21 August 2014

المانشيت الكبير الذي يرغب القارئ العماني في قراءته

كُتبت هذه المقالة في 27 ديسمبر 2009، وهي أول مقالة أنشرها في جريدة الرؤية الحديثة العهد آنذاك. كان العدد الأول من الرؤية قد صدر قبل كتابة المقالة بثلاثة أيام فقط.
المقالة كانت افتتاحية غير مباشرة مني بوصفي المحرر المشرف على صفحة "رؤى" بالجريدة.
سيلاحظ القارئ اليوم أن المقالة تتحدث عن منتديات الإنترنت ولا تأتي بأي سيرة لمواقع التواصل الاجتماعي، لأن هذه الوسائل لم تكن معروفة في بلادنا بعد. كان بعضها حديث الظهور، والبعض الآخر لم يكن قد ظهر أصلا.
عموما، أرى أن السؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه المقالة ما زال قائما. ألا وهو: هل يمكن اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي مقياسا صادقا علميا للرأي العام العماني؟



الوزير الحرامي*
يتساءل المرء عما يمكن اعتماده كمؤشر حقيقي لقياس الرأي العام في عُمان، وعما إذا كانت هناك حالات تم فيها استقراء الرأي العام بوسائط تحليل علمية ومنهجية تعطي نتائج أقرب ما تكون إلى الدقة وتبتعد قدر المستطاع عن التخمين. ثمة سؤال، بعد هذه المقدمة، يدور ببال الإعلاميين، وهو: ما الذي يريد القارئ العماني أن يجده في الصحافة المحلية؟ وكيف يمكن معرفة ما يشغل باله؟

هناك من يرى بأن منتديات الإنترنت تعطي مؤشرا كافيا عن طبيعة اهتمامات المجتمع العماني وعما يعتمل بداخله من هواجس وتطلعات. فالإنترنت، وفقا لهذا التوجه في التفكير، تكفل حرية أكبر للتعبير لأن الأفراد يختفون خلفها وراء قناع. وإذا سلمنا جدلا بذلك، فهل الاسم المستعار هو الضامن الفعلي ليتيقن المرء بأن ما تكتبه الأقنعة هو المعبر الحقيقي عن الشارع العماني؟ ألا يمكن أن يكون القناع في حد ذاته وسيلة من وسائل التغطية على ما يدور حقا داخل "الرأي العام" المحلي؟

يوجد من الإعلاميين من لا يتفق أن منتديات الإنترنت يمكن أن تكون المعبر الحقيقي عن نبض الشارع، لأنه –وعلى الرغم من شعبية الإنترنت- إلا أن استخدامها يكاد يكون محصورا بفئات معينة في المجتمع على رأسهم طلبة المدارس والمراهقون والمتشددون الدينيون الذين هم أسرع الناس –في العادة- لتوظيف معطيات التكنولوجيا لصالح نشر فكر سلفي ماضويّ! وماذا عن بقية فئات المجتمع؟ هل