28 January 2018

ماذا يعني لي أن أكون توأما؟





لي أخ توأم ليس له وجود إلا في ذهن أمي! كان اسمه راشد. توفي بعد أن أكمل حولا واحدا بأيام قليلة. ليس له صورةٌ ولا شهادةُ ميلادٍ باقية. لا أحد من إخواني الأكبر يتذكره، فقد كانوا أطفالا. ولأن أبي متوفى، فليس للطفل وجود سوى في ذاكرة أمي، ولا أسمع عنه سوى منها.

روت أمي أنها عندما كانت حاملا بنا قد حلمت أنها حامل بتوأم، وقررت تسميتهما طالب وغالب! لا أدري هل حدث هذا الحلم حقا، أم أنه قد تشكل لاحقا في لاوعي أمي بعد ولادتنا. إن الذاكرة خؤونة ولا ترتّب الأشياء دوما ترتيبا صحيحا. لا أعلم، على أية حال، لماذا تغيرت أسماؤنا من طالب وغالب إلى راشد وعبدالله!

ومع أن قلة عرفوا راشد شخصيا، لكن جميع أهالي بلدتنا كانوا يعرفون أن لي أخا توأما راحلا. أتحدث هنا عن أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، عندما كان الناس يعرفون بعضهم عن كثب، وكانت القرية كأنها بيت واحد كبير. أن أكون جزءا من أخوين توأم عنى هذا شيئا خاصا للقرية وطقوسها. كان ثمة اعتقاد أن التوائم لديهم بَرَكة خاصة، لذا كنتُ مطلوبا بشكل متكرر في طقسين، ولكني كنت قلما ألبي الدعوة. الطقس الأول هو التبول في فنجان بغرض استخدام بولي في علاج العيون المصابة بالرمد أو بمرض آخر. لقد طُلِبت -وأنا طفل- لأفعل هذا أكثر من مرة، واليوم أشعر ببعض الرثاء لمن تسبب بولي في حرقانٍ بعيونهم، وآمل أنه لم يتسبب بمضاعفات أخرى أكبر. الطقس الثاني هو طقس (المغبار)، وهو طقس لمعرفة سبب (الضر)، أي الضرر، الذي أدى لمرضِ شخصٍ ما. لا أتذكر الكثير من مشاركاتي في هذا الطقس. لابد أن عمري كان أقل من ثمانية أعوام. كان يتم إشعال نار عليها طنجرة بها ماء مغلي، ثم يُصب الرصاص المغلي فيها، أو ربما كانت الطنجرة للرصاص المغلي وبجوارها ماء بارد. لا أتذكر بالضبط، لكن ما أتذكره أن الرصاص الُمذاب يُسكب على الماء فيتشكل على هيئةٍ ما فور تجمده. هنا كنا نغني أهزوجة هدفها مساعدة الرصاص على التشكل. لا أذكر منها سوى جملة "كان طويرة تصوّري" (أي إذا كان سببَ الضر طائرٌ فلتتشكل أيها الرصاص على هيئته). كنا نردد أسماء مخلوقات وجمادات عديدة، ثم يقرر (الباصر) نوعية الهيئة التي تشكّل عليها الرصاص، وبذا يكتشفون سبب الضر الذي أدى لمرض الشخص الذي كان يقام المغبار طلبا لمعرفة سبب علته. بعدها يتم إقرار نوعية القربان المطلوب لرفع الضر، والذي يكون غالبا ذبح ديك ووضع بعض التمر في مكانٍ ما. كان التوائم مفضلين في الغناء في طقس المغبار، بسبب فكرة البَرَكة النابعة بدورها من الاعتقاد بوجود "نقاء" خاص يسري في أرواح التوائم. لقد كنت أكره طقوس المغبار كما كنت أكره التبول في فنجان، وكنت أتهرب دوما من أدائها رغم كثرة الطلب على خدماتي في أوساط أهالي البلدة.

هل عنى لي أن أكون توأما شيئا خاصا؟ مؤكد أنه عنى شيئا للبلدة وطقوس حياتها، وربما لوالديّ. بل عنى أيضا شيئا لخالتي التي كان لديها رضيع في نفس عمري أنا وأخي التوأم، وكانت تساهم مع أمي في إرضاعنا (إذن هنا شخص آخر يتذكر راشد إضافة لأمي). لقد رضعتُ من سيدتين، وما زلت أتساءل هل هذا في لاوعيي هو سر ولعي البالغ بالنهود وافتتاني الدائم بها؟ على أية حال، لا أظن أن كوني توأما قد عنى لي الكثير على صعيدي النفسي. الشيء الوحيد الذي أذكره هو الإحساس بنوع من الامتعاض الخفيف عندما تجيء أمي على سيرة أخي الراحل –على فترات متباعدة-. سبب الامتعاض أنها تكرر في كل مرة ما معناه أنه كان أكثر وسامة وعيونه أجمل. أو بالأدق، كان وسيما وأنا الزوج القبيح! مؤكد أن هذا ليس له أثر موعىً به في روتين حياتي اليومية، وأستبعد أنه يمثل شيئا عميقا لي في اللاشعور.

توفي توأمي بحمى شديدة وكان قد أكمل حوله الأول منذ بضعة أيام. مر رجل واقترح على أمي دواءً سيفيد في خفض الحمى. أعطاها فنجانا به ويسكي! سقته للطفل، فأمي لم تكن تعرف الويسكي ولا أعرف من أخبرهم لاحقا أن ذلك الدواء ما كان سوى خمرا محرّما. لن أزعم أن هذا سبب وفاة توأمي، فأمراض ذلك الزمن كانت كثيرة، وكان شائعا أن يموت الطفل قبل إكمال عامين. لكني أنتقم لك يا راشد من كل كحول العالم! هل كان الرجل متخابثا وقصد إلحاق الضرر بالطفل، أم كان حَسَن النية مؤمنا أن الويسكي علاج للحمى؟ لن أعرف الإجابة يوما لأنني لا أسعى لذلك. أنا لا أعرف أصلا من هو هذا الرجل ولا أعرف إذا ما كان ما يزال على قيد الحياة. إنها حادثة وقعت عام 1974 وسمعتها من أخي الأكبر الراحل، الذي لا شك أنه سمعها بدوره من والدي أو والدتي.

مرة في حدود عام 1996، كنتُ أعمل مدققا لغويا في صحيفة الشبيبة، وكان هناك رسّام صفحات من صعيد مصر. ذات جلسة، هكذا وبدون مقدمات، نظر إليّ وقال: "انته شِق توم". نطقها بصعيديته، قالبا القاف إلى جيم. ويعني كلامه "أنت أحد زوجَيْ توأم". اندهشت لهذا التصريح الفجائي منه. هذه معلومة لم يعرفها أحد حولنا ولم تكن هناك مناسبة لأحكيها. سألته بسرعة: "كيف عرفت؟". أجاب بما معناه أنه شعر بهذا بالحدس. بالحدس وحده. أتاه حدس فجائي بهذا الأمر! لا زلت أجد هذا غريبا، فهل هناك حقا إشارات يبعثها التوأم أنه تشارك بطنا واحدة مع إنسان آخر؟ أنا لا اصدق كل ما يقال عن التواصل الروحي بين التوائم، وأنهم يشعرون ببعض عن بُعد، عبر نوع من التخاطر الغريب. هذا بالنسبة لي محض هراء، واعتبرته دوما نوعا من الخرافات والخيالات. لكن من أين أتت لهذا الصعيدي فكرة أنني توأم؟ حسنا، في الحياة دوما ثمة أشياء غير مفسّرة. وعلى أية حال فقصة حدس أحدهم أنني "شِق توم" لا تعني لي سوى غرابة الموقف—لا أكثر.
كان لدينا جيران لديهم ابنان توأم. كان النظر إلى التوائم فيه شيء من الطرافة. إنها يتسببان في اللبس. وأحيانا أفكر من باب الدعابة أنه لو كان أخي راشد حيا وصار كبيرا، لربما أضفنا إلى هذه المدينة بعض المرح عبر اللخبطة التي كنا سنخلقها في أوساط أصدقائنا. تخيل أن يلتقيك أحدهم –في الحانة مثلا- ويكون غير واثق هل أنت ذاك الشخص الذي كان يبوح له بأسراره البارحة أم أنه الآن أمام شخص آخر. كان هذا سيجعل حياتي أكثر مرحا. لكن مهلا، لم نكن توأما متطابقا. كان أحدنا أكثر وسامة وبعيون أجمل. ولا أدري أكان الوسيم هو الأكثر سمرة أما أنا البدين. لكني كنت الأكبر حجما حتى منذ أن كان عمري عاما. تبا، حتى لو كان راشد حيا ما كنا سننجح في خلق المرح في محيط حياتنا اليومية. كان الأصدقاء سيميزون بيننا بسهولة لأننا لسنا متشابهَين.

