدم الشعور بالملل؟ لنرجئ قليلا التفكير في هؤلاء لنتساءل بشأن تلك القلة من الناس الذين حددوا هدفا صارما لحياتهم، سواء كهدف مرحلي مؤقت أو كهدف عام دائم. هل هؤلاء أقل وقوعا في شِراك الملل؟ مثلا الطالب الجامعي الذي يقرر التفوق ويضعا هدفا رئيسيا له، أو الموظف الذي يريد صعود سلم النجاح بسرعة، هل كل حياة هؤلاء هي مطاردة لذلك الهدف واشتغال على تحقيقه؟ بالطبع الأمر ليس هكذا قطعا، ففي الـ 24 ساعة هناك الكثير من الوقت الذي يقضيه المرء بعيدا عن مطاردة هدفه الأسمى. الطالب الجامعي لن يذاكر طوال اليوم، ومهما ذاكر فسوف تتبقى له سويعات من يومه تحتاج لِأنْ يملأها بشيء. العامل الساعي للتمكين الوظيفي هو أيضا لديه ساعات طويلة عليه أن يقضيها خارج محيط العمل، فماذا هو فاعل بوقته؟ إنه مهما كانت شخصية المرء من حيث امتلاكه هدفا يطارده في حياته أو كونه شخصا قد ترك الأيام تسيّر مصيره، ففي نهاية المطاف هناك وقت كبير لابد أن يشغله المرء بشيء. هذا الوقت الكبير هو ما يُوجِد الأرضية الخصبة للإحساس بالملل.

تتفاوت أنصبة الناس من الملل بتفاوت ظروف حياتهم، وباختلاف تركيبتهم الشخصية وحساسيتهم الذاتية تجاه هذا الأمر. هناك أفراد تشغلهم عائلاتهم ويحبون دوما التواجد بين إخوانهم وأقاربهم، يتجاذبون الحديث والضحكات وينشغلون بما يشغل بال الآخرين ويتفاعلون مع أهم أحداث حياتهم. لهؤلاء –بصفة عامة- فرصة أضعف في الشعور بالملل، ومع ذلك فإن فيهم من سيشعرون به بمجرد اختفاء غلالة الانشغال الاجتماعي تلك وخلو المرء إلى نفسه. ومنهم من لن يشعروا بالملل، فإذا انفض الأقارب كان هناك التليفزيون، أو القراءة، أو كرة القدم، أو النوم، أو وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة للجزء المتبقي من يومهم.

يتراءى لي –في تقديري الشخصي للأمر- أنّ المراهقين، وطلبة الجامعات، والموظفين الجدد، هم أكثر الأشخاص شعورا بالممل. فلنقل إذن هم الأشخاص في الفئة العمرية بين 14 و 28 سنة تقريبا. ليس صعبا أن نفكر لماذا يشعر هؤلاء بالملل أكثر من غيرهم. إنها هرمونات النمو التي تجعل المرء مليئا بالطاقة، مثلما هي روح الشباب التي تجعل الذهن راغبا في الانشغال الدائم بإنجاز شيءٍ ما والتوق الواضح إلى التغيير. من تجاوزوا تلك الأعمار يشعرون بالملل بدرجة أقل غالبا، فمعظمهم تكون لديهم حياة اجتماعية لها التزاماتها ومتطلباتها ومشاويرها المتعددة التي لا تُبقي لديهم أصلا وقتا حتى يشعروا فيه بالضجر، ولديهم أيضا طموح تحسين الوضع المالي الذي يضطرهم لقضاء ساعات عمل طويلة في أكثر من وظيفة أحيانا، ولديهم رفاق ثابتون يلتقون بهم بين وقت وآخر، وتلك هي متعتهم الأهم. إن المفارقة هي أنّ أفراد الفئة العمرية بين 14 و 28 سنة، وعلى الرغم من تمتعهم بعدد أكبر من الزملاء والرفاق حولهم، فإنهم يبدون الأكثر تبرما وضجرا. لماذا؟ لأن رفاقهم مثلهم يشعرون بالضجر! ما الذي يفعله طالب المدرسة بعد عودة رفاقه إلى بيوتهم؟ ما الذي يفعله طالب الجامعة في الفراغ بين محاضرتين، وبعد عودته للبيت، وفي عطلة نهاية الأسبوع؟ ما الذي يفعله الموظف المغترب من إحدى الولايات في مسقط بعد انتهاء ساعات الدوام؟ جميع هؤلاء يبحثون عن طريقة لتجزير الوقت ويستغيثون من وحش متربص بهم دوما اسمه الملل.

أحاول استعادة فترة مراهقتي ودراستي في الجامعة، أي أنني أتكلم عن العشر سنوات بين 1985 و 1995—سنة تخرجي من الجامعة. هل كنتُ أشعر بملل شديد؟ هل كان من حولي يستغيثون من الملل بنفس الحدة التي يتشكى فيها الشباب اليوم من الملل، وبنفس المقدار الذي دفع تلك الشابة لتفتح دردشة إلكترونية مع شخص غريب فقط لتهرب من الملل؟ لغاية عام 1986 لم يكن لدينا هاتف ثابت بالبيت، فقد وصل الهاتف تلك السنة. ولعل الكهرباء الحكومية قد سبقته بثلاث سنوات تقريبا. اما الهاتف المحمول فقد ظهر في نوفمبر 1996. لقد كانت سنوات ليس فيها مجال لتزجية الوقت بأي شيء من معطيات التقنية الرقمية المتاحة حاليا. لم يكن هناك إلا التليفزيون بقناتين فقط، عمان وأبوظبي! لقد كنت شخصيا مراهقا منطويا إلى حد ما، وأحب القراءة والكتابة، ولو تركت الحديث عن نفسي وتحدثت عن أقراني الذكور فقد كانوا يتميزون عني بلعب كرة القدم عصرا وهو ما لم أكن أفعله. عدا ذلك فقد عاش الجميع حياة متشابهة تقريبا في كل شيء، ولم تمر على أسماعي وقتها كلمة "ملل" إلا نادرا جدا. كنا نقضي معظم الوقت داخل بيوتنا مع عوائلنا الكبيرة العدد، تتخلل الوقت زيارات الجيران والأقارب، ونقضي وقتا نستمتع فيه بالمسلسلات والأفلام المصرية والمسلسلات الأجنبية المترجمة وبرامج المنوعات. وننام مبكرين. ورغم أننا شباب تحركنا نفس هرمونات النمو ونتمتع بذات الطاقة للعمل والتوق للتغيير وروح التمرد التي يتمتع بها شباب اليوم، إلا أننا كنا أقل ضجرا بكثير مما يعانيه جيل اليوم. لماذا يا ترى؟ أود لو أنني أترك الإجابة مفتوحة ليبحث عنها كل قارئ في حياته الشخصية وحياة المحيطين به، لكني لا أستطيع أن أتجاهل ما أراه واضحا بخصوص دور "العالم الافتراضي" في حياتنا المعاصرة في تعزيز الشعور بالملل.

في الماضي كانت لنا حياة واحدة، هي حياة الواقع. لم نعرف سواها. اليوم لكل منا حياة واقعية وحياة واحدة عالأقل افتراضية، ولربما عدة حيوات افتراضية لمن لديه عدة حسابات في الفيسبوك وتويتر بأسماء مستعارة. نستطيع اليوم قتل الوقت في حياتنا الفعلية بنفس الطرق التي كنا نمرره بها قبل عام 2000، ولكن كيف نقتل وقتا افتراضيا في حياة افتراضية؟ هذا هو التحدي الأكبر. جذر المشكلة هو أننا نسعى اليوم لتجزير الوقت باستخدام هاتفنا المحمول وتطبيقاته المختلفة، ونكاد لا نملك وسيلة أخرى لفعل ذلك. لقد اخترنا الأمر على هذا النحو. اخترنا أن نفكر في الوقت الافتراضي فقط، وهو وقت مراوغ لأنه ليس من لحم و دم. والصراع معه غير متكافئ لأنه ليس بوسع آدميّ أنْ يقتل شبحا، والنتيجة هي استشراء الملل. مهما زاد عدد أصدقائنا الافتراضيين في الفيسبوك فليس من بينهم شخص متاح لنلتقيه على فنجان قهوة أو نذهب معه للسينما. وطالب الجامعة لن يذهب بين المحاضرات ليبحث عن كتاب في المكتبة، لكنه يجوجل الكتاب ليحصل على نسخة إلكترونية، أو يكتفي حتى بتصفح جديد الانستجرام ولا يفكر حتى بالكتاب الإلكتروني. وزميله العاشق الخجول لن يتصيد اللحظات حتى يجد فرصة مناسبة لفتح حوار مع زميلته الحسناء منتظرا لحظة التعارف التي طالما تطلّع إليها، ولكنه سيضيف تلك الفتاة –والعشرات مثلها- إلى قائمته في الفيسبوك—إنْ لم يكن كلاهما اختار معرّفا لا يتضمن اسمه الحقيقي، وصورة هي أفتار لا يمثلهما! حين تختار العالم الافتراضي ميدانا لمعركتك فأنت قد اخترت معركة افتراضية، ولا أمل لك في الفوز فيها. إذا سعينا لقتل الوقت في العالم الافتراضي، فعلينا أن ندرك أننا لن نجني سوى عكس ذلك: إننا نعطي الوقت الافتراضي الفرصة الذهبية كي يقتلنا. إننا نزرع الملل ونحصد الملل، وبين الغرس والحصاد عمر ينقضي في رعاية الملل والعناية به وهو ينمو ويتغول حتى يستل أنفاسنا ويخطف أعمارنا في العالم الواقعي—وليس الافتراضي!

02 January 2015

رغائب سنة جديدة

رغائب سنة جديدة


هذه الليلة أنا مستعدٌ لالتهامِ تمساحٍ حيّ كاملٍ بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة!
مستعد ﻷسامح زوجة خائنة.. وﻷغوي زوجا بالخيانة!
مستعد ﻷقطع الصلة بنديم أعرفه منذ 15 عاما؛ ﻷنه لن يصبح يوما صديقا قط.
مستعد لأجلد طيز حبيبتي بالكرباج، بتدرج وشبق.. إذا أقسمتْ أنها ستبادلني المِثل؛ ولكن بقسوة لامتناهية.
مستعد ﻷهشم البطيخات بلكمات من قبضة يدي. وأن أفقأ حتى عيون العميان، فما حاجتهم لها؟
مستعد لقطع ذيل ضب.. فتُنتهك كرامته، ويسَمِّم نفسه من الداخل حتى الموت. أتوق ﻷرى أحدا يموت بكرامة.
مستعد أنا الليلة لقطع ذيل سحلية؛ ﻷراها تفلت من قبضة الكراهية.  وأرى ذيلها ينمو مجددا، هازئا بي.
مستعد الليلة ﻷعلّق امرأة من حلمتيها بمروحة الغرفة.. غير أنني لن أدير زر التشغيل.
مستعد لإحراق صالة سينما، وإنقاذ شريط سينمائي واحد ﻷنه بالأبيض والأسود، أو ﻷنه صامت.
مستعد الليلة ﻷهجر كل الصديقات إذا رفضن أن أمزق سوتياناتهن وأطعمها للحلزونات.
مستعد ﻷتعشى بخبز عفن، طالما كان لديّ كأسُ نبيذ أحمر.
مستعد ﻷغازل سحاقية، حتى لو انتهى بي الأمر حبيسا.. طالما كان ذلك سيشعل غضبها ضد العالم كله!
مستعد ﻷشعل حريقا، لتتبخر بلادة البرد.
مستعد ﻷعلّم طفلا أقذع الألفاظ، كي لا يحرمه والداه السخيفان من النطق الحق.
مستعد ﻷقطع لسانيْ أبوين أرعنين، فلا تسمع الطفولةُ صلواتٍ عند الطعام، وزجرا حال الغناء على المائدة.
مستعد ﻷدق المسامير على الحلمات. وليتم خصيي بمشرطٍ صدئ. وﻷدَغدَغ تحت الإبطين حتى الموت. مستعد أن أعض مؤخرة امرأة مستديرة، وأن أنهش منها ما يكفي ليمتلئ به فمي فأكف عن الشكوى والتذمر.
مستعد ﻷضرب أرنبا بمطرقة على رأسه، وأن أولج اصبعي فُجاءة بدناءة تجعل أقرب صديقاتي تحتاج لجلسةِ علاجٍ تمتد 20 عاما لتتعافى من الصدمة، لكنها لن تشفى يوما!
مستعد للحرائق والدخان. لنبش قبر فرناندو بيسوا والتمثيل بجثته. ولطبع قبلة على جبهة شارلي شابلن--التي لم تترك الديدان شيئا منها.
مستعد لكل شيء سوى أن أحظى بسنة عادية. سنة لا تليق إلا ببشر ليسوا سوى بهائم ناطقة.
مستعد أن أفقد القدرة على الكلام، شريطة ان أبوح كثيرا بحبي للوجوه الصامتة للنساء الحزينات.
هذه الليلة أنا مستعد لالتهام تمساح حي كامل بفكه المفتوح، وحراشفه الغليظة، حتى لو علق بحلقومي.. فقط كي لا تكون سنتي هذي شبيهة بسابقتها الرمادية.
الليلة سأدخل فيك بشهوة. وسأرقب دم بكارتك يسيح مغادرا حياتي البليدة، حياتي ذات العذرية الزائفة، كغشاء بكارةٍ صينيّ خدعوا به زوجا شرقيا جديرا بالخداع ولا شيء غير الخداع.
الليلة يستيقظ الغوريلا ضاربا بيديه الهمجيتين صدرَه الفولاذي، ليغزو العالم الأشعث الشَعر بزمجرة تهتز لها أركان الغابة المسمومة. الليلة يركل كينج كونج الزمن ليخلط أوراق اللعب، فلا يعود شيء آمنا بالسذاجة التي كنا عليها قبل سويعات.



03 December 2014

تكلمتُ الليلة كثيرا

تكلمتُ الليلة كثيرا



ما زلتُ مستيقظا أيتها الصامتة، وفي جوفها بركانٌ من التناقضات.
ما زلتُ مستيقظا، وفي يدي مُدية وأنا أبحث عن البرئ--الأكثر براءة، الجدير بأن أغرسها في قلبه.

ما زلتُ مستيقظا، لكني الليلة بالتحديد تكلمتُ أكثر مما ينبغي.
أخبرتُ الطيورَ أنني أنوي نتف ريشها لو مجرد فكرت أن تزقزق حول نافذتي صباحا!
أخبرت الرفاق أنهم بلا جدوى بعد 11 ليلا، فأي فيلم أمريكي تافه يمكن أن يعوضني عنهم.
أخبرت العاهرات أنني وصلتُ سن الفطام، وأن الوقت قد تأخر ﻷشتهي أحمر الشفاه الفاقع.
همست لصديقتي المقربة أنني أكذب عندما اقول أنني أحب عينيها، فأنا أحب عدسات عينيها اكثر.
أخبرت حذائي أن السير حافيا لم يعد يؤلمني.
أخبرت الرجال العواجيز حولي أن النبيذ مفيد للروماتيزم، وأن انحناء الظهر أجمل من التفكير بشراء تابوت أو كفن.

تحدثتُ اليوم كثيرا.
تحدثتُ لطالبة جامعية أن سر النجاح هو أن تتوقف عن الكتابة إليّ بين المحاضرات.
وتحدثت ﻷمي -كاذبا، كي لا أقلقها- أني اتخذت كل الاحتياطات لكي لا أصاب بالسكري او ضغط الدم.
كما تحدثت لنجوم السماء أنني لا أصدق مزحة إعصار نيلوفار.
أنا صاح أيتها البعثرة الكونية.. ولكني لن أتحدث الآن ﻷحد..
فقد تحدثتُ الليلة أكثر مما ينبغي.
تحدثتُ لجميع الكائنات.
وبقيتُ، كالعادة، صامتا كالصخرة الملساء أمام نفسي!

01 December 2014

يا شوقي لأيامي.. تسريبي وتغديبي

يا شوقي لأيامي..


في منتصف التسعينيات إلى السنوات الثلاث الأولى من القرن الحادي والعشرين، كانت حانات مسقط قليلة.
وجهة الشعراء والكتاب وبعض الفنانين الرئيسية كانت حانة تشرشل بفندق الهوليداي إن بالخوير.
روادها كانوا ثابتين.. هم أنفسهم تقريبا في كل ليلة، عدا نزلاء الفندق من السياح.
كانت هناك شلة مزعجة من الشباب تقتعد كل ليلة إحدى طاولات الحانة. ربما ذات الطاولة إن لم يسبقهم إليها أحد. عندما يسكرون يبدأون بغناء أغنية عجيبة الكلمات بصوت أجش. أحدهم كان صوته عاليا جدا ونشازا جدا ومنفرا جدا، لكنه كان يقود قطيع السكارى حين يبدأ يغني: "يا شوقي لأيامي. تسري بي وتغديبي. وأنا على سرجها.. تتحطم أعصابي".
كنت ورفاقي، ندماء الطاولة القريبة، نبدأ بالضيق من هذا النهيق. لكننا نبتلع انزعاجنا لكي لا تحدث مشكلة، ولتمر الليلة بسلام.
كان نهيق هؤلاء السكارى بأصواتهم النشاز يتعالى دوما آخر الليل بهذه الأغنية، وهي أغنية لم أكن أعرف من يغنيها.
قبل قليل..
قبل قليل فقط..
اكتشفت أنّ هذه الأغنية لميحد حمد! بمحض الصدفة وأنا أسمع أغان أخرى لميحد على اليوتيوب. إذا بأغنية (يا شوقي لأيامي) يتضح أنها لميحد! يا لها من لحظة في الحياة!
تلك الربشة آخر الليل لحفنة من السكارى في حدود عام 1998 إذا بها تعود لمسامعي دفعة واحدة. تعددت الحانات الآن وتفرق الرفاق والصحاب والأعداء، بل إن بعض الندامى قد ماتوا. وها هي الأغنية تقفز من جديد. ولمن؟ لميحد حمد، حقيقة أعرفها للمرة الأولى!
استمعت للأغنية للتو. كلماتها غريبة جدا، وجميلة. وإيقاعها غريب للغاية. لا أعرف ماذا يسمى. ولا تستحضر ذاكرتي أغنية أخرى لميحد بهذا الإيقاع.
إنه كشف من زهو الشباب ينفتح علي وأنا في الحادية والأربعين من العمر. كنت أعرف أن الأربعينيات هي النسخة المكررة بشكل أجمل من العشرينيات. نفس الرغائب والميول، ولكن بخوف أقل من المستقبل، وبتشويش أقل.
ليس لي سوى أن أترك نفسي مع (يا شوقي لأيامي). وأنا أردد مع أؤلئك السكارى المزعجين (الذين ربما أتمنى عودتهم لليلة واحدة فقط من العمر بعد غياب 15 سنة من آخر مرة أسمع فيها أصواتهم)، أردد بنحيب: يا شوقي لأيامي.. تسري بي وتغديبي.. وأنا على سرجها.. تتحطم أعصابي!


23 November 2014

حول التحرش في مسيرات السيارات المُزيّنة

حول التحرش في مسيرات السيارات المُزيّنة


من المظاهر الاجتماعية المستحدثة في بلادنا الخروجُ الشبابي في مسيرات جماعية بالسيارات المُزيّنة في مناسبات معينة، أبرزها لغاية الآن مناسبات فوز المنتخب الوطني في مباريات رياضية، وكذلك بمناسبة احتفالات البلاد بالعيد الوطني. بالنسبة للجزئية الأخيرة فأنا لا أتحدث هنا عن المسيرات المنسقة سلفا من الجهات الحكومية المختلفة وعلى رأسها مكاتب الولاة والمدارس، والتي تتم في وضح النهار، ولكني أشير إلى مسيرات الليل الشبابية التي لم تقم برعايتها –علنا- أية جهة حكومية، وهي مسيرات أبطالها السيارات والدراجات النارية والشباب المتزينون بإكسسوارات تحمل رموزا وطنية، كرسم العلم على الوجوه ووضع الشعر المستعار على الرأس. ميادين هذه المسيرات هي الشوارع الرئيسية في مسقط وبعض الولايات، وقد ازدهرت بالأخص في العيد الوطني الماضي وهذا العام، وكان لها وجود سابق قوي في حادثة واحدة هي فوز منتخبنا الوطني لكرة القرم بكأس خليجي 19 عام 2009م، حينما أغلق المحتفلون شوارع مسقط الرئيسية حتى ما بعد ساعات الفجر. لكن هذه المسيرات كثيرا ما تنتهي بتحفظات اجتماعية عليها وتؤدي إلى إثارة نقاش حاد، لاسيما لعمليات التحرش ببعض الفتيات المحتفِلات والذي رصدته كاميرات الفيديو بالهواتف خلال العامين الماضيين. فكيف نقرأ ما يحدث في هذه المسيرات من خلال ردات فعل المجتمع؟

ثقافة مسيرات الفرح الشبابية بالسيارات المزينة ظهرت بالتزامن في بلدان الخليج العربي، ولعل واحدة من أبكر المناسبات التي قادت لمسيرات شبابية في عواصم الخليج هي انطفاء شمعة ليلة 31 ديسمبر 1999 ودخولنا في الألفية الجديدة. شخصيا كنتُ ليلتها في دبي حين انطلقتْ مسيرات السيارات المزينة وأصوات (الهرنات) تصطخب في الشوارع. على ما يبدو أنه لم يكن بمستطاع السلطات أن ترفض مسيرات السيارات المزينة جملة وتفصيلا منذ أول انطلاقة لها--ربما انتظارا لما سوف تسفر عنه. فبدون حدوثها ليس بوسع المرء أن يمنعها منعا مسبقا، ولماذا يمنعها وليس بيده دليل على أنه سوف يسفر عنها ما يخل بالنظام والآداب العامة؟ يبدو أن موقف السلطات الخليجية كان مع السماح بها خشية وقوع ردود فعل عكسية لو تم المنع. لكن تلك المسيرات أفرزت حقا ما يخل بالنظام العام والآداب الاجتماعية السائدة. لقد أفرزتْ قطعا للطرق يمتد عدة ساعات ويؤدي إلى تعطيل حياة الناس، لاسيما مَن هم بحاجة لمشاوير ضرورية. كما أفرزتْ حالات من التحرش بالفتيات (لا علم لي بعددها وهل هي محدودة جدا أم كثيرة نسبيا)، ورقصا -من الأولاد، بالأخص- تجاوز حدود اللياقة. وانقسمت الآراء بين من اعتبر ذلك مظهرا طبيعيا مؤقتا كون الظاهرة كلها جديدة وسف تصنع لنفسها ضوابط ومعايير سنة وراء أخرى. وهناك من رأى العكس، إذ يخشى هؤلاء أن تتزايد السلوكيات غير المرغوبة عاما وراء آخر. وكان المتشددون الدينيون، كالعادة، يصيدون في الماء العكر، فسعوا إلى تضخيم ما يحدث وترويع المجتمع منه، وتحريض السلطات على الشباب المحتفلين اتكاء على حوادث فردية حدثت، لغاية في نفوس هؤلاء تتمثل في سعيهم الدائم لقتل كل مظاهر الفرح من حياة الناس. وبين كل هذا وذاك انتشر سجال مجتمعي داخل الأسر وعبر مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي حول مشاركة الفتيات في مسيرات السيارات المزينة سواء كُنّ راجلات أو على متون سياراتهن. وهو سجال ساخن يستحق التوقف عنده.

بعد أن أثبتت كاميرات الفيديو بالهواتف وقوع حالات تحرش بالفتيات المحتفِلات، تمثلت غالبا في محاولات بعض الشباب فتح أبواب سيارات الفتيات وإخراجهن منها، وهي على ما يبدو حالات محدودة جدا وفقا لما صورته مقاطع الفيديو، وقد يكون هناك أكثر منها مما لم يتم توثيقه.. بعد ثبوت هذا، سارعت طوائف كثيرة في المجتمع إلى لوم المرأة وكأنها هي المسؤولة الأكيدة والوحيدة عما حدث. وانبرى من يطالبون بعدم مشاركة الفتاة في مثل هذه المسيرات الشعبية. هذه الفئات شملت المتدينين الذين كانوا دوما وأبدا يرون مكان النساء في الخيمة المغلقة عليها، كما شملت آباء وأخوة أرادوا إراحة رؤوسهم من تقريع المجتمع، مع أنه –كالعادة- فإن نصفهم يذهبون لهذه المسيرات لرؤية الفتيات المتزينات قبل أي سبب آخر. وأيضا كانت هناك نساء ربما يكن أكثر شراسة من تلكم الطائفتين، وهن نساء تشددن في إدانة أخواتهن اللاتي يخرجن في هذه المسيرات باعتبار أنه ليس عليهن أن يقلدن الشباب الذكور. ربما كان من ضمن هؤلاء نساء يستشطن غيظا لأنهن لا يستطعن الخروج في المسيرات لأسباب مختلفة، فتأتي ردة فعلهن بالغيظ على من تستطيع ذلك من بنات جنسهن من مبدأ "اللي ما يطول العنب...". وهكذا، فقد وُجِدت شرائح جماهيرية مختلفة –كلٌّ له أسبابه الخاصة- ألقت بلائمة التحرش في مسيرات السيارات المزينة على الفتيات وحدهن، وتم اعفاء الشباب الذكور من أية مسؤولية عما يجري!


لو تأملنا المشهد أعمق، لرأينا حزمة من التوجهات والأفكار غير المنصفة تجاه المرأة فيما يخص مسألة مشاركة الفتاة في هذا النوع من المسيرات وفي قيام بعض الأولاد بالتحرش بهن. الفكرة التي ترى أنه ليس على الشابة المشاركة في مسيرة بسبب فوز المنتخب في مباراة لكرة القدم هي فكرة ترى أن الفرح حق مقصور على الذكور فقط. إنها وجهة نظر تتجاهل حقيقة أن هناك عددا كبيرا جدا من الفتيات لهن اهتمام بالرياضة ويتابعنها بنفس الشغف كالرجال. وبالتالي فإنه أمر فطري أن يكون للفتيات حق التعبير عن الفرح بفوز المنتخب مثلما هو حق مكفول للأولاد. نفس هذا الفكر الذكوري المهيمن هو ما يتبنى مسألة إدانة المرأة عندما تقع التحرشات في المسيرات، وكأن الفتاة هي التي دعتْ الشباب ليقتحموا عليها سيارتها ويحاولوا سحبها منها. ما رصدته كاميرات الهواتف أنّ بعض الذكور هم من تطاول وامتدت يداه لتفتح الأبواب، مثلما تطاولوا بالألفاظ النابية والجارحة يرشقون بها الفتيات. فما ذنب الضحية حين يُعتدى عليها؟ في حالات كهذه، مهما كانت نادرة، فإن الانكفاء على سجالات (هل يحق للمرأة المشاركة في المسيرات أو لا يحق) هي سجالات ليست ذات أهمية بقدر أهمية تفعيل القوانين المدنية ضد من يخالف القانون. لو أنّ من قام بفعل التحرش في العام الماضي نال عقابه القانوني على فعلته بموجب القوانين المدنية المنصوص عليها لفكّر الشباب الطائشون مرتين وثلاثا قبل أن يرتكبوا سلوكا مشابها هذا العام. لكن فلات الجاني من العقاب أو نيله عقابا مخففا هو ما يجعل فئات اجتماعية تستمر في لوك الكلام حول (هل الفتيات هن السبب فيما يحصل لهن). إن التساهل في عدم إيقاع عقاب قانوني بحق المتحرشين يشجع على التحرش. وقد باتت نساء كثيرات يخشين من هذا الأمر. مَن يخرجن مِن دوامهن ليلا، ومن يضطررن للذهاب للمستشفى أو أي مشوار، وخصوصا من يعلقن بالصدفة في شارع تحتله مسيرة سيارات مزينة دون أن يكون قصدهن التواجد للمشاركة في المسيرة، هؤلاء صار لديهن تخوف من وقوع التحرش طالما لم تكن القوانين والعقوبات الرادعة مفعّلة على أرض الواقع. طالما كان المجتمع يلقي باللائمة على الشابة إذا تحرش بها أحد ويبرّئ الشاب من الإدانة، فإن عددا متزايدا من النساء يعشن خوف تحولهن إلى ملكية عامة مشاعة اجتماعيا إذا لم يتم حقا تفعيل القوانين والعقوبات الواجب إيقاعها على من تثبت مقاطع الفيديو ارتكابهم جرم التحرش ونراهم يسرحون ويمرحون حولنا دون أن يحاسبهم أحد على ما فعلوه.

22 November 2014

خبزٌ عَفِن

خُـبْــزٌ عَـفِـن*



الخبز يفسد في مطبخي، حتى والكيسة لم تُفتح بعد!
* * *
أعاني فقرا مُدقعا في عدد أصدقائي
إنني بحاجة لأصدقاء جدد. من أين آتي بهم؟
بل أين ذهب الأصدقاء القدامى؟!
* * *
بحاجة إلى حاسوب جديد لأن الحالي قد شاخ
ماذا أفعل بحاسوب جديد، وأنا قد شختُ أيضا؟!
* * *
إذا استبعدتُ الحبَ كشرط للزواج لغياب من تبادلني إياه، واكتفيت بالاستلطاف ....................
.......................................
.......................................
............ وحتى لو التقيتُ بفتاةٍ أستلطفها وتصلح لي كزوجة
الاستلطاف لا يستحق تجديد سلفيتي البنكية
الحب يستحق. الحب يستحق كل شيء.
* * *
أريد شراء سيارة جديدة. رغبة ملحة هذه الأيام.
ولكن، لماذا وأعطال الحالية قابلة للتصليح بواحد بالمائة من تكلفة شراء سيارة جديدة؟! أظنني سأغير السيارة لا لأنني مللتها، ولكن لأنني مللتُ نفسي بداخلها (لا أستطيع أن أغيّر نفسي) كما مللتُ المشاوير التي تأخذني إليها لا إلى غيرها كل يوم. هل سيارة جديدة تعرف دروبا جديدة لم أطرقها من قبل؟
* * *
السينما هي الشيء الوحيد الذي أشتهيه الآن
لكن كل الأفلام المعروضة رديئة
عليّ عدم الذهاب لتظل الشهوة قائمة.
* * *
"نهاري مع الناس، حتى إذا بدا لي الليل
هزتني إليك المهاجعُ"
صح لسانك يا طلال
* * *
ومع أنني بصفة عامة ضد زواج الرجل من امرأتين
إلا أنني ساعدتُ صديقا للقيام بهذا
فقط إنقاذا للزوجة الجديدة من مصير مؤلم (وذلك أخف الأضرار)

تبا لها من مجتمعات: إنها لا تعلمنا فعل ما نؤمن به، إنها تعلمنا اختيار أخف الأضرار
الأضرار التي مهما خفّت، تظل أضرارا
* * *
صديقتي المتزوجة (وأم الأطفال الأربعة) قالت حين علمتْ أني خسرتُ حبّا:
- عليك أن تفرح! ذلك يعني أن حبا جديدا آت!. ليس كل واحد يُرزق نعمةَ أن يبدأ حبا جديدا مرة أخرى في حياته!
* * *
نومة الظهيرة صارت أقسى من نوم الليل. أصبح هذا نمطا تسير عليه الأمور: بدء الإغفاء يتلازم مع انقباض حاد في القلب. أحس لحظتها أن سكتة قلبية ستخترق فؤادي، وأفز من نومي مذعورا.
أما نومة الليل فتأتي سلسة في بدايتها لأن التعب رؤوف بأبنائه. لكن نهايتها تكون قفزة من على السرير قاطعة كابوسا دمويا. المتوسط قفزتان مذعورتان في كل ليلة. لو أن امرأة تنام بجواري فإنها لاشك كانت ستُذعر حتى الموت للرعب الذي يُقفّزني من فراشي. ولكن يا صاحِ، لو كانت ثمة امرأة بجواري لما كنتُ أصلا سأقفز مذعورا من فراشي!
* * *
من أين يأتي كل هذا العنف في أحلامي؟
لاشك أنني أبذل جهدا كبيرا لكي أبعده عن واقع حياتي، طوال النهار!
* * *
قبيل نومي، كثيرا ما أفكر بترك باب الشقة غير مقفول بالمفتاح. وذلك إذا متّ فلن يصعب عليهم اكتشاف جثتي قبل تعفنها. أريدهم أن يجدوا جثتي يوم وفاتي، لا بعد ذلك بأيام.
كثيرا ما فكرتُ في فعل ذلك، لكني أخاف القيام به. وينتهي بي الأمرُ النومَ وبابُ شقتي مُقفل بالمفتاح.
أخاف أن أتركك يا بابُ مفتوحا لكي لا يكون ذلك نذيرا حقيقيا بموتي اليوم.
لا أريد أن أموت، ولتتحلل جثتي مائة مرة لغاية اكتشافها، ولكن يا موتُ امهلني اليوم، اليومَ أيضا!
* * *
ربما هو الشعور بالوحدة ما يدفعني للتفكير باقتناء قطة منزلية. لا، بل قطتان. قطة واحدة ستشعر بالوحدة. قطتان، هذا جيد. قطة بدلا عن امرأة. علّق أحد الخبثاء: الأمور تبدأ بقطة وتنتهي بنمرة! وأضاف من هو أخبث منه: ودورك أنت يا عزيزي هو الترويض! قلت: ترويض نفسي، ربما، أما عدا ذلك فلا أؤمن بما تقولون.
* * *

حلاقة لحيتي والاستحمام: أكثر شأنين يجلبان لي الفرحة بعد إتيانهما


حلاقة لحيتي والاستحمام: آخر شأنين أتحمس أبدا للقيام بهما!
* * *
ماذا لو رميتُ نفسي للمجهول؟
هل سأتأكد حينها أن المجهول لم يُخلق بعد!
* * *
لن أعترف لأحد مهما كانت الأسباب
أن لديّ ما لم أعترف به بعد!
* * *
لا الماضي كان سعيدا، ولا الحاضر، ولا المستقبل القصير المتبقي لي.
لماذا إذن عليّ أن أتشبث بهذه الحياة؟
* * *
لم تكن طفولتي سعيدة لأفتقدها، كما أنها والحق يقال لم تكن بائسة على نحو تجاوز العاديَّ لأي طفل ولد في مكاني وزماني.
لماذا إذن كلما تيقنتُ أن حاضري بائس وخاو، يرتد بصري باحثا عن نقطة مبهجة في ماضيّ... في ماضيّ الذي بالكاد أتذكره؟ أذلك لأنني أعلم علم اليقين أن مستقبلي الباقي قصير زمنيا، وأنه مملوء بالأوبئة والديدان؟
* * *
اليوم مثلا، لم أكن سعيدا لكل هذا الوقت الذي أهدرته أمام الحاسوب لمجرد قتل الوقت. ماذا كان لدي غير ذلك لأفعله؟
اليوم مثلا. الأمس أيضا. الغد كذلك، ماذا لدي غير هذا لأفعله؟!
* * *
إلى متى سأظل أخصائي إعلام تربوي. أنا الذي ليس إعلاميا حقيقيا، ولا يعنيه الشأن التربوي في شيء!
* * *
علينا قتل الأب (غير البيولوجي). علينا قتل أب الوصاية—لاسيما أب الوصاية الذكورية. علينا جميعا قتله، ولتبدأ الفتيات بذلك أولا.
* * *
الآن قد عدتُ لعُمان وكأنني لم أسافر منها أكثر من ثلاثة أعوام. هي ذي العلامة الدامغة على العودة:
لا يشعر المرء بالخواء كما يشعر به في هذي البلد.

ها قد عدت لعمان بذات أحلام اليقظة التي عشتها فيها قبل السفر: أن أفوز بسيارة ثمينة في سحب أحد المجمعات التجارية فأبيعها وأسدد أقساطي البنكية. هذه هي عمان اختصارا: حلم يقظة سخيف لا يتحقق أبدا.
* * *
أما أصعب ما في الأمر، فهو ضرورة أن لا تعرفي أي شيء عمّا أعانيه لفقدك. لكي يسهُلَ عليكِ نسياني. ما أوجع أن أبذل قصارى جهدي لأساعدك على نسياني، أنا الذي لن أنساك يوما!
* * *
ما أكثر خبزي العفن. هل من يأكله؟
* * *
أمّا حين أترك الكيسة مفتوحة، فالخبز يجف. لذا لا أمل له حتى في أن يفسد، مثلما لا أمل له في أن آكله!
ها أني أدرك أن الخبز الجاف والعفن متساويان في واحدة: كلاهما غير صالح للاستهلاك الآدمي!
* * *
"أملنا لا شفاء منه"، بدليل أننا نتذكر ذلك فقط في لحظات القنوط!

*نصوص متفرقة كتبت في أسابيع مختلفة من عام 2006. نشرتها أصلا في مجلة الرؤيا بمناسبة دخول عام 2007. كنتُ بالكاد قد بدأت أتعافى من قصة حب فاشلة وعظيمة.