19 September 2014

كلُّ النساءِ تُحيلُ إليكِ

كلُّ النساءِ تُحيلُ إليكِ




وأنا أفتحُ فَصّ السُوتيانِ
حَضَرَتْ في رأسي سبعُ نساء!
اللعنة!
واحدةٌ همستْ في أُذُنيْ شيئا عن كيفَ أطوّعُ جسدَ الأنثى
ليكون لهيبا، وحشا يزأرُ بالشهوةِ.
إني يا صاحبتي.. -والشكر لنصحكِ موصولٌ- أعرفُ كيف يصير الجسدُ لهيبا
لا أحتاجُ سوى أن أعطيه الوقتَ الكافي
حتى يتفتحَ كالزهرةِ، ويفوحَ عبيرا.
هل أخبرتُكِ يوما، ونحن نثرثر في سَهَرٍ عن كيف يُربّي المرءُ الشهواتِ، هل أخبرتكِ كيف أحبُّ الجسدَ الفوّاحَ، وما يزعجني عَرَقٌ أو عطر، فالكل بِعُرْفِ الحب سواء؟
هل أخبرتكِ أني أسعى.. أبحثُ أصلا عن هذا العَرَقِ الناضحَ في الأنثى
فهو العطرُ لروحي في خفقاتِ الرعدِ وجلجلةِ الأنواءْ.
فدعيني الآنَ يا صاحبةٌ
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.
* * *
ولقد حضرتْ أنثىً أخرى
وأنا أرشفُ هذي الحلماتِ.. حضرتْ في رأسي أنثىً أخرى
كانت تجلسُ قربي في مقهىً ذي ضوءٍ هادئْ
كانت شاردةً، وأنيقةْ
ما كان الميكَبُّ بوجنتها أكثرَ مما يحتاجُ الأمرُ ليُشرقَ فِطْريُّ حلاوتها
والصمتُ على الشفتينِ أباحَ خَفِيّ الرغبةِ
تلك الرغبةُ والحرمانُ كانا سرا تحرسه نظراتٌ شاردةٌ.
كانت ضجرى حتى من هاتفها!
وبقيتُ أنا في الطرفِ الآخرِ من ذاتِ المقهى.. أرقبُ عبقا يتصاعد في الجوِّ
عبقا لا يدركه سوايَ
عن أنثىً شاردةٍ وتفيضُ أنوثة.
ما بالُ العبقِ يلاحقني الآنَ، وأنا أحضنُ أنثاي –الآنَ-
أنثى العمرِ الدائمِ
والسوتيان على الجانب منطرحا؟
يا العبقُ الآتي من أنثىً شاردةً في مقهى
لستُ الآن أناديكَ، ولا أدعوكَ
فأنا في عبقٍ آخر يغمرني حدَّ الدوخةِ
عبقُ العودةِ للُّقيا
عبقُ عناقٍ مشتعلٍ، مع أنثى حين أقبّل شفتيها
تَسكرُ روحي.. تتحدُ الروحانِ
ونغدو حقلا من زهرٍ شفافٍ
يتماوجُ طربا في الجنةْ.
فدعينا الآنَ –فتاةَ المقهى-
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.
* * *
ولقد حَضَرتْ أنثى ثالثةٌ –حين بمص النهدِ هممتُ-
وجاءتْ رابعةٌ، ولسانانِ كانا قد سَكِرا وانتشيا
وجاءت خامسةٌ، وذراعانِ اعتصرا جسدا مِطواعا، قد ذاب كما الشوكولا
وعَبَرَتْ بالرأسِ فتاةٌ سادسةٌ، تتلوها سابعةٌ
فكل فتاةٍ –دوما- تأخذني نحو امرأةٍ أخرى!
لكني- أقسمُ بإلهٍ يشرقُ من روحكَ يا أنثايَ المحبوبةَ-
لا أنظرُ. لا أصغي. لا أتحققُ إلا وأنا  في كُنهُكِ.
معطوبٌ إلا في حضنكِ
لا قيمةَ لي إلا وفمي يهمسُ بالآهٍ والعرقُ المنعشُ يُنشِينا
أبوسُ الإبطَ –ما أشهاهُ- وما أشهى لثمَ الصدرِ، الأنفِ، الرُكبةِ، لعقَ أصابعَ قدميكِ
وأعودُ صعودا للإبطِ.. يا للفتنة!
هل أخبرتِك يا أنثى وَلَعِي، ونحن نُرَخِيّ ذاك السوتيانِ الشفّافِ، هل أخبرتُكِ يوما كيف أحبُّ الجسدَ الفواحَ، وما يزعجني عَرَقٌ أو عطرٌ، فالكلُّ بِعُرْفِ الحبِ سواءْ؟
هل أخبرتكِ أني أسعى.. أبحثُ أصلا عن هذا العَرَقِ الناضحَ في الأنثى
فهو العطرُ لروحي في خفقاتِ الرعد وجلجلة الأنواءْ
فخذيني الآنَ -يا قُبلةُ روحي-
فحين يُفَكْفَكُ زرُ السوتيانِ لا أحدا أحتاجُ
سوى أنثاي/ الأفعى الرقطاء.

15 September 2014

الدنيا نظر عين.. لوحة ثلاثية الأبعاد

(الدنيا نظرْ عين)

إلى لِيَا.. ناظرة بعينيها إلى نفسها تبتعدُ عن نفسها على شاطئ الحُلم المبدّد!*
وإليكِ.. لنهدينِ ما جَرَأتُ على اختلاس النظرِ إليهما، وما قَوِيتُ على سحب النظرِ عنهما!




هذا نهدٌ أعرفهُ.
لا يَعرِفني.
وهُنا توأمُهُ—نهدٌ ثانٍ
أيضا لا يألفُني.
لكني أعرفهُ. أألفٌهُ. ألمُسُهُ. أوْزِنُهُ. ألعقُه. بل إني –أحيانا- أعضُّ أنامِلَهُ. ألثمُ مُقلتَه.
هذا نهدٌ أعبُدهُ.

هذانِ النهدانِ هما عينانِ
أنظرُ بهما للدنيا
-والدنيا نظرٌ للعينِ-.
أنظر بهما فأرى سينما
هي ذي (وِينْسلتُ)** تقرأ كُتبا، بعينَيْ طفلٍ عاشقْ
تتعرى في حضرته، فيغدو الطفلُ إلهاً، وأنا أغدو عبدَاللهِ.
أغدو عبدا لإلهٍ لا يتمرأى إلا في صالةِ سينما.

هي ذي (أولمانُ)*** في (بِرسونا).. تأخذُ أحشائي للعُتمةِ.
لا أعشقُ إلا العُتمةَ، حيثُ الشهواتُ تَمُوجُ كَمَا حيّاتٍ تتناسلُ
ملساءَ.. زاهيةَ الألوانِ.. تفيضُ أنوثةْ.

هذانِ النهدانِ هما عينانِ
أنظرُ بهما فأرى لوحةْ.
ما أجملَ هذا الجسدَ العاري..
ما ألطف هذا الشيفونَ المسترخي
ما أجملَ هذي السُرّةَ والخِصبُ يلوذُ بها.

أنزلُ نظرةْ.. فأرى عشبا مبتلا بالأمطارِ.
بالأحضانِ أتوّجهُ.
هذا العشبُ سيزهو يوما في أحلامي.
يا أنفاسي دفّيها الآنَ.. دفّي الأفعى الملساءَ..
دفّيها الآنَ.. الآنَ الآنَ وليس غدا
فالباكرُ قد لا يأتي.

يا أنفاسي دفّي حسناء (الكورسيتِ)****، وخذيها للزمن الباقي
هذا (الكورسيتُ) مَهِيبٌ وأنا أربطُ أزرارَهْ.
مهيبٌ وأنا أفتحُ أزرارَهْ.
هذا الكورسيتُ –ونهداكِ يفيضانِ بنشوتهِ- هو كلُّ اللوحةِ في معرضِ عصرِ النهضة--إذْ لا أعرفُ عصرا آخرَ.
نهداكِ النهضةُ، فانهضْ يا ثعبانَ الروحِ المحرومَ. انهضْ يا غوريلا الغابةِ..

كمْ نادمْتُكَ –والعفّةُ قيدٌ-، وفؤادُكَ مكسوٌ بالكِلْسِ.
كم سِرْنا بنيذٍ تلوَ نبيذٍ، وأنتَ الراهبُ.
وأنتَ الرافضُ إلا أنثى (الكورسيتِ) المخبوءةِ في عَبَق الرغبةِ
فانهضْ يا غوريلا الرغبةِ واللهفةِ، مُنتصبا!

هذانِ النهدان هما الدنيا
-والدنيا ليستْ إلا نظرةُ عينٍ-
فاذهبْ بالبصرِ إلى النهرِ المشقوقِ
واعْبُرْ بين الضفةِ والأخرى. واسْبَحْ....
اسبَحْ
اسبحْ يا رعديدُ. اسبحْ أو فلتغرقَ يا ابنَ الـ...
لا تُهدِرْ عمرا آخرَ.
يا ابنَ الـ...
يا ابنَ الحرمانِ، التوهانِ، الكبتِ، الفَنتازيا
لا تُهدِر عمرا، لا عمرا آخرَ أحدٌ يضمنُهُ.
فانهضْ..
ارضعْ نهديها يا ابنَ الرب!
قبّل شفتيها يا ابن الإنسان!
فهذا نهدٌ تعرفُهُ، وهذا توأمُهُ—نهدٌ ثانْ.
هذانِ النهدانِ هما عينانْ
اُنظرْ بهما للدنيا
-والدنيا نظرٌ للعينِ-
انظرْ بهما، يا عبدَاللهِ
انظرْ لترى سينما. لوحةْ. عشبا مبتلا بالأمطارِ.
لا تُهدِرْ عمرا آخرَ.
وارضعْ نهديها حتى يشفى جُرحُ الرغبةِ
ويئنُّ الحزنُ الأبديُّ:
"هذا نهدٌ أعرفهُ. أألفُهُ. ألمُسُهُ. أوْزِنُهُ. ألعقُه. بل إني –أحيانا- أعضُّ أنامِلَهُ. ألثمُ مُقلتَه.
هذا نهدٌ أعبُدهُ.
هذا نهدٌ أعبدهُ.
فانهض يا غوريلا الرغبةِ واللهفةِ، منتصبا!
هذانٍ النهدان هما الدنيا.
والدنيا نظرةُ عينٍ.. لا أكثرْ!"


*إحالة إلى شخصية (لِيا) أو (إيزابيل) في الفيلم الفرنسي (صغيرة وجميلة) Jeune & jolie. إخراج: فرانسوا أوزون. إنتاج: 2013
**إحالة للممثلة كيت وينسلت في دور هانا شميتز في فيلم (القارئ)، حيثُ كانت أميّة وتطلب من صبي مراهق أنْ يقرأ لها. إخراج: ستيفان دالدري. إنتاج: 2008
***إحالة إلى الممثلة ليف أولمان بطلة فيلم (برسونا). إخراج: إنجمار برجمان. إنتاج: 1966
****الكورسيت corset أو (مشد الصدر). من أزياء القرون الوسطى الأوروبية وعصر النهضة. نسخة عصر النهضة كانت أكثر فتنة.



06 September 2014

عن الشخص الذي رافقه سوء الحظ طوال حياته

فيلم: هارفي كرومبيت
Harvie Krumpet

تثير مشاهدة فيلم الأنيميشن القصير هارفي كرومبيت  Harvie Krumpetللمخرج آدم إليوت Adam Eliot التساؤل التالي: ماذا هناك؟ ما الذي يجعل من فيلم التحريك القصير هذا قادرا على الرسوخ برأس من يشاهده ومدوّخا لمدة ساعة بعد مشاهدته؟ ما الذي جعل هذا الفيلم ينال الأوسكار وينتزع إعجاب المشاهدين حول العالم إلى درجة الهوس به؟!


"هارفي كرومبيت" فيلمُ تحريكٍ أو أنيميشن قصير موجه للكبار، مدته (22) دقيقة فقط! ومادته الأساسية هي الصلصال. أي أنه من نوعية أفلام التحريك المصنوعة يدويا بطريقة الـ (ستوب موشن) وليس بالمؤثرات الحاسوبية. وأفلام الصلصال -كما تشير التسمية- يتم صناعتها من مادة الصلصال، وهو عمل يدوي مضنٍ، لكنها تعطي الإحساس بالحقيقيّة لأن الشخصية الفيلمية تكون أصلا ذات ثلاثة أبعاد فعلية.
لنعرف حجم الجهد المبذول في صناعة فيلم "هارفي كرومبيت"، نشير إلى أن الفيلم يتكون من 280 لقطة، وعندما يقوم المرء بتصوير مشهد معين لمخلوقات ومكونات صلصالية، فإنه في كل مرة يأخذ اللقطة من زاوية مختلفة، وهو ما يعني تعديل الديكور العام للمنظر السينمائي وتركيب ملحقات وإكسسوارات جديدة. أي أن تصوير 280 لقطة، -وهو بالمناسبة رقم يقترب من متوسط عدد اللقطات التي يتم أخذها لتصوير فيلم روائي طويل بممثلين بشر مدته حوالي 90 دقيقة-، نقول أنه لأخذ ذلك العدد الكبير من اللقطات فإن الأمر يتطلب بناء وإعادة بناء المناظر السينمائية مئات المرات. لأجل ذلك فقد استغرق إنجاز فيلم "هارفي كرومبيت" نحو عامين ونصف، وذلك منذ عام 2001  لغاية اكتمال عملية المونتاج في منتصف عام 2003. لم يَضِع الجهد الذي بذله المخرج آدم إليوت في فيلم "هارفي كرومبيت" هباءً، فقد جلب الفيلم شهرة عالمية لمخرجه وفاز بنحو 17 جائزة دولية مرموقة أشهرها أوسكار أفضل فيلم تحريك لعام 2004.
* * *

تدور قصة فيلم "هارفي كرومبيت" حول شخصية رجل سيء الحظ، بل لعله واحد من أسوأ الشخصيات حظا التي رافقها سوء الطالع طوال حياته، إلا أن هذا بالطبع لا يعني أن حياته لم يكن فيها شيء من البهجة هنا وهناك. الفيلم إذن يسرد سيرة هارفي كرومبيت من يوم ميلاده إلى شيخوخته، حيث يتركنا الفيلم على ما يبدو  في المرحلة الأخيرة لحياة هارفي كرومبيت وهو مصاب بمرض الزهايمر ويعيش وحيدا في دار للمسنين.
ولد هارفي كرومبيت في بولندا عام 1922، لأبٍ حطاب ورث عنه هارفي خشونة اليدين، وأم تعمل في منجم للمعادن ومصابة بتسمم بسبب زيادة كمية الرصاص في جسمها. ملأ هارفي حياة والديه الفقيرين الكادحين حبورا، إلى أن بدأ في النمو لتظهر عليه عوارض شيء من التخلف العقلي. الصفة الأغرب في الطفل هارفي هي ولعه بلمس أنف كل من يقابلهم. هي حركة لاشعورية يقوم بها إزاء جميع الأشخاص الذين يلتقي بهم للمرة الأولى، وكأن وضع إصبعه على أنف شخص آخر هي وسيلته أو مجسّه الحساس للتعرف على الآخر. سلوكه الغريب وعوارض التخلف العقلي جعلت هارفي منبوذا من بقية الصِبية في مدرسته، حيث كثر ايذاؤهم له ورميهم له بالحجارة. ورغم أن أم هارفي كانت أمية، إلا أنها قررت سحب ولدها من المدرسة وتعليمه كافة "حقائق الحياة" التي تعرفها، علّمته مثلا أن جناحي الفراشة أكبر حجما من جسمها، وغيرها من حقائق الحياة التي كان الفيلم يقدمها للمُشاهِد في قالب مرح ولمّاح في وسط المَشاهد. وما إن بلغ هارفي سن الرشد حتى احترق منزل والديه ووجدا ميتين عاريين ومتجمدين من البرد على دراجتهما الهوائية، وفي تلك الأثناء نشبت الحرب العالمية الثانية وقامت ألمانيا بغزو بولندا، وفجأة وجد هارفي كرومبيت نفسه في سفينة لاجئين متجهة إلى العالم الجديد: أستراليا.
* * *
كآلاف المهاجرين بلا أي دولار في جيبهم، وجد هارفي كرومبيت نفسه في أستراليا في مهن متواضعة جدا: زبالا بين أطنان القمامة قضى هارفي كرومبيت أوائل سنوات حياته في العالم الجديد. وبسبب عادته الغريبة في لمس أنوف الآخرين، فشل هارفي في عقد صداقات مع المحيطين به، بل إنه وبسبب قيامه ذات مرة بلمس أنف أحدهم نال هارفي لكمة قوية أدت إلى كسر في جمجمته. أودع الأطباء صفيحة معدنية بين شقي أعلى جمجمة هارفي للحم الكسر. بعد هذه الحادثة دخلت الكآبة حياة هارفي وأفرط في التدخين وبدأ يشعر بضيق مزمن في التنفس، ولما لم تكن مضار التدخين معروفة في ذلك الوقت فقد ذهب هارفي للطبيبة شاكيا مشكلة ضيق التنفس فما كان منها إلا أن نصحته بالمزيد من التدخين!
بينما كان هارفي يجلس ذات مرة تحت تمثال لأحد فلاسفة اليونان، سمع التمثال يحدثه عن ضرورة الإقدام على الحياة ونبذ الكآبة جانبا والتصرف على سجيته، وهكذا وجد هارفي كرومبيت وكأن شعلة عشق للحياة قد توقدت بداخله. قرر هارفي أن ينتمي للطبيعة، فأصبح من نشطاء تحرير الحيوانات من الأقفاص التي يضعها فيها البشر للتحكم فيها وإجراء التجارب المختبرية المؤلمة عليها. قام هارفي بتحرير الحيوانات وإعادتها للطبيعة، كما انضوى مع جماعة من الطبيعيين الداعين إلى عودة الإنسان عاريا كما كان عليه الحال قبل تعقيدات المدنية المعاصرة. لكن الحظ العاثر ما لبث وأن عانده، إذ فقد في حادث إحدى خصيتيه، كما ضربته صاعقة أصابت قطعة المعدن في وسط جمجمته فنجا من الموت بأعجوبة ونُشرت صورته في الصحف المحلية.
بعد الصاعقة التي ضربته دخل هارفي المستشفى، وهناك اكتشف أن قطعة المعدن المركّبة على سقف جمجمته تعمل كالمغناطيس، إذ بإمكانها جذب المعادن إليها.. وهكذا صار لهارفي خصلة طريفة جديدة تضاف إلى مجموعة طرائف حياته المضحكة المبكية.
في المستشفى تعرف هارفي على ممرضة وقع في حبها وبادلته الحب، وسرعان ما تزوجا ليعيشا في بيت بسيط دافئ بالحب الأسري وبقطتين وببغاء مصاب بمرض تساقط الريش، حيث كانت زوجة هارفي تحيك له كنزة صوفية لتدفئه بها، لكن الببغاء –حتى الببغاء- لم يقع يوما في غرام هارفي بل كان كثيرا ما يسكب فضلاته على رأس هارفي الأصلع!
* * *
فشلت غدة إنتاج هرمون الذكورة الوحيدة التي يملكها هارفي في مساعدته ليكون له أبناء من نسله (وذلك لفقده إحدى خصيتيه في حادث)، فتبنى هو وزوجته طفلة ملأت حياتهما بهجة، وقد حرص هارفي على تعليمها كافة "حقائق الحياة" التي يعرفها ومنها أهمية العودة للطبيعية وتحرير الحيوانات من الأسر وغيرها.
شبت الطفلة ذكية لماحة، وبعد إتمامها المدرسة سافرت للدراسة الجامعية في أمريكا لتكون محامية. وفي عيد ميلاده الخامس والستين توفيت زوجة هارفي كرومبيت فجأة رغم أنها لم يسبق لها أن اشتكت من أي مرض. بعدها عمت الكآبة نفس هارفي وبدأت عليه علامات مرض الزهايمر، حتى انتهى به المطاف في دار للعجزة بعد أن رآه الجيران يحاول سحب النقود من الميكرويف الموجود بمطبخه!
في دار العجزة عاش هارفي كرومبيت حياة لها طبيعتها الخاصة، حيث تبدلت به الأحوال من لحظات مرح ودعابة ومقالب ضاحكة يتسبب فيها لبقية النزلاء حوله، إلى لحظات كآبة لاسيما مع ازدياد حدة مرض الزهايمر. أما بهجته الحقيقية فكانت عندما يتلقى رسالة من ابنته في أمريكا، حيث كان يعيش بانتظار أن تقوم بزيارته، إذ كانت تلك أغلى أمنياته.
ينتهي الفيلم بهارفي كرومبيت في دار المسنين متأرجحا في حياته بين الكآبة تارة والعشق العارم للحياة تارة أخرى، محاولا اعتصار لذّاتها حتى في أحلك الظروف. هي حياة طويلة عشناها مع هارفي كرومبيت في 22 دقيقة فقط. ثلث ساعة تقريبا عشنا فيها حياة كاملة بمرها ومرها وحلوها البسيط، حيث قال فيلم هارفي كرومبيت في تلك الدقائق القصيرة ما لا تستطيع أفلام روائية طويلة أن تقوله أحيانا رغم أنها أطول منه زمنيا بخمسة أو ستة أضعاف!
المزاوجة بين الدعابة والجدية والألم في كيان آسر خصلة اتسم بها فيلم هارفي كرومبيت جعلت مشاهديه يعيشون دقائقه القليلة بلا إطرافة جفن وبحرص على أن لا تفلت منهم تفصيلة واحدة. بين ثنايا مَشاهد الفيلم كانت تقفز للشاشة معلومات طريفة بمثابة حقائق حياتية يتعلمها هارفي في رحلة حياته بالأسلوب الذي ابتدعته والدته حين سحبته من المدرسة وقررت تعليمه بنفسها. أضافت تلك الحقائق أو المعلومات نكهة ساخرة للفيلم وحسا تأمليا له رغم إيقاعه السريع، أما الأداء الصوتي للممثل الأسترالي الشهير جيوفري رَش Geoffery Rush الذي قام بدور السارد فقد منح الفيلم طزاجة وحيوية.
أجمع الكثير من المشاهدين بعد مشاهدتهم لفيلم هارفي كرومبيت، على أن هذه الشخصية الصلصالية قد أضحت قريبة منهم وحميمة إليهم، ولا يجد هؤلاء شكا في أحقية الفيلم في الجوائز الدولية العديدة التي حصدها أينما حل وارتحل.

03 September 2014

شكرا لمن يتابعني


الجذور التي قادت إلى إضراب الأطباء

كُتبت بالأصل في 30 يوليو 2008، ونُشرت في وقتها في مجلة الرؤية
المقالة تأتي سابقة بعدة سنوات لخطوة زيادة المخصصات المالية التي تم تدعيم رواتب الأطباء بها، وهي أيضا سابقة على اضرابات الأطباء التي حدثت خلال العامين الماضيين

إجمالا، يمكن أن يرى المرء في المقالة الجذور التي قادت لإضراب الأطباء.. وهو ما لم تره الجهات المختصة في بلادنا في الوقت المناسب


تحديات الخدمات الصحية في السلطنة

تواجه الخدمات الصحية في عُمان تحديات كبيرة يبدو أنها تزداد عاما بعد آخر، في ذات الوقت الذي لا يبدو فيه أن الجهود المبذولة لتحسين هذه الخدمات قادرة على أن تكون حلا جذريا أمام هذه التحديات. ومما استجد في الآونة الأخيرة أن انخفاض سعر الدولار الأمريكي قد ألقى بظلاله سلبا على الخدمات الصحية المحلية مما يضعها أمام تحد جديد هو هجرة الأطباء العمانيين والوافدين إلى الخارج، وهو أمر لو لم يتم إيجاد حل جذري عاجل له فإنه سيؤدي إلى تدهور حاد في الخدمات الصحية المحلية، وسيؤدي إلى تفاقم الأوضاع السيئة وازديادها سوءا على سوء.


مما لا شك فيه أن مستوى الخدمات الصحية المحلية قد تحسن كثيرا في البلاد قياسا بثلاثين عاما مضت. ينعكس هذا التحسن في زيادة نسبة المستشفيات والقضاء على بعض الأمراض التي كانت شائعة، وانخفاض معدل وفيات الأطفال، وارتفاع معدل العمر الافتراضي للسكان. إلا أن هذا التحسن في الخدمات كان منذ الأساس دون مستوى الطموح لبلد لديها موارد اقتصادية جيدة وعدد سكانها محدود للغاية. فلو قسنا هذا التحسن بمستوى الخدمات الطبية المقدمة في بعض البلدان العربية –لكي لا نفكر في الأجنبية تجنبا لأي إحراج- لوجدنا أن ما وصلنا إليه زهيد للغاية. فالمستوصفات الحكومية تعاني من نقص حاد في الأطباء، ويعاني المرضى من ساعات انتظار طويلة لرؤية الطبيب المناوب. أما من يضطره قدره السيئ للتنويم (الترقيد) في المستشفى فإنه قد يقع أسير معاملة غليظة لا إنسانية من حفنة من الممرضات الوافدات يتسمن بالقسوة المفرطة في التعامل مع المريض كما لو أنهن يتعمدن مفاقمة معاناته. أما من كان بحاجة إلى عملية جراحية أو تصوير مقطعي بالرنين المغناطيسي أو غيره، وكذلك من كان بحاجة إلى لقاء طبيب اختصاصي أو استشاري لفحص مرض معين لديه مثل آلام في الظهر، فإن الموعد الذي سيُمنح له للقاء الطبيب يأتي بعد عدة أشهر تمتد أحيانا إلى سنة كاملة. أيّ منطقٍ أن يظل المريض يشتكي الألم مدة عام كامل؟! إن هذا لوحده مؤشر على أن مستوى الخدمات الصحية المقدم في البلاد يقف كليا دون ملامسة مستوى الطموح الذي يتمناه المواطن. باختصار شديد: إن الخدمات الصحية المحلية ترقد منذ سنوات في غرفة الإنعاش، وقد جاءت مؤخرا أزمة هبوط قيمة الدولار الأمريكي لتكون الضربة القاضية التي وضعت هذه الخدمات في حالة موت سريري، والمطلوب إنقاذ عاجل وجذري قبل أن يفوت الأوان الذي بدأ يفوت بالفعل.

أدى ضعف الخدمات الصحية المحلية إلى فقدان المواطن العماني للثقة في ما يقدّم محليا من خدمات، وأصبحت الهند وتايلند وإيران ودبي البدائل الأربعة الأولى أمام المواطن العماني للعلاج. إن من يركب الطيران التايلندي في رحلة متجهة إلى بانكوك فسوف يفاجأ بامتلاء الطائرة عن بكرة أبيها بعائلات عمانية متجهة بكاملها للعلاج في الخارج. وكل طائرة متجهة للهند تضم هي الأخرى قرابة خمس عائلات عمانية مسافرة للعلاج. إن هذا دليل قاطع على يأس المواطن من الخدمات الصحية المحلية، وهو يأس يعود إلى عدة أسباب منها طول فترة الانتظار لتلقي العلاج، وشيوع الأخطاء الطبية الفادحة دون رقيب أو حسيب للطبيب المخطئ، فضلا عن تخلف هذه الخدمات الطبية نفسها ووقوفها عاجزة عن فعل شيء لمعالجة الأمراض التي يعاني منها الناس، وكذلك ملل الناس من حبوب الأدول التي يتلقونها كعلاج جاهز مهما كان المرض الذي يعانون منه!

بقدر ما يعاني المريض العماني (والمقيم) من الوضع المتردي للخدمات الصحية المحلية، فإن الطبيب نفسه يعاني معاناة لا تقل هوادة. ففي المستشفيات الحكومية يناوب الأطباء عددا هائلا من الساعات غير مدفوعة الأجر. إذ يحدث أن يناوب طبيب مدة ليلتين متواصلتين أسبوعيا بلا أجر إضافي وذلك إضافة إلى دوامه الاعتيادي اليومي. وما أكثر ما سمعنا عن طبيبة عمانية أغمي عليها في غرفة العمليات بسبب الإعياء الذي هي فيه، وكذلك سمعنا كثيرا دفاعا من ألسنة أطباء يدافعون فيه عن أخطائهم الطبية قائلين إن نظام المناوبات المرهق المفروض عليهم من قبل وزارة الصحة لا يمكن أن يؤدي لشيء بالأساس سوى حدوث الأخطاء الطبية! إلا أن العجيب هو أن نسمع زعما من مسؤول رفيع بوزارة الصحة يفيد بأن ساعات مناوبات الأطباء العمانيين هي وفق للمعايير الدولية. ولم يكلف هذا المسؤول نفسه بتسمية اسم دولة واحدة في العالم ترهق أطباءها بشكل يعرض المريض للخطر ودونما زيادة ريال واحد في راتب الطبيب أو وجود أي نظام للعمل الإضافي (أوفر-تايم). أما الأطباء الوافدون فقد بدأت هجرتهم المتسارعة للبلاد منذ نحو عامين وذلك منذ ارتفاع إيجارات السكن وانخفاض قيمة الدولار الأمريكي. فنظرا لكون المبلغ الذي يتقاضاه الطبيب الوافد لم يعد يساوي الكثير بسبب انخفاض قيمة الدولار الأمريكي، ونظرا لوجود مغريات أفضل للمرتبات في دول الجوار، وكذلك نظرا للارتفاع الخيالي الذي حدث لإيجارات السكن في مسقط خلال العامين الماضيين، فإن كل هذا قد أدى إلى عدم استفادة الطبيب الوافد استفادة مادية مجزية من العمل في السلطنة، فراتبه المحدود يذهب لإيجار السكن، ولذا فقد بدأت موجة الهجرة الجماعية للأطباء الوافدين من السلطنة. ولما كان الأطباء الوافدون يشكلون الغالبية العظمى من عدد الأطباء في البلاد في مختلف التخصصات الطبية، فإن هجرتهم تحمل إنذارا خطيرا بدخول النظام الصحي العماني منعطف الخطورة البالغة التي قد تؤدي إلى تقويضه بالكامل خلال سنوات معدودات. لقد سمعنا عن مداولات تدور بين وزارة الصحة ووزارة الخدمة المدنية لإيجاد حل لهذه المشكلة يتمثل في زيادة مرتبات الأطباء الوافدين، إلا أنه لم يتم إقرار شيء بعد وقد لا يتم إقرار شيء إلا بعد خراب مالطة، ولذا فإن تدخلا عاجلا من كل من مجلس الشورى ومجلس الوزراء الموقر مطلوب فورا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. على أية حال فإن الأطباء الوافدين ليسوا وحدهم من يهجرون البلد، فالأطباء العمانيون هم أيضا يغادرون إلى قطر ودول أخرى سعيا نحو فرصة عيش أفضل. إلا أنه إذا كنا قادرين على القول أن هجرة الأطباء العمانيين تعتبر حالات فردية (وإن كانت كل حالة فردية تؤثر كثيرا على الخدمات الصحية نظرا لقلة عدد الأطباء العمانيين)، إلا أن هجرة الأطباء الوافدين ليست أبدا حالات فردية، لكنها حالات جماعية في جميع مناطق وولايات السلطنة.

لأجل إنقاذ الخدمات الصحية المحلية ينبغي وضع خطة إنقاذ عاجلة وملزِمة التنفيذ. تنبني خطة الإنقاذ هذه أولا وقبل كل شيء على الشفافية والاعتراف بأن هناك مشاكل جادة حقيقية تعاني منها بشدة الخدمات الطبية المحلية. ذلك انه بدون الاعتراف بوجود مشكلة لا يمكن إيجاد حل، أما التغني بمنجزات الماضي فهو لا يفعل شيئا سوى مفاقمة الجراح.

إن المطلوب أولا وقبل كل شيء زيادة الميزانية المخصصة للإنفاق على الخدمات الطبية وذلك من إجمالي الموازنة العامة للدولة. فالصحة والتعليم يجب أن يكونا فوق جوانب إنفاق أخرى تلتهم عادة أكثر من نصف الموازنة. كما يجب وضع هذه الميزانية بيد من يحسن استخدامها، وأعني هنا ضرورة وجود تخطيط سليم للاحتياجات الطبية وأوجه الإنفاق، ووجود رقابة على صرف هذه الميزانية. فضلا عن ذلك فإن تغييرا جوهريا مطلوب في الإدارة الطبية المحلية، إذ أن هناك حاجة ملحة لدماء جديدة وكفاءات إدارية ذات عقليات معاصرة قادرة على إدارة عملية تقديم الخدمات الطبية في السلطنة بصورة أفضل من الموجود حاليا. إن التغيير الإداري مطلب ضروري للخروج من الوضع الراهن، ذلك أنه حتى لو تم اعتماد ميزانية مالية سخية فإن الحال لن يتحسن دون تطوير الإدارة وتغييرها نحو الأحسن. فضلا عن ذلك فإنه مطلوب جدا زيادة مرتبات العاملين في القطاع الطبي من عمانيين ووافدين وذلك لوقف مسألة نزيف الأدمغة الطبية للخارج. أيضا مطلوب إحداث تغيير في جدول المناوبات وتقليل الضغط على الأطباء لتخفيف الأخطاء الطبية، وهو ما يعني بالضرورة زيادة عدد الكادر الطبي الموجود باستقدام عدد أكبر من الأطباء الوافدين وزيادة عدد الطلاب المسموح بدخولهم كلية الطب بجامعة السلطان قابوس. كذلك فإن تطوير الخدمات العلاجية والدوائية يعد مطلبا جوهريا لاستعادة ثقة المواطن بالمؤسسات الصحية المحلية بعد اهتزاز هذه الثقة. وقريبا من هذا المعنى فإن المطلوب أيضا اختيار كفاءات طبية جيدة من أطباء وممرضين ومضمدين يفهمون فن التعامل مع المريض بشيء من الإنسانية والرحمة والاحترام. وأخيرا فإن المطلوب الاهتمام أكثر بالتثقيف الصحي لنشر الوعي الصحي بين المواطنين مما يقلل حدوث الحالات المرضية ويجنب الناس الوقوع في أمراض يمكن اجتناب الكثير منها بقليل من الوعي والتبصير، وهذا بدوره سيقلل من الازدحام على المستشفيات وبالتالي يساعد وزارة الصحة في تحسين وتطوير خدماتها الصحية متى امتلك القائمون عليها الرغبة الحقيقية لإحداث هذا التغيير المنشود.

02 September 2014

هل يجب تجريم ومنع "رياضة" مناطحة الثيران؟

مناطحة الثيران



تثير مسألة مناطحة الثيران العمانية الكثير من الفضول لاسيما أنه من المرجح رجوعها كممارسةٍ الى عهود سحيقة. وهذا الإيغال في القدم هو ما يبعث على الفضول بخصوصها. ذلك أن نشاط الإنسان القديم جدا قد انقسم إلى نوعين أساسيين: صيد الحيوانات وصد الدخلاء من بشر وحيوانات مفترسة، وهذه كانت مهمة الرجال، وجمع الثمار ورعاية العش الأسري وتلك كانت مهمة النساء.

فمنذ القديم كان الرجال يخرجون في مجموعات للصيد هدفها مطاردة الفرائس وقنص هدف محدد. ومنذ ذلك اليوم لم يتغير الكثير في اللاوعي الجمعي للرجل. لا زال الرجل صيادا ويتعامل بذات العقلية مع الأشياء، لكن الذي اختلف هو أدوات الصيد ونوعية الفريسة وبقي الأسلوب أو السلوك العام على حاله.

طور الرجل ما يُعرف بـ "الذاكرة المكانية" وهي القدرة على استخدم ذلك الجزء من الدماغ المخصص للتركيز على هدف متحرك وإصابته بدقة (وهو نفس السلوك المطلوب لاصطياد حيوان بري شارد). ينعكس هذا السلوك اليوم في قيام الرجل بعملية التسوق في نصف ساعة بينما تحتاج المرأة عدة ساعات لجلب نفس تلك الأغراض او نصفها أو حتى جلب لا شيء منها. ففيما مضى كانت النساء تخرج في مجموعات لجني الثمار المتساقطة وقطف البعض وتبقى نساء أخريات لرعاية العش، وكان يتم أحيانا الذهاب لمعاينة شجرة معينة للتأكد هل نضجت ثمارها التي كانت غضة بالأمس ام لا، وليس مهما إن عادت المرأة للعش ذلك اليوم بلا أي ثمار، فهي قد استمتعت بصحبة نساء أخريات والتحدث إليهن وتوطيد العلاقة معهن. أما الرجال فلا بد أن يعودوا من القنص بطريدة وإلا من سيوفر الغذاء للأطفال. ولأن صيد الحيوانات يتطلب الهدوء حتى لا تهرب الحيوانات فقد تعلم الرجال ان يبقوا صامتين مركزين الأبصار على هدف محدد، وإذا أصاب أحدهم هدفه هلل له البقية وانتشوا.

لم يستطع الإنسان المعاصر بعد –في عمان وغيرها، رجلا كان أو امرأة- تغيير الكثير من عاداته الذهنية اللاواعية القديمة، والتي تأتي ممارسة مناطحة الثيران في عمان كإحدى تجلياتها. ففي أمريكا لا يزال الصيد هواية الكثير من الرجال. بعضهم يصطاد السمك وبعضهم يصطاد الغزال الأمريكي (الأيل). والجدير بالذكر أن كثيرا من هؤلاء يمارسون الصيد لغرض الصيد فحسب وليس للانتفاع بلحم الحيوان. إن الهدف هو توظيف طاقات "الذاكرة المكانية" لدى الرجل في سلوك يناسب قدرات هذه الذاكرة.

في مطلع القرن الثامن عشر تغيرت ظروف الإنتاج ولم يعد الصيد هو وسيلة كسب الرزق. لقد حل محله العمل وتقلد الرجال جميع المهام والأعمال التي يُفرّغون فيها شحنات "الذاكرة المكانية" القادرة على التركيز في هدف محدد واقتناصه. لكن ماذا عن الصيد؟ إن الصيد طريقة لتضامن الرجال مع بعضهم والتنافس في القدرات مثلما خروج النساء مع بعضهن وتبادل الأحاديث الخاصة هو طريقة تدعيم النساء لبعضهن البعض. لأن الصيد لم يعد متاحا فقد استبدل الرجال به أقرب النشاطات إليه بما يلبي قدرات القنّاص، ألا وهو الرياضة الجماعية. لقد اخترعوا كرة القدم. إن كرة القدم ببساطة شديدة هي البديل المعاصر لطقوس الصيد القديمة. ففيها يطارد الرجال هدفا متحركا عليهم إصابته بدقة. وليس غريبا أنه حتى مع تحقيق المرأة الغربية لكثير من جوانب المساواة مع الرجل والتي تضمنت دخول المرأة مجال كرة القدم وتشكيل الفرق النسائية، ليس غريبا أن رياضة كرة القدم لم تستهوِ المرأة الغربية بنفس القدر الذي يستهويها فيه التسوق. فالتسوق هو البديل المعاصر لجني الثمار القديم، حيث تخرج المرأة مع صديقاتها ويتبادلن الأحاديث الاجتماعية بهدف تقريب الأواصر بما يسهم في النهاية في حماية العش (الأطفال).

من هنا نفهم أن رياضة مناطحة الثيران متجذرة بقوة في الإنسان العماني، وليس غريبا أن تبني الحكومة ميادين مخصصة لممارسة هذه الهواية لأن الحكومة مشكلة من الرجال الذين لا يرون غريزيا أية غضاضة في هذا المسلك بل يرونه فطريا. إن مصارعة الثيران هي استمرار لتوظيف الذاكرة المكانية لدى الرجل، لكنه استمرار بذات الطريقة حافظ على نفسه كما كان عليه الحال قبل عشرة آلاف سنة. لقد تغير المسمى فقط وأسموها رياضة بعد ان كانت وظيفة وأسلوب حياة.

حسنا.. نفهم الآن أن هذا السلوك متجذر لدى الرجل منذ البعيد وصعب انتزاعه منه، فما العمل إذن بهذه الحيوانات البريئة التي أصبحنا ندرك اليوم أنه لاذنب لها فيما يحدث؟ لتفريغ طاقات الذاكرة المكانية لدى الرجل وتحقيق مطلب ممارسة الصيد والقنص، فإن الرياضة الرجالية  الجماعية هي البديل الوحيد لو قرر المجتمع أو الحكومة يوما تجريم رياضة مناطحة الثيران العمانية. لكن هل سيمتثل الرجال لذلك؟ وكم سيحتاج الأمر حتى يتقبلوه؟ إن امريكا التي تنشط فيها جماعات حقوق الحيوان لم تفلح بعد في تجريم صيد الأيائل، بل إن الحكومة تشجع عليه لأسباب عجيبة منها تقليل حوادث الطرق التي تتسبب فيها هذه الحيوانات (الوديعة)!

01 September 2014

في ثقافة العمل الخيري

كُتبت بتاريخ 30 أغسطس 2008.وقد كُنتُ وقتها في مدينة بريزبن بأستراليا للفصل الأخير من شهادة الماجستير.
نُشرت في مجلة الرؤيا--عدد سبتمبر 2008م



في ثقافة العمل الخيري

كنتُ طالبا أدرسُ في أستراليا في ديسمبر 2004م عندما حلت كارثة المد البحري العظيم (تسونامي) التي ضربت بلا رحمة شواطئ عدد من الدول الآسيوية وأوقعت مئات الألوف من القتلى في غضون دقائق. ورغم أن أستراليا ليست بعيدة عن الدول التي ضربتها أمواج تسونامي، إلا أن اتجاه الموج كان في خط آخر ونجت منه أستراليا. كنت سعيدا بنجاة أستراليا لا خوفا على نفسي لأنني كنتُ متواجدا فيها، ولكن افتخارا بهبّة المواطنين الأستراليين لنجدة المنكوبين في شرق آسيا، وهي هبة تعكس الوعي الشعبي ومدى تجذّر ثقافة العمل الخيري والتطوعي المؤسساتي والأهلي في أستراليا وعموم الدول الغربية. ببساطة شديدة، لو أن أستراليا قد تضررت من كارثة تسونامي لتفاقمت معاناة الدول المنكوبة في شرق آسيا، فأستراليا لعبت دورا محوريا في جهود الإنقاذ والإغاثة وجمع التبرعات ومساعدة الدول المكلومة على التعافي. إن هذه اليقظة الشعبية التي شاهدتها إزاء العمل الخيري، تذكرني بحقيقة أخرى ذات صلة موجودة في المجتمعات الغربية وهي متانة ثقافة "الصَدَقة" وإنفاق المال على المحتاجين بكل أريحية، وهو عمل يقوم به الجميع في الغرب لاسيما في فترة الكريسماس حيث يندر أن لا يتبرع أحد بسخيّ المال. أما المؤسسات التجارية والشركات، فلها دائما وأبدا مخصصات إنفاق مالي على العمل الخيري وعلى الأنشطة التي تساهم في الحفاظ على البيئة. في حقيقة الأمر فإن ثقافة العمل الخيري في الغرب لافتة للنظر للغاية لفرط رسوخها وشيوعها. هذه المادة، إذن، تحاول تسليط الضوء على أهمية ثقافة العمل الخيري وأهمية ترسيخها وتأصيلها في المجتمعات، كما تتطرق إلى نماذج من ممارسات العمل الخيري في الغرب يمكن الاستفادة منها. كما أن هذه المقالة مهداة كذلك لروح الراحل سعود بهوان رحمه الله، الذي كان أول رجل أعمال عماني يؤسس لمفهوم العمل الخيري المؤسساتي عبر مؤسسته للأعمال الخيرية، التي نتمنى استمراريتها من بعده، فهي العمل الصالح الراسخ الذي تركه ويبقى من بعد رحيله نافعا للناس.

إذا كانت كارثة تسونامي قد حلت قبل نحو أربعة أعوام وأنا في أستراليا، فأنا الآن في أستراليا مجددا حيث قرأت قبل أسبوع في صحيفة محلية صغيرة عن أسرة أسترالية فقدوا بيتهم في حريق التهم كامل البيت الخشبي. ما حدث لهم أن شركة التأمين رفضت دفع أي تعويض لأسباب لا مجال لذكرها هنا، فلم يجد هؤلاء بابا يطرقونه –بعد أن تشردوا حرفيا في الشارع- سوى باب مؤسسة "جيش الخلاص" وهي مؤسسة خيرية دينية تقوم على جمع الصدقات والتبرعات وتستثمرها لصالح الفقراء والمحتاجين. قدم جيش الخلاص عونا مباشرا للأسرة تمثل في مأوى مؤقت ومستلزمات بسيطة كالأغطية والبطانيات وأدوات المطبخ. وقد تمكن جيش الخلاص لاحقا من جمع مبلغ جيد لإعانة هذه الأسرة، فيما نجحت الأسرة نفسها بوسائل شتى في جمع مبلغ من المال مكنهم من إعادة بناء بيتهم. الخبر الذي أتحدث عنه يبدأ من هذه النقطة: بعد أن انتهى الزوجان العجوزان من إعادة بناء البيت من المبالغ التي تحصلوا عليها من جهات شتى، تحقق لديهم فائض من النقود مقداره بضعة آلاف. ماذا تظنونهم قد فعلوا بها؟ لم يشتروا بها سيارة أو يسافروا بها في رحلة سياحية، بل تبرعوا بها كاملة لجيش الخلاص. تبرعوا له بمبلغ أعظم مما أنفقه عليهم طوال فترة تشردهم، وذلك ردا لجميله كونه كان أول يد تمتد إليهم لإنقاذهم. جيش الخلاص بدوره أعلن رسميا أن المبلغ الذي تم استلامه سيستثمر لصالح أعمال خيرية تستهدف عدة أسر فقيرة في نفس الحارة التي يقطنها الزوجان المتبرعان امتنانا لسخائهما. أيْ أنّ حلقة العطاء والإيثار تدور بيدها الخصيبة، ولا يعترض طريقها جشع أو فساد. هذه القصة ليست حادثة فردية في أستراليا وعموم الغرب، بل هي نموذج صغير للتكافل الاجتماعي الحاصل هنا والذي ترعاه مؤسسات مختصة تَعْرِف ماذا تفعل وتؤمن بصدق رسالتها وإنسانيتها. فكم مؤسسة لدينا في بلداننا تفعل ربع ما تفعله مؤسسة واحدة صغيرة في حارة صغيرة بضاحية إحدى مدن الغرب؟ الإجابة مخزية للغاية، ذلك أن ثقافة العمل التطوعي لدينا تقوم على نوايا حسنة من بضعة أفراد، لكنها لا تمتلك الصفة المؤسساتية التي تكفل لها الديمومة وترسخها كسلوك اجتماعي ضروري.

تختلف أنواع مؤسسات العمل الخيري في الغرب، فمنها مؤسسات حكومية تشرف على فروعها مكاتب المحافظين والولاة، ومؤسسات أخرى تتبع بلديات المدن، ومؤسسات أخرى كثيرة ترعاها الكنائس، إضافة إلى مؤسسات تطوعية تقوم عليها المجالس المحلية للحارات، أي أنها مؤسسات أهلية مائة بالمائة. جميع هذه المؤسسات تحظى بتخفيض ضريبي خاص وأحيانا إعفاء كامل من الضرائب على أنشطتها المالية، وهو ما يعني أن أرباحها ورؤوس أموالها تذهب بلا انتقاص للمستفيدين منها من المحتاجين. تؤمن هذه المؤسسات بأن العمل الخيري ضرورة إنسانية تنبع من المسؤولية الاجتماعية لكل فرد ومؤسسة إزاء المجتمع. تشجع الحكومات الغربية هذه المؤسسات وتقدم لها الدعم بمختلف أوجهه، كدفع جزء من رسوم إعلانات هذه المؤسسات في وسائل الإعلام. كما تقوم الحكومات بتشجيع المؤسسات الخاصة على التبرع للمؤسسات المصنفة كمؤسسات أعمال خيرية وذلك من خلال تخفيض الضرائب عن هذه المؤسسات التجارية. فكلما تبرعت الشركات الخاصة أكثر للأعمال الخيّرة، نالت تخفيضا أكبر من الضرائب الواجب عليها سدادها للحكومة. وفي موسم مثل موسم الكريسماس، فإن العرف قد جرى لدى جميع أفراد ومؤسسات المجتمعات الغربية بأن يكون هذا الوقت هو موسم تذكّر الآخرين وإنفاق المال والموجودات العينية والتبرع للمؤسسات الخيرية. في الكريسماس يتبادل الناس الهدايا: ما من فرد إلا ويَمنح نحو عشر هدايا نافعة للآخرين، ويتلقى بدوره عدة هدايا نافعة له. وفي أستراليا تحديدا فإن اليوم التالي للكريسماس يسمى "يوم الصندوق"، وهو يوم تقديم التبرعات للمؤسسات الخيرية والأفراد المحتاجين والتي تتكون غالبا من أية مقتنيات شخصية لم يعد المرء بحاجة لها مثل الملابس المستعملة والأدوات الإلكترونية والطعام المعلب. وقد اكتسب اليوم تسميته من عادة قديمة كان الأثرياء يقومون فيها بجمع الأشياء التي لا يحتاجون إليها وتقديمها في اليوم التالي للكريسماس لخدم منازلهم وعمال مزارعهم داخل "صندوق". لو نظرنا لمجتمعاتنا العربية المسلمة سنجد حثا واضحا من ديننا الإسلامي على الزكاة والصدقة، لكن قليلين منا يفعلون ذلك، ليس بخلا ربما، ولكن لأنه ما من أحد يوعّي الناس بشكل صحيح بأهمية العمل الخيري وبالعوائد الحميدة التي يثمر عنها على الأفراد وعلى المجتمع ككل. فالعمل الخيري، فضلا عن أنه يمنح من يقوم به إحساسا بإنسانيته عندما يشعر بمسؤوليته الإنسانية عن الآخرين، فإنه أيضا ينقذ الجوعى والفقراء من أن يتحولوا إلى خارجين على القانون. فإذا عاداك المجتمع فإنك غالبا ستعامله بالمثل، ومن يشاهد الأغنياء يكدسون الأموال ويبخلون بإنفاق الشيء اليسير على المحتاج، فإنه بلا شك سيعاديهم، وهو عداء يتحول عند بعض المقهورين إلى شكل من أشكال الجريمة.

بقدر ما تعمل مؤسسات العمل الخيري في الغرب على إيجاد وسائل لجمع التبرعات وتوزيعها على المحتاجين وفق آليات واضحة، فإنها أيضا تعمل على استمرارية ترسيخ ثقافة العمل التطوعي لدى الناس. فهذه المؤسسات تهتم بالناحية التثقيفية اهتماما كبيرا وتعمل على التأكد من بقاء الوعي الشعبي بأهمية العمل الخيري فاعلا في أذهان الناس. تستغل هذه المؤسسات الخيرية الدعم المقدم لها من الحكومة ووسائل الإعلام لنشر إعلانات منخفضة التكلفة، كما تتواجد في كافة المحافل وتوزع منشورات بأهدافها وطرق عملها وأوجه إنفاق المبالغ التي تتحصل عليها. إن النقطة الأخيرة مهمة للغاية، فإذا كان الشخص أو صاحب المؤسسة واثقا أن نقوده التي سيتبرع بها ستذهب فعلا للمحتاجين لها وليس للأشخاص الخطأ، فإنه سيتبرع باطمئنان. وتعمل مؤسسات رقابية مختلفة، أهلية الطابع هي الأخرى وتطوعية غالبا، على التأكد من أن إنفاق المؤسسات الخيرية يذهب في الاتجاه الصحيح. وتقوم المؤسسات الخيرية بنشر تقرير دوري عن أوجه الإنفاق المالي التي تستثمر فيها نقود المتبرعين (دون ذكر أسماء المستفيدين كاملة إذا كانوا أفرادا حفاظا على الخصوصية). ومن أجل استمرارية تدفق الأموال وتوافرها لتصب في النهاية لصالح المحتاجين لتضييق هوة الفوارق الطبقية في المجتمع، فإن مؤسسات العمل الخيري الكبرى لا تعتاش فقط على التبرع، لكنها تستثمر جزءا من رأس مالها في أعمال مفيدة تدر عليها الربح وتضمن استمرارية بقاء المؤسسة قائمة وناشطة كأية مؤسسة تجارية أخرى، وهذه هي النقلة النوعية الكبرى التي حققها رجل البر والإحسان الراحل سعود بهوان، فهو أول من أنشأ في بلادنا مؤسسة للأعمال الخيرية لها نشاط استثماري يضمن استمراريتها ويعزز قدراتها للإنفاق على أبواب الخير المختلفة.

كنتُ سعيدا حقا أن أستراليا لم تتضرر من تسونامي، فقد رأيت كيف تعاضدت المؤسسات الخيرية الكبيرة والصغيرة فيها لجمع التبرعات وتنظيم الجهود لإغاثة البلدان المنكوبة، وقد هب الناس للنجدة بأموالهم، وسافر مئات من الأستراليين تطوعا للدول المنكوبة لإنقاذ الناس والتخفيف عن معاناتهم. أما المشاهد الأنبل فكانت لؤلئك الأستراليين الذين كانوا موجودين أصلا للسياحة في البلدان التي ضربتها كارثة تسونامي ونجوا، فهؤلاء لم يعودوا لبلادهم عندما وقعت الواقعة، لكنهم ازدادوا تصميما على البقاء مكانهم والتحول من سياح إلى عمال إغاثة. إنهم ببساطة لا يمتصون خيرات الأمم وهي معافاة ثم يفرون عنها عندما تحتاج إلى نجدتهم. لم يكن للروح النبيلة لأمثال هؤلاء أن تصعد فوق الأزمات لولا رسوخ ثقافة العمل الخيري في بلدانهم كإيمان إنساني واجتماعي متأصل. فكيف نستطيع ترسيخ هذا الإيمان في نفوس مجتمعاتنا أفرادا ومؤسساتٍ استثماريةٍ وحكومات؟