منذ متى لم ألتقِ بأي توائم؟ منذ زمن طويل حقا. فعلا منذ أكثر من عشرين عاما. أظن أن عدد التوائم كان أكبر فيما مضى لسببٍ ما. أتذكر عدة توائم في بلدتنا، لكن هنا في مسقط لم يسبق لي الالتقاء بتوأم سوى أخوين لا أعرفهما معرفة شخصية، لكنهما يترددان على الأماكن التي تستضيف حفلات رقصة (السالسا). أمم، سيكون جيدا لو التقى المرء بفتاتين توأم. هنا قد تكون المتعة الحقيقية😜.

*كُتبت هذه المادة بناء على مقترح من الصديقة الكاتبة هدى حمد لتقديم شهادة عن ماذا يعني لي أن أكون توأما.


10 January 2018

شغفُ تاكو مساء الأربعاء: هواجسُ ليلةٍ شتوية

شغفُ تاكو مساء الأربعاء!


كان ثمة كلامٌ مُحْكَمٌ في رأسي، لكنه تبخر! كانت أفكارٌ تكتب نفسها في دماغي وأنا أقود السيارة. أتراني تأخرتُ على تدوينها؟

ربما أردتُ أن أتحدث عن لماذا حذفتُ الواتساب من هاتفي مؤخرا. إذا كان هذا هو الموضوع، فإنه بسيط. لقد حذفته لأن التفاهة التي تصل من خلاله قد تجاوزت الحد. ولأنه يذكّرني في كل مرة كم أنّ غالبية أبناء هذا الشعب مثيرون للرثاء بسذاجتهم في تصديق أي شيء، وغياب العقل الناقد عنهم، وتجذّر الجهل فيهم، وهي حقائق يسرني أكثر أن أتغاضى عنها وأن أتناساها. إضافة لكل ذلك، فأنا لستُ على استعداد للتواصل مجانا مع من أثبتوا أنهم يستخسرون إنفاق عشر بيسات في رسالة نصية يسألون فيها عن صحتي. هذا ما حدث عندما حذفتُ الواتساب: حذف الكثيرون أنفسهم عن التواصل! ما أرخص الإنسان عندما لا يساوي عند أصدقائه عشر بيسات.

لقد كنت أفكر (هئنذا أتذكر الآن) أنني فاقد للاستمتاع بشيء في الحياة. ليس لديّ حماس لإنجاز أي شيء أو الاهتمام بشأنٍ ما أو التواصل مع أحد. لكنني مع ذلك ما زلت أحب الحياة. إني أستغرب حقا من نفسي كيف أحب حياةً لا أجد فيها ما يُمتِعني! مهلا، ثمة ما أمتعني في الشهر الأخير. إنها وجبات التاكو التي تعرفتُ عليها عبر بوفيه مساء الأربعاء بأحد الفنادق الذي زرته صدفة. على أية حال فأنا لا أستطيع دفع قيمة بوفيه كامل لأجل قطعتيّ تاكو بالروبيان!

لستُ جيدا لا في التواصل الاجتماعي ولا في التواصل في العالم الافتراضي (عبر برامج السوشيال ميديا). إنني أفضّل التواصل بالبريد الإلكتروني أكثر عن أية وسيلةِ تواصلٍ أخرى (لولا أن بُطئي في الطباعة يُكرّهني في الأمر). أكره الحديث بالهاتف، وأفضّل التواصل مع الماكينات عن التواصل مع البشر.

لم أُتقِن شيئا يوما كما ينبغي. لا الإخراج ولا النقد ولا كتابة القصة ولا المقالة ولا المسرحية، ولا حتى إمتاع امرأة كما أشتهي (تبا لسرعة القذف). جرّبتُ من كل بستان زهرة—حتى أن أكون جناينيّا أزرع الطماطم والفلفل. لم أتقن إعداد طبخة واحدة، ولا برعت في استخدام الحاسب الآلي رغم تأليفي لكتاب عن أساسياته. والحق يقال أنني برعتُ في عبّ الجعة باستمتاع كبير قلّ نظيره على مدار سنوات وسنوات، لكن جسمي كافأني بالسكري تحية لهذا الشغف!

ربما لستُ سيّئا كأب لطفلتي الوحيدة، ولكن ليس في هذا سلوى كافية. حتى السفر الذي تمنيته، لا أستطيع إتيانه لضيق ذات اليد، وإذا فعلته فإنني دوما بلا رفيق (عدا عن استثناء لمرة واحدة). والصديقُ قبل الطريق، كما يقولون!

أأنا خذلتُ حسناواتي أم هنّ خذلنني؟ أأنا لم أعد أستمتع بالأفلام أم لم يعد هناك سينما جيدة؟ منذ متى لم أتعلم شيئا جديدا؟ منذ متى لم أكمل قراءة كتاب؟—وإذا فعلتُ فإنه لا يمنحني المتعة التي أبتغيها!

كنتُ مع مطلع كل عام ميلادي أسطّر حقيبةَ أحلامٍ أتمنى تحقيقها. لم أكن أحقق منها الكثير. لكنني منذ عامين لم أضع حتى رؤوس أقلام بشيء أريده. لم يعد لدي رغبة سوى في سير الأمور كما هي عليه. لم يعد لدي سوى حلم واحد، لكنني لا أعمل لتحقيقه. هو أن أتقاعد. لكن بديوني هذه فأنا مربوط بالوظيفة حتى يطردني منها يوما مديرٌ حديثُ التعيين في نصف عمري!

إنني لا أأسف على أي شيء فعلته أو لم أفعله، وهذه هي كارثة حياتي. كل الأمور متساوية عندي. المهم أن يمر الوقت بسرعة. الشيء الوحيد، الوحيد ربما، الذي أتمناه في هذا العمر، هو لو أنني لم أكن مصابا بالسكري. إنه مَخْزَنٌ كبيرٌ للشرور. مستودَعٌ للدمار. يدس أنيابه بخفاء في كل مفاصل الحياة فيدمرها بصمت. ولكن ماذا كان سيحدث لو أنني غير مصاب بالسكري؟ ماذا كنت سأكسب؟ حسنا، لا شيء، سوى المزيد من الطعام والجعة بلا قلق أو مخاوف! (وهل هذا بالشيء اليسير؟!)

أأريد شيئا حقا؟ أجل بالطبع. أريد أن تقول ابنتي ذات يومٍ -وأنا ببطن التراب أو ما زلت على سطح الأرض- أنه كان لديها أفضل أب في العالم. أريد أن أسافر وأستمتع. أن أعيش بلا قلق الديون. أن أشاهد فيلما يأسرني ويجعلني أرتعش. أن أشرب كأسي بلا قلق من سرطان قد ينجمُ عنه! حسنا، أريد أن يكون الشغف متجددا، بحيث يكون هناك بين الفترة والأخرى تاكو جديد أعشقه. لا عن التاكو أتحدث، ولكن عن شيء أشغف به كما يشغفني حاليا تاكو بوفيه مساء الأربعاء.

"ونحنُ نحبُ الحياةَ
إذا ما استطعنا إليها سبيلا".*



*محمود درويش

14 March 2017

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!

ظاهرة اسمها نعيمة المقبالي!*




*كٌنبت هذه المقالة بتاريخ 22 فبراير 2014، أي قبل 3 سنوات و 3 أسابيع من الآن! ونشرتها في وقتها في جريدة الرؤية التي كنتُ أكتب فيها مقالة أسبوعية منتظمة.
ولأن التاريخ المُشين يعيد نفسه، فأنا أعيد نشرها اليوم عبر رفعها في مدونتي.

سمعتُ باسم "نعيمة المقبالي" للمرة الأولى قبل نحو شهر من الآن، عندما وصلتني عبر إحدى برامج التواصل الاجتماعي تغريدة لها على تويتر تعرب فيها عن سخطها من شركة عمانتل بسبب بطء خدماتها في ولاية صحار. لستُ من كثيفي التواجد في برامج التواصل الاجتماعي، فلا ولع لدي بالفضائح و المهاترات، ولا أشارك الأدمغة المغسولة اهتماماتها الجوفاء، ويصيبني الغثيان من اللغة السوقية والمكسرة في معظم رسائل هذه البرامج، ولذا فلم أعر تلك التغريدة اهتماما كبيرا سوى أني وجدتها تعبر عن مواطن طفح به الكيل من تدني مستوى خدمات الاتصالات في بلادنا ورداءتها غير المبررة. لم أتصور أصلا أن نعيمة المقبالي شخصية حقيقية، فما أكثر من يتخفّون تحت أسماء فتيات في هذه البرامج من الشباب العصري الشجاع المغوار! ومع ذلك، أدركتُ أن وصول هذه التغريدة إلى هاتفي شبه المعزول عن عالم الفضائح يعني أنها قد وصلتْ سلفا لعُمان كلها، فأنا في العادة آخر من يعلم! وقد كان الأمر كما توقعت، إذ كانت رسالة الشابة نعيمة قد أشعلت التويتر و الإنستجرام وغيرهما من برامج التسلية الشعبية. في نفس يوم تلك الرسالة، التقيتُ بصديق له باع في مجال التواصل الاجتماعي، قال لي أن نعيمة شخصية حقيقية، وأنها سبق لها أن شاركت في مسابقة لملكات الجمال تمثل فيها السلطنة (لا أدري بصفة شخصية أم شبه رسمية)، وقال أنها فتاة تبحث عن الشهرة بأي ثمن. علّقتُ من باب الدعابة: "إذا كان الحال كذلك فسأصنع لها فيلما إذا كانت ستدفع جيدا. ههههه". وضحكنا وانتهى الأمر. ما اهتممتُ به في ذلك التوضيح من صاحبي –والذي ليس بالضرورة أن تكون جميع معلوماته دقيقة- هو أنني أمام فتاة متحمسة وفاعلة، فالمشاركة في مسابقة دولية لملكات الجَمال هو خطوة متقدمة لافتة للنظر في مجتمعنا المحافظ، وطالما أننا أمام فتاة خرجت عن المألوف فمن الطبيعي أن ينهش المحافظون لحمها حية. حسنا، لم أسمع بعد ذلك شيئا عن هذه الفتاة ولم أهتم للأمر مطلقا، إلى أن جاءتني نعيمة المقبالي مرة أخرى هذا الصباح إلى هاتفي.. هذه المرة لم تكن تغريدة، ولكنه مقطع فيديو للفتاة بشحمها ولحمها (مهلا.. هي ليس بها شحم. فهي مراهقة رشيقة). طيب: أهلا بك يا نعيمة؛ حللتِ أهلا ونزلتِ سهلا، ودعينا نعرف أسباب الزيارة!

مقطع نعيمة المقبالي الجديد المبثوث أصلا على موقع "كيك" keek لتبادل ملفات الفيديو، تحيي فيه متابعيها بعد طول غياب، وتعدهم بمفاجأة يوم الثلاثاء قبل مباراة عمان وسوريا. ولأنه لا علاقة لي بالرياضة من قريب أو بعيد –بدلالة وزني الزائد-، فلم أستطع أن أقرر هل المقطع جديد وهل هي تتحدث عن الثلاثاء القادم (25 فبراير)، أم أنه مقطع قديم وصل إلى هاتفي شبه المعزول عن العالم الخارجي هذا الصباح فقط؟ بالطبع ما زلت غير متأكد من الإجابة، إلا أنّ ما أثار انتباهي في أمر الظهور الجديد لنعيمة المقبالي شيئان. الأول: هو أنني أرى صورتها للمرة الأولى، ففي المرة السابقة –قبل شهر- كان ما وصلني مجرد تغريدة مكتوبة لا أكثر. هذه المرة أنا أمام مقطع فيديو مصور طوليا بطريقة خاطئة في الإمساك بالهاتف –كما يفعل كثيرون من الناس ممن أشعر بالشفقة نحوهم لامتلاكهم هواتف لا يعرفون حتى كيف يلتقطون بها مقطع فيديو سليما ومعدولا!-. إنها شابة صغيرة جدا. هي مراهقة حسب ما أظن. وكنت قد تخيلتها سيدة تخطو نحو أواخر العشرينيات من العمر (نظرا لشعبيتها وما قامت به من أعمال حققتْ لها هذه الشعبية). يالها من فتاة نحيلة تفيض حماسا ودافعية وتحديا. الأمر الآخر هو أنّ وصولها لهاتفي في مقطع جديد –حتى ولو كان قديما بعض الشيء ولكنه وصلني اليوم فحسب- فهذا يعني أن الضجة حول هذه الفتاة مازالت قائمة في مواقع "التراشق" الاجتماعي. إنّ أسطورة هذه الفتاة ما تزال حية، فكيف لها ذلك في مجتمع محافظ يحول كلَّ محاولة للخروج عن ربقة القطيع المتكلس إلى فضيحة؟ مجتمع يصنع قطاعٌ كبيرٌ من أفراده الفضائحَ ويعتاشون مُقتاتين عليها. إن هذه الفتاة تحمل اسم قبيلة محددة، ومع ذلك لازال بإمكانها الظهور في مقطع فيديو! ما أظن ذلك كان ممكنا قبل بضع سنوات، وأبناء جيلي يتذكرون المطربة العمانية الواعدة التي ظهرت على شاشات تليفزيون السلطنة في أغنيتين أو ثلاثا قبل أن تمنعها فحولة القبيلة من الغناء مرة أخرى! لا شك أنّ عمان تتغير مع الجيل الشاب سائرة نحو مزيد من العصرنة. إن مقطع نعيمة المقبالي الجديد في "كيك" هو مقطع عادي جدا في أي مجتمع حديث وفي عالم السماوات المفتوحة، لكنه بالنسبة لمجتمعنا لافت للنظر. هو لافت للنظر بالنسبة لي من حيث قدرة هذه الفتاة على رمي كل الهراء والتفاهات التي حامت حول تغريدتها عن عمانتل وراء ظهرها والظهور بابتسامة واثقة مجددا. لا أظن أن هذا سلوكُ شخصٍ "يطلب الشهرة بأي ثمن"، لكنه يبدو لي سلوكُ فتاةٍ واثقةٍ من نفسها وتعيش عصرها بمعطياته التي من ضمنها استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن الذات وتحقيق الكينونة.

ولكن من هي نعيمة المقبالي؟ هل سيسعفني الـ يوتيوب في معرفة شيء آخر عنها غير التغريدة قبل شهر ومقطع الفيديو الداعم للمنتخب هذا الصباح؟ يا للهول! يا للسوقية! يا لعار الذكور والأشاوس والنشامى! كل هذا السب والسخرية والبذاءة كردود فعل على "تغريدة"!!.. ما أجرأ هذه الفتاة لتظهر مرة أخرى بكل هذه الابتسامة الودودة الواثقة أمام كل تلك البذاءات التي قيلت عنها—لا لشيء سوى أنها فتاة تريد الخروج من الشرنقة إلى الحياة الحقة. أنتِ فعلا ظاهرة ملفتة يا نعيمة الجريئة، وسيسرني من خاطري –لو أتيحت لي الفرصة- أن أصنع عنكِ فيلما تسجيليا لأن شجاعتك جديرة بالإعجاب. إننا حقا بحاجة إلى ألف نعيمة ونعيمة حتى يعود الشتّامون إلى كهوفهم، وحتى نُخْلِص لذواتنا وندفن هذا النفاق الاجتماعي المستشري في قبورٍ تليق به. لا يليق بالانغلاق والرياء سوى الكهوف، أما الأرواح الطليقة فلها أن تغرد عاليا وترى النور وتفرد أجنحتها في سماء الحرية التي استحقتها عن جدارة.



21 March 2016

ماذا بعد عودة معاوية الرواحي؟

السنة التي غاب فيها معاوية



أتيحُ لنفسي حق التأمل في موضوع عودة معاوية الرواحي للبلاد، بعد سنة قضاها في سجون دولة الإمارات العربية المتحدة، لأن معاوية كان –قبل غيابه- قد تحول إلى شخصية عامة، بل إلى واحد من أكثر المؤثرين في تفكير الشباب. إنه بطل للكثير من طلبة وطالبات الجامعات. هو الأنشط –بلا منازع- في وسائل التواصل الاجتماعي. هو الأكثر تهورا إنْ شئت. والآن وقد عاد هذا الشاب ذو الشعبية الكبيرة، ما المتوقع من قبل شخصية عامة كمعاوية أن يتصرف بعد عودته للوطن؟ هل سيعود إلى سابق عهده في نشر الموضوعات الساخنة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل سيسمح له أهله أن يعرّض نفسه للأذى مرة أخرى؟ هل سيترجل بطل الشباب عن صهوة وسائل التواصل الاجتماعي فيحبط مريديه الذين صلّوا لأجله طوال عام وأشعلوا الشموع لعودته؟ ولكن.. أكانت تلك بطولة مستحقة، أم مجرد ظاهرة ربما كان على هذا الشاب المتعدد الاهتمامات أن يعتبرها مرحلة عمرية عليها أن تنقضي؟ بل، ألم يكن كل ذلك ظاهرة مرضية لها علاجها الذي ظل معاوية الرواحي يرفض أن يتعاطاه؟

منذ أن عرفنا معاوية الرواحي، وحتى قبل أن نعلم أنه مريض بمرض يدعى "اكتئاب المزاج ثنائي القطب"، عرفناه شعلة من النشاط. متعدد الاهتمامات لدرجة التضارب أحيانا—كأنْ يعطي موعدا لخمسة أشخاص في نفس الوقت في خمسة أماكن مختلفة، وفي نهاية المطاف يدخل معاوية في النوم –بسبب عبثية حياته- ولا يلتقي أحدا! كنا نتقبل ذلك منه ونعتبره جزءا من شخصيته "المتنعشلة". لكن مع السنين تغير الأمر كثيرا. صار معاوية أكثر نشاطا لدرجة غير طبيعية بالمرة، وقد ترافق ذلك مع ازدهار الفيسبوك و تويتر وزيادة انغماس الناس في عالم وسائل التواصل الاجتماعي. أصبح معاوية غزير الانتاج لدرجة لا يمكن فيها متابعة كل ما يكتبه ويصوره بالفيديو من موضوعات. فهناك منشورات للفيسبوك تصل من الطول أحيانا إلى درجة لا يستطيع الفيسبوك أن يرفعها، فيلجأ معاوية إلى مدونته لينشرها. وهناك مقاطع فيديو على اليوتيوب بالساعات في الأسبوع الواحد. و هناك قصائد على الواتساب، و سيل من التغريدات في تويتر. و هناك أكثر من حساب بالفيسبوك–لأن الخمسة آلاف صديق التي يتيحها الفيسبوك للفرد الواحد لم تكن كافية لمعاوية الرواحي! كان هناك شاب مفرط الحماس متعدد الاهتمامات يقود معارك على جبهات شتى: لمناصرة قاصة شابة استأسد عليها جيش من الظلاميين، أو للقيام بهجوم موجه ضد كاتبة هزيلة مستفزة تكتب ما تسميه "قصف جبهات"، أو لفضح خرافات رجل دين لم أكن شخصيا قد سمعت به قبل حملة معاوية الرواحي ضده. ما لم نكن نعرفه أن هذا التصاعد المحموم الحاد في نشاطات معاوية الرواحي كان نتيجة للمرض الذي يعاني منه. إنه مرض غريب. وكما يحمل اسمه فهو مرض له قطبان. القطب الأول يمكن أن يُدخِل صاحبَه في نوبات اكتئاب حادة قد تصل إلى مراحل يؤذي فيها الشخص نفسه. وهذا كان يحصل لمعاوية. والقطب الثاني كان يمنح صاحبَه طاقة هائلة وحماسا خطيرا، وهنا كان معاوية يتألق. لم تكن جماهير معاوية المتنامية تعرف شيئا عن كل هذا. إلى أن وقعت الفأس في الرأس بتدوينة نشرها معاوية لم ينقذه منها إلا تسامح السلطة وجهود والده، وقد كان من تلك الجهود أنْ نشر والده لأول مرة للعلن الحالة الصحية لمعاوية والشهادات الطبية التي تثبت حالته النفسية.

الأشهر الستة السابقة لاحتجاز معاوية الرواحي كانت أشهرا من النشاط المحموم في حياة هذا الشاب. كان الأمر قد وصل إلى الفوضى العارمة. كانت هناك حرائق يشعلها باستمرار في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولمن عرفوه عن قرب كانت هناك أشياء مخيفة تجري في حياته الشخصية كردود فعل لمرضٍ يرفض صاحبه أن يتناول أدويته. كانت تمر الأيام بلا نوم لدى معاوية، وفي ظروف كهذه يضطرب الدماغ ويفقد المرء السيطرة على الأمور. في مثل هذا التصاعد المرضي جاءت مسألة تهديد معاوية العلني عبر كافة وسائل التواصل الاجتماعي بقتل الكاتب الطبيب حسين العبري بزعم أن الكاتب قد أفشى أسراره الطبية. في هذه المرحلة بالذات كان معاوية لم يعد شخصا مأمونا، حتى بالنسبة لأصدقائه. لعله كان يقترب من الشيزوفرينيا، حيث يمكن لاكتئاب المزاج ثنائي القطب أن يتحول إلى شيزوفرينيا في الحلات المتطرفة للمرض. حسنا.. هنا حدثت مفارقة شديدة الأهمية. لقد ابتدأ معاوية الرواحي يدرك أنه مريض، وبدأ يذكّر الناس بمرضه وألا ينظروا إليه كبطل. كان ذلك على الأقل ما تقوله كلماته، لكنه كان على أرض الواقع ماضيا في التصرف كبطل. أما جماهيره المفتونة به فقد تجاهلت تحذيراته وبدأت تتجه أكثر فأكثر إلى الذوبان فيه والتماهي مع حالته. لقد ظهر لمعاوية مقلّدون في أسلوب كتاباته. وصار هناك جيل من كتاب الفيسبوك يتفاخر بالإعلان أنه مكتئب ويكتب منشورات مليئة بعبارات مكتئبة. لقد أضحت الحالة المرضية حالة مقدسة. صار الأمر مخيفا، فالمدون الذي يرتكب جريمة قانونية وهي التهديد بقتل أحدهم يصبح بطلا في عيون جماهير توقفتْ عن التفكير. جماهير من الشباب المنقاد تبحث فقط عن البطل لتتبعه، ولم تلتفت يوما لتحذيرات هذا البطل أنه لا يريد البطولة. لقد انتبه معاوية أنّ شعار "#الحياة_هجلو" الذي وضعه عنوانا لفلسفته في الحياة لم يكن إلا شعارا اكتئابيا؛ فالحياة عمل و أمل وليست مجرد تجزير للوقت. لكن جماهير معاوية المتحمسة بإفراط لم تصغِ مجددا لتصحيح المسار الذي أراد الكاتب الشاب أن يقود إليه. على مستوى شخصي لي، كنت قد توقفتُ عن متابعة معاوية الرواحي في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة قبل احتجازه في سجون الإمارات بنحو ثلاثة أشهر. تلك الفوضى النارية كانت مخيفة، ومزعجة. لم أتوقف عن اعتبار معاوية صديقا، وكنت قد زرته في شقته قبل السجن بأيام بسيطة، ورأيت -ما سأحتفظ بتفاصيله كصديق- ما يعبر عن المقدار الذي وصلت إليه حالة التشوش الصحي والمعيشي لدى معاوية. كنت أعرف –ببساطة- أن شيئا سيّئا سيقع. كان معاوية الذي يزداد بطولة في عيون الشباب، يدخل أكثر فأكثر إلى حالة من التشوش الذاتي. كان كل شيء متوقعا (إلا السجن بدولة الإمارات). أغلب التوقعات كانت بأن تحجر عائلة معاوية عليه لأنه كان قد أصبح مؤذيا لنفسه، أو أن يرتكب حماقة في منشورٍ ما يدخل بسببه سجون البلاد. كان معاوية قد وصل إلى مرحلة لابد أن يحدث معها شيء، فهو نفسه لم يكن قد أصبح يطيق نفسه. مرة يتحول لمعلم رياضيات وتصبح مهنة يجني منها المال. ومرة ينهك جسده ليتعلم إشارات موريس في يوم وليلة ويكتب بها منشورات في الفيسبوك. ومرة يتحول إلى جراح يشرح كل يوما قطة أو حيوانا صغيرا، وهو الشاب الذي يخاف بالأصل النظر إلى قطرة دم. لقد أخذ معاوية جسده إلى أقصى طاقة المرونة بحيث كان الجسد ينتظر لحظة الانهيار. وفي مغامرته الأخيرة كان قد تحول إلى صانع للشموع، وهي تقليعة مرضية تحولت بسببها نساء متزوجات إلى مراهقات بائسات مثيرات للشفقة. قبل سجن معاوية بيوم واحد كان معاوية بالونا لابد أن ينفجر، وكنا –أصدقاءه الذين نحبه، وليس مريدوه العميان- نسأل الله اللطف بالقدر وليس رد القدر.

الآن وقد عاد معاوية، ما الذي يمكن أن يحدث؟ هناك عائلة تخشى على ابنها، وقد تخشى عليه كثيرا لدرجة إبعاده عن العيون كافة. لن ينجح هذا مع شاب بالأساس هو مبدع حيوي و نشيط: مدون وقاص وشاعر ومتفاعل مع قضايا المجتمع. وهناك على الضفة الأخرى جماهير تنتظر قائدها الذي لا ترى سوى هالته، لكنها لا تعنيها آلامه وتمزقاته. ولكنّ هناك طريقا ثالثا، اسمه أخذ الدواء بانتظام.

في غياب معاوية الرواحي فقدنا بطلين شعبيين حقيقيين لم تصنعهما جماهيرٌ تقدم أبطالها كقرابين نيابة عنها، ولكن صنعهما حب الوطن والإخلاص له. فقدنا الراحلَين الكبيرين علي الزويدي و حمد الخروصي رحمهما الله. والآن يعود إلينا معاوية الرواحي، الشاب الذي كان يمكن أن يكتب خلال الفترة التي غيبه فيها السجن عدة مؤلفات بين الشعر والقصة والتدوين. لقد حُرِم معاوية الرواحي سنة كاملة من أن يشارك بآرائه في مجريات الحياة العامة في البلاد، والآن تعود إليه الفرصة –لو تعامل معها باتزان- لينسى الجماهير العريضة التي كادت أن تورده مورد التهلكة، ويصغي لصوت المبدع في داخله. صوت الشاعر المطبوع، والناشط الإعلامي الذي ساهم منذ تأسيسه لمهذونته قبل نحو 8 سنوات في تنشيط الإعلام الإلكتروني في بلادنا والتأثير فيه. لن أزعم أن علي الزويدي و حمد الخروصي كانا بلا جماهير في حياتهما. لقد كان هناك جمهور هادئ، لم نره بوضوح إلا في جنازة كل منهما، حين انسابت الدموع الصادقة لفقدهما والدعاء للرب بالغفران لهما وبجنة الخلد. كان ذلك حبا صادقا. هذا جمهور لم يسع المرء إليه، ولم يعبأ به في حياته. كان يحصل كتراكمٍ طبيعي يتحقق بمقدار ما يكرس المرء نفسه للإخلاص لوطنه وقضاياه. أما العائد معاوية الرواحي، فعلي كصديق أن أقول أنه ليس بحاجة لهذا النوع من الجمهور الذي يحيط به، فهو بحاجة أكثر لصداقة الشعر والأدب والفن، وإلى تلك الفئة القليلة النبيلة من أصدقاء الواقع الذين يحبونه بصدق. أولئك الذين سيقولون لك يا معاوية: رجاء، لا تنس أخذ أدويتك، لأنك بصحتك الجيدة تستطيع أن تفعل أكثر وأفضل بكثير مما يفعله المرض بك و بنا.

22 February 2016

لقاء الغريب بالغريب

لقاء الغريب بالغريب


من أجمل المتع في الحياة، هي تلك الصدف النادرة التي تجعل غريبين –أو أكثر قليلا- يلتقيان على طاولة واحدة، ثم سرعان ما ينشأ بينهما حوار حميم. حوار يبدأ بشيء من الفضول، ثم يتطور للحديث عن شؤون خاصة. عن وجدانيات وآراء لا يبوح بها المرء كل يوم. وبدون أن يدرك المتحاوران كيف حدث هذا، يذهب الحوار بغير تخطيط إلى كبد الحقيقة. يصل إلى البوح والتقارب. فجأة يصبح هذا الغريب الذي التقيناه صديقا—كما لو أننا نعرفه بعمق من عدة سنوات. لربما نبوح له عن دواخل أنفسنا وأسرارنا بأكثر مما يعرفه عنا أصدقاء عايشناهم لسنوات. أحب أن أسمي هذا النوع من اللقاءات بلقاءات البحارة في الحانة. حانة ميناء. لعلها صورة أستمدها من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز.. حيث يلتقي البحّار المخضرم بطالب شاب، ويعرض عليه ثلاثة قروش مقابل أن يوافق الطالب على سماع الحكاية التي سيقصها عليه البحّار. حكاية مليئة بتجارب الحياة والسفر والموانئ والنساء والصراع مع الأمواج. أسميه لقاء البحّارة لأن البحارة يرتحلون من ميناء لآخر. وفي محطاتهم القصيرة على اليابسة يجمعهم دفء شراب (الروم) وحميمية الحانة، حيث تنشأ الصداقات وتنتهي. حيث البوح يأتي بلا مقدمات. حيث يعيش المرء عمرا كاملا صاخبا في ليلة واحدة، يسرد حكاية حياته لشخص غريب كمن يشرب ثمالة الكأس الأخيرة، لأنه يعلم أنه لن يلتقي بذاك الغريب مرة أخرى.

كم أحب لقاءات بحارة الموانئ. لا أعني البحارة حرفيا، لكني أقصد أيّ غريبين يلتقيان صدفة لسويعات فتنشأ بينها صداقة عجيبة في جلسة واحدة، ثم يفترقان إلى الأبد. أنا ملّاح مثلهم، ولي موانئي المؤقتة. ولدي حكاياتي التي لا أخبر بها إلا العابرين، الحكايات التي تقال كاملة لشخص لن ألتقيه مرة أخرى. تحدث صدفة لقاء البحارة غالبا في السفر. عند مَشرب على الرصيف، أو مقهى على ضفة نهر. تحدث غالبا عند السفر، في مَواطن لا نعرف فيها أحدا، لكننا جئنا إليها من مواطننا بحب كبير حين اخترنا الترحال إليها. مَواطنُ نحن مستعدون أن نصادق ناسها وأشجارها ونسمات هوائها ونادلاتها اللطيفات. مستعدون لنآخي غرباءها الذين هم ملّاحون مثلنا، مسافرون لاكتشاف شيء جديد وتجربة شيء مغاير. إننا –عند السفر- جميعنا بحّارة. جميعنا لدينا حكاية نود أن نتشاركها، و سرّ أجّلنا البوح به حتى نلتقي بالغريب المناسب. وحين نعود لأوطاننا فإن تلك الصداقة العميقة العابرة التي دامت ليلة واحدة تكون هي أفضل ذكرى نأخذها إلى مخادعنا من ذلك البلد.

لكن السفر ليس مطلبا ضروريا للقاء البحارة. بل إنه لا ضمانة هناك أنّ السفر سيقدم لناء بالضرورة فرصة لقاء الغريب بالغريب في جلسة بوح حميمة. يمكن أن لا يحدث ذلك في السفر، كما يمكن أن يحدث لقاء الغرباء في موطنك الأم. كل ما عليك هو أن تكون مُشْرَعَا لتكون حضنا للآخر إذا احتاج إليك. أن تصغي له بانتباه. تشاركه تجربته. تطلب منه تفاصيل أكثر. وإذا كانت فتاةً جاشت بها الذكرى وهي تبوح بمشاعرها، فليكن حضنك هذه المرة حقيقيا لا افتراضيا. لعل هذا الحضن يكون الترياق الذي يحتاج إليه كلاكما حتى يتعافى من بعض وعثاء الحياة.

لقاءات البحارة قليلة. والمحظوظون السعداء هم مَن يحصل معهم الأمر مرة كل سنتين أو ثلاثا. ولقد كنت أحدهم أكثر من مرة، في السفر وبلا سفر. لن أستطيع أن أصف النشوة التي تملأ نهاري التالي عقب كل مرة ألتقي فيها بغريب أتبادل معه البوح الحميم. البارحة مثلا‘ كي لا أذهب أبعد، كيف تسنى لكل ذلك المرح أن ينشأ فجأة بيني وبين الزوجين البريطانيين اللذين التقيتهما صدفة، وانتهى بي المطاف أسوق بهما مسافة طويلة مُقلّا لهما لمنزلهما، لأن الصداقة التي تكونت بيننا في جلسة واحدة جعلتني لا أقبل أن يستقلا سيارة أجرة كالغرباء. يا إله العرش! بضع ضحكات ورشفات من إكسير متبادل جعلتنا أصدقاء في ساعة! ما أعظم موانئ البحّارة!

وهل أنسى الفتيات اللاتي فتحن قلوبهن لي، وطهّرن قمصاني بمدرار دموعهن وهن يسردن لي عن خيانات الأحبة وقسوة الزمن؟ وتلك التي باحت بأسرار لن تعرفها عنها يوما أمها، كما لن يعرفها زوجها. وأنا الذي تركت العنان لروحي لتسرد فصولَ أفراحٍ وأتراحٍ، عن رغبات مكبوتة تارة، وعن حب موؤود، وعن اشتهاءات شبه آثمة، وعن رغبة عارمة في احتضان الكون بأجمعه، وأحيانا عن فانتازيات وظلال تسكن كهوف النفس. فكان هناك من يصغي إلي بلا توجس أو إدانة. بل كان هناك من يبادلني بوحا ببوح، وحكاية بحكاية، وكأسا بأخرى، وربما دمعة بدمعة أو ضحكة بضحكة. ما أجمل البحارة في موانئهم العابرة!


قد لا نلتقي بالملّاح الذي بحنا له بكل شيء حميم في حياتنا مرة أخرى. لعلنا في لاوعينا لا نتشجع للبوح إلا لمعرفةٍ دفينةٍ في قرارات نفوسنا بأننا لن نلتقي هذا المسافر المرتحل مرة ثانية. لكننا أحيانا نلتقي بالملاح مرة أخرى. نلتقيه ونحن نعلم أننا نلتقي بصديق حميم. قد لا نأتي على ذكر ما بحنا به في أول لقاء، لكننا سندرك دوما أن ذاك اللقاء الأول كان السر وراء صداقتنا هذه. سنلتقي مرة أخرى ونضحك ونتناقش في أمور كثيرة، لكنّ كل واحد منا سيحمل حنينه السري الخاص به إلى لقاء الغريبين اللذين كنّاهما ذات يوم، ذات سويعة آفلة. الغريبين اللذين التقيا في حانة ميناء الحياة. ما أجمل الغرباء، ما أجمل حاناتهم وموانئهم!

*الصورة أعلاه هي لقطة من فيلم (قروش البحّار الثلاثة) لراؤول رويز

08 February 2016

لماذا يأسرني سنابتشات؟

رقصة سنابتشات المحصَّنة ضد الموت




لا أزال مفتونا بعالم سنابتشات منذ أن استوطنتُهُ منذ نحو أربعة أشهر. تجربتي الأولى له كانت قبل أكثر من عام، في نسخة قديمة منه. لم تكن تلك النسخة صديقةً للمستخدم، لذا لم أعرف كيفية استخدامه فهجرته. أما الآن، فأنا أقيم داخل سنابتشات وأشعر ببهجة كبيرة أنني أسكن فيه؛ حيث الكثير من البشر حولي يشاركونني نفس المتعة: أن نزيح كافة الجدران من حولنا ونكون أرواحا مُشاعة ليلاقيها الآخرون بنفس روح الأخوّة والبوح. البوح، لعلها الكلمة المفتاح لعالم سنابتشات البهيج. أعني بالبوح هنا ذلك المقدار الكبير من الرغبة في مشاركة تفاصيل حياتنا اليومية ووقائعها بما يفوق ما نقدمه في وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى. إن البوح –بهذا المعنى- هو الجامع الرئيسي المشترك بين سكان واحة سنابتشات الحافلة بالمتعة.
* * *
لمن لا يعرف سنابتشات فهو تطبيق اجتماعي للهواتف الذكية، يتيح للمستخدِم إضافةَ أصدقاءٍ يتبادل معهم الصور ومقاطع الفيديو، كما يوفر إمكانية الدردشة النصية. الميزة الكبرى في سنابتشات أنّ المادة التي تبعثها لصديقك قابلة للمشاهدة مرة واحدة فقط ثم تختفي. لا يمكن لمن يستقبل صورتك أو الفيديو الخاص بك أن يعيد إرساله لأحد. المادة تختفي ذاتيا بعد مشاهدة واحدة. هناك في سنابتشات خياران لإرسال ملفات الوسائط المتعددة: (1) إما بإرسالها مباشرة لشخص واحد أو عدد محدد من أصدقائك، وفي هذه الحالة يراها ذاك الصديق لمرة واحدة. (2) أو أن تضيف مادتك المصورة إلى شيء اسمه (قصتي)، حيث يمكن لكل أصدقائك مشاهدتها ولا تصبح مقصورة على فرد بعينة أو عدة أفراد أنت تنتقيهم. وبالنسبة للمواد التي ينشرها المستخدِم في ألبوم (قصتي) فإنها تدوم 24 ساعة. أي يمكن لأصدقائك إعادة مشاهدتها مرارا وتكرارا طوال تلك الأربع والعشرين ساعة قبل أن تختفي. وأيضا تظل المواد في ألبوم (قصتي) عصية على أصدقائك ليشاركوها مع طرف ثالث. هذه هي ميزة سنابتشات الكبرى: الخصوصية. بقي القول أن مدة الفيديو الذي تستطيع إرساله لأصدقائك عبر سناب تشات لا تزيد عن 10 ثوانٍ فقط. وكذا الحال بالنسبة للصور، فعندما تصور صورة فوتوغرافية عبر سنابتشات وترسلها لأحدهم فإن لك الخيار أن تقرر المدة التي يستطيع فيها صديقك مشاهدة الصورة، وهي مدة تتراوح بين ثانية واحدة وعشر ثوان كأقصى تقدير، ثم تختفي الصورة. وفي حال قرر صديقك التقاط صورة للشاشة قبل الاختفاء التلقائي لصورتك فسوف ينبهك سنابتشات أن المستلِم قد قام بالتقاط صورتك عبر برامج تصوير الشاشة الموجودة في الهواتف. أنت ما زلتَ محميا وتعرف مَن يحاول خرق خصوصيتك من ضمن قائمة أصدقائك.

عندما ظهر سنابتشات في البداية (تحديدا في سبتمبر 2011) كان ظهوره بسبب مسألة الخصوصية. فنحن عندما نرسل رسالة نصية أو فيديو أو صورة ثابتة عبر برنامج آخر (كالواتساب مثلا)، فليس هناك أي طريقة نضمن بها أن المستقبِل لن يقوم بتمرير رسالتنا لطرف ثالث. جاء سنابتشات ردا على هذا. ولذا فعند ظهوره ارتبط في البداية بالمراهقين وطلبة الجامعات في أمريكا ليتبادلوا فيما بينهم صورهم الخاصة، لاسيما بين الأصدقاء الحميمين، وذلك بفضل خاصية عدم إمكانية تخزين المواد الواصلة عبره إلى ذاكرة الهاتف وكذا عدم إمكانية تشاركها مع شخص ثالث. انتشر سنابتشات بسبب هذا، لكن سرعان ما ظهرت عوامل أخرى عززت انتشاره وجعلته يخرج خارج إطار فئة الشباب (بين 12 و24 سنة) ليستخدمه الجميع. إنه عنصر الرغبة في البوح للآخرين ومشاركة تفاصيل الحياة مع الناس بدون أن يترتب على الأمر أية تبعات. من منا لا يريد ذلك؟ من لا يريد أن يتشارك لحظاتٍ تخصه مع رفاقه، ويرى ماذا يفعل رفاقه، والكل مدرك أنه لا ضررَ سيترتب على ذلك لأيٍّ من الطرفين؟ هنا السر الكبير للانتشار الرهيب لسنابتشات وتحوّله إلى واحد من أقوى وسائل التواصل الاجتماعي قاطبة.

يقول البعض الآن أن الفيسبوك قد أصبح برنامجا عجوزا، لا يستخدمه إلا كبار السن. فيما يراه البعض برنامجا نخبويا يستخدمه من يجيدون الكتابة. هذا قول متطرف بالطبع لكنه مؤشر على الدور الجديد الذي أصبح سنابتشات يلعبه في حياة الناس. من يقولون بشيخوخة الفيسبوك فإنهم يجعلون سنابتشات القوة المضادة له، بوصفه معبّرا عن روح الشباب. لا يمكن إنكار الطاقة الشابة التي يتمتع بها سنابتشات، فهو يجنب المرء عناء الطباعة ويقول بالفيديو والصورة ما لا تقوله الكلمات الخرساء.  وهو مناسب للشباب من طلبة المدارس والكليات كون هؤلاء في مرحلة بناء العديد من الصداقات ولديهم مئات الزملاء في المدرسة والكلية، ولديهم طبيعةُ حياةٍ فضوليةٍ تتطلب التشارك. تتطلب –في الحقيقة- تشاركا مزدوجا: أن تعرِضَ واقعَ يومك للآخرين، وأن ترى واقعَ يومهم معروضا أمامك. أليس هذا كل ما يمثله سن الشباب؟ التشارك! هذا شأنٌ كان الشبابُ دوما بحاجة له: المشاركة. لكن ليس الشباب وحدهم من يحتاجونه، فهناك آخرون لديهم هذا الاحتياج يتمثلون في أفراد المجتمع من الفئات الأكبر سنا، كما تحتاجه الشركات والمؤسسات التي تنظم فعاليات وتحتاج إلى وسيلةً لبثها شبه حية لحظة حدوثها.

أصبح سنابتشات اليوم مطلبا حيويا ورخيصا للغاية للشركات لتروج لفعالياتها. فما عليك إلا دعوة السنابرز الناشطين الذين يملكون عددا هائلا من المتابعين وسيغطون لك فعاليتك أفضل من أية وسيلة تقليدية أو حديثة متاحة. صار لدينا في عُمان سنابرز تخصصوا في تغطية الفعاليات وهم مدعوون دائما ليكونوا في الصف الأول بين الحضور. السنابر فهمي المعولي (مسماه في سنابتشات هو famiwami) هو واحد من أنشطهم، ولعله أول من انتبه لمسألة أن سنابتشات يمكن له أن يتحول إلى مصدر رزق للسنابرز الناشطين. نشر فهمي المعولي تأملات حول أن السنابرز الناشطين في الغرب قد أصبحت هذه مهنتهم. تدفع لهم الشركات لتغطية الفعاليات لأنهم يملكون عددا جيدا من المتابعين، بينما في عُمان فإن أفضل ما يجنيه السنابرز النشطون هو دعوةٌ لحضور الفعالية وتناول العشاء!
* * *
ما الذي يعنيه لي سنابتشات بصفة شخصية؟ لقد أتاح لي سنابتشات فرصة ذهبية كانت من قبل مستحيلة لأتعرف على حيوات أصدقائي على نحو أفضل. في الفيسبوك نحن متحفظون إلى حد بعيد. ربما نتشارك بعض الأفكار لكننا لا نتشارك لحظات الحياة الاجتماعية اليومية بالصورة والفيديو. في الفيسبوك لا ننشر إلا القليل من صورنا الخاصة. ولا ننشر أبدا أي مقاطع فيديو لحياتنا الأسرية. لماذا؟ لأن كل شيء هناك يمكن أن يؤخَذ ضدنا.  خصوصيتنا ضئيلة في الفيسبوك لأن ما ننشره لا يطّلع عليه أصدقاؤنا فقط، ولكن حتى أصدقاء أصدقائنا (الذين لا نعرفهم بالضرورة) يستطيعون النبش في خصوصياتنا. سنابتشات مختلف. إنه يوفر لنا الخصوصية لأننا نتحكم بشكل كامل في الأشخاص الذين نضيفهم كأصدقاء والذين يحق لهم وحدهم الاطلاع على ما ننشره فيه.

في سنابتشات سمعتُ لأول مرة ضحكات صديقاتي اللاتي أعرفهن منذ سنوات في الفيسبوك (ما أثمن أنْ تسمع ضحكة صديقتك للمرة الأولى بكل عفويتها وبهائها). وفيه رأيتُ أطفالا لا حصر لهم يلهون ويملؤون الأرض وداعةً وحبورا. رأيت أفرادا يعيشون الوحدة ويبحثون عمن يدردش معهم في ساعات الليل الأخيرة المضنية.  رأيت هدايا اشتراها أصدقاء لعشيقاتهم السريات (دون أن يصرّحوا أنها لعشيقاتهم السريات). رأيت منى تلهو مع قطتها، ولم أكن أعرف أن أغلى ما لدى منى هو قطتها. سمعتُ عفراء تغني وتغني لتبدد وحشتها، ولتخاطِبَ عالَما غير مرئي تبث له لواعجها وتخبره أن صوتها ليس عورة. رأيت صاحبات أعمال ناشئات يحفرن الطريق الجبلي الوعر نحو النجاح ولتمكين أعمالهن في عالمٍ شرسِ المنافسة. في سنابتشات رأيت عشرات البشر من كل شعوب الأرض يتحدثون بلغات لا أعرف إلى أي بلد تنتمي، لكنهم أذِنوا لي بمشاهدة تفاصيل حياتهم بلا أدنى حرج. في سنابتشات يتابع تسنيباتي بشرٌ من أمم شتى لا يفهمون العربية، لكنّ منهم الحريصون باستمرار على أنْ يروا كيف يعيش الناس في بلاد أخرى وماذا يفعلون بيومهم. إذا كنا نقول أن المسرح قد أسقط الحائط الرابع لغرفةٍ ما فصرنا نشاهد حياة الناس في تلك الغرفة، فقد أسقط سنابتشات الحيطان الأربعة جميعَهَا. لقد بات العالم عاريا وجميلا مثلما كان عليه أن يكون منذ بدء الخليقة.

لا أحب المتفرجين في سنابتشات. لا أحب من يشاهدون تسنيبات الآخرين ولا ينشرون شيئا. إنهم متلصصون. فكرة سناب الجذابة هي التشارك المزدوج، أمّا مَن يطّلع على كافة تفاصيل حياتي ولا يشاركني شيئا فلا أحتاج له. أحيانا أقول أن هؤلاء قد يكونون مضطهدين اجتماعيا بشدة بحيث لا يستطيعون التسنيب، ويكتفون بمشاهدة ما يجود به سنابتشات كنافذة السجن الوحيدة ليروا من خلالها العالم. أتعاطف قليلا ولكني لا أستطيع أن أنشغل بالسجناء. سنابتشات هو نافذة حريتي المتجددة. لا أريد أن أفتحه يوما بدون أن أرى فيه الجديد. لذا أضيف دوما بشرا لا أعرفهم ولا أعرف من أي البلدان هم، فقط لأرى حياة متدفقة كالنهر المتجدد. لا أريد السكون. لا أريد الموت.
* * *
وكما في كل وسيلة اجتماعية جديدة للتواصل، ومثلما في كل باب جديد للبوح، فإن الفتيات هنّ دوما الأجرأ. هنّ الرائدات. هنّ مَن يفتحن هذه النافذة الجديدة لنسمة هواء كنّ دوما بحاجة إليها، ليخرجن بواسطتها من سجن الواقع إلى رحابة العالم المأمول. هكذا أرى ريادة الفتاة في سنابتشات قياسا بتمترس الذكور في مناطق طمأنينتهم المعهودة. هكذا أرى جرأة منشوراتهن مقارنة ببؤس منشورات الشباب المحافِظة والحيادية حد الملل. لذا سأقول: إن لم تملأ سنابتشاتك بقائمة من صديقاتك الفتيات فإن سنابتشات لا معنى له أساسا في المجتمعات المحافظة.

25 January 2016

معاركُ رجلٍ في الأربعين

معاركُ رجلٍ في الأربعين

 (1)
للأربعين معاركها. للأربعين الكثير من المعارك الجارية. بعضها محمول على الأكتاف منذ سنوات أسبق، وبعضها قيد الوقوع. منها ما سيخبو خلال فترة بسيطة، ومنها ما سينتقل لسنين العمر القادمة.



(2)
يفكر في نفسه أن الأربعين قد جلبت له بعض الراحة. لقد أصبح أقل قلقا إزاء بعض الأمور. أبسطها أنه قد قضى أكثر من 15 عاما موظفا حكوميا، وقد وصل راتبه إلى مستوى مقبول (قياسا بما بدأ به). سلفية بيته قد مضى نصفها. ويبدو أنه و زوجته قادران على إكمال الدرب (رغم صراعاتهما المتكررة). أطفاله الثلاثة يملؤون حياته (ولكن يزعجه إصرار زوجته على ضرورة مجيء الرابع). لا يبدو أن تهديدا كبيرا يتربص بخط حياته العام. ثم يتدارك ويسأل نفسه: ماذا عن الصحة؟!
لا يتذكر أيهما حدث أولا، ضعف البصر أم إصابته بالسكري. عالج الأول بالنظارة لرؤية الأشياء البعيدة، فإذا الأشياء القريبة تصبح هي العلة. صار يبدّل بين نظارتين. اشترى مرة نظارة فيها القريب والبعيد، علاجان في واحد كما زعم له المحل الذي أخذ 350 ريالا لقطعة من الزجاج. ارتداها فأصبح البعيد ضبابا وأمسى القريب دخانا. قالوا له ستتعود عليها، لكن ذلك لم يحدث. فعاد إلى مسألة النظارتين وأخذ يفكر: ليتني قرأتُ أكثر عندما كان نظري أفضل.
فكّر في جراحات الليزر الحديثة، لكن شيئا ما فيه يجعله يخاف خوض أية جراحة. لماذا عندما يكبر المرء يرفض الجِرَاحات ويختار التعايش مع المرض؟ هناك من ماتوا بالسرطان وسواه لأنهم رفضوا إجراء الجراحة. هناك رجل عجوز يعرفه أصيب بالعمى الكامل لأنه رفض جراحة صغيرة لعينيه قائلا: "بو باقللي ذا النظر. إنْ خاسوه موه هيبقالي؟". أما السكري فلا يبدو بالنسبة له أنه أسهل  من أزمة جراحة الليزر. على العكس من ذلك، فهو يدرك أن الحل بسيط: المشي وتنظيم الغذاء. ولكن من ذا يقول أن هذا بسيط؟ هذا يعني باختصارٍ الكثيرَ من التغيير في نمط الحياة، وهل التغيير سهل لرجل في الأربعين؟

(3)
عندما يسأله الرفاق عن رأيه في الزواج، اعتاد أن يقول: "60 بالمئة إيجابي و 40 بالمئة سلبي". الآن صار يقول: "شرٌّ لابد منه". منذ متى حدث هذا التحول؟ ولماذا؟
هو موقن أنه و زوجته سيكملان الدرب. امممم، يقول ذلك لنفسه في أوقات السلام العائلي (وما أندرها)، أما في أوقات الشدة، فقد فكر في الطلاق ما لا يقل عن ست مرات بجدية تامة. ما مشكلته مع زوجته؟ هي مشكلة جميع الرجال، لا شيء خاصا أبدا. "النساء يحببن المشاكل. يتلذذن باختلاقها. يحببن أن يرين حياتك كسيحة معطلة لأسباب مجهولة، وحين ينجحن في ذلك ويعطلن حياتك يتهمنك بأنك عديم النفع!"، هكذا يقول. هو يعرف أنها ليست مقولته الخاصة به، فخلفان و علي وسعيد وسليمان وسويلم راعي الفرصادة يقولون نفس الشيء. خلفان يقول له: "طنّش تعش تنتعش". أما سعيد فيفكر في الزوجة الثانية وينصح صديقه بها، ويقول "الحرمة ما شي يأدبها غير حرمة غير". لكن ذلك لا يبدو مقنعا له، فالمتأدب الحقيقي "اللي ماشي على عجين ما يلخبطوش" هو الزوج. إنه الزوج دائما. هو متأدب بوجود زوجة واحدة، فماذا سيحل به لو جاءت "كارثة" ثانية؟ لا شك أنه سينفجر لفرط الأدب! هكذا يرد على سعيد، ويردد له مثلا سمعه منذ سنوات في فيلم مصري: "قل لا تتزوج اثنينِ. أنا من وحدة طِلْعِتْ عيني". في الحقيقة، لا تستعصي فكرة على فهمه أكثر من فكرة أن زوجا منكوبا بسبب زوجته ومع ذلك يقرر الزواج بامرأة ثانية! لا يبدو له أن في الأمر شيئا من المنطق، فكيف تعالج جرحك بنفس النصل الذي أدماك؟ لكنهم يفعلون هذا كثيرا في هذا البلد، فهل ينجح العلاج؟
نصحه سويلم راعي الفرصادة أن يعيد قراءة كتاب (الرجال من المريخ.. النساء من الزهرة)، فهو –على الأقل- حلٌّ أرخص تكلفة، لكنه أصبح موقنا أن حلول هذا الكتاب ونظيراته مثالية، وأنّ قراءة الكتاب لا معنى لها إن لم يقرأ الطرف الآخر الكتاب أيضا ويتناقشان فيه. هل يمكن أن يكون حل مشكلة أزلية عامة شديد البساطة بهذا الشكل، ومتوفرا هكذا؟ ربما عليهما أن يجربا ذلك!
مرة قال لزوجته: "كنا سنصبح صديقين رائعين لو لم نكن أزواجا". هل المشكلة، إذن، في الزواج وليست فيهما؟ وهل لهذه المشكلة حل في مجتمع لا يعرف إلا الزواج صيغةً معترفا بها للعلاقة بين رجل و امرأة؟

(4)
نعم قد ارتفع راتبه عما كان عليه في بداية مشوار حياته الوظيفية، لكن أوجه إنفاقه قد ارتفعت أيضا، وأصبح مسؤولا عن آخرين. لا عن نفسه فحسب.
عشر سنين تبقت على قسط البيت. إذن هي عشر سنين قبل التقاعد. هو لم يعد يطيق عبودية الوظيفة، ولم يدّخر في حياته قرشا أبيض ليعينه في يومه الأسود. وها قد حل اليوم الأسود. لن تكون هناك أعوام أسوأ من هذه السنة والتي تليها. إنه انهيار عام. سيتضرر فيه مثلما سيتضرر جميع البسطاء. خطة التقاعد التي كان يفكر فيها قبل عام أصبحت ضربا من الخيال. كان يفكر أنه اذا تقاعد فسوف يؤسس عملا آخر يعزز دخله، ولكن ها هي الأعمال تتهاوى من حوله، والانهيار مرئي على مد البصر.
أتراه يخادع نفسه عندما يقول أن الأربعين قد جلبت له بعض الراحة و الطمأنينة؟ تبدو له الصورة هكذا من الخارج أحيانا، لكنه عندما يفتت التفاصيل يجد أن السوس ينخر كل شيء. الصحة والمال والحياة الشخصية والمستقبل الآمن. ومع ذلك، يحتاج إلى طمأنة نفسه، ويثق أنه ما يزال قادرا على أنْ يُحِبَ و أنْ يُحَب، وهذا تقريبا يكفيه.
(5)
أما معركته الكبرى فهي أنه لا يكف عن السؤال: هل كان مسار حياتي خاطئا على طول الخط؟ لو استطعتُ العودة للوراء، أكنتُ سأسلك شبرا واحدا في نفس هذا الدرب؟
كم من معارك سأحمل معي للباقي من العمر؟ ولكن، ما الحياة أصلا إذا خلت من كل تحدٍ؟ ما الحياة بلا معارك؟

20 January 2016

شجرةٌ وحيدةٌ عندَ النبع

 إلى مُنى




أريدُ أن ألتقيكِ اليومَ
لساعتينِ أو ثلاثا.

كم أتمناه لقاءً في مكانٍ ليسَ بالعامِ ولا بالخاص
ربما تحت شجرةٍ معزولةٍ على ضفةِ غَيْلِ ماءٍ يجري
أو
على ظلِّ سدرةِ نبقٍ تطلُ مباشرةً على البحر.

ننطرح متعانقَين.
يدي تطوقك.
ولا نتبادل الكلامَ.. لكنّ "بحيرةَ البجعِ" ترفرفُ حولَنا.

نصغي لموسيقى أرواحِنا
ولا نشعر بأسى
أنّ هذا سيكونُ عناقَنا الأخير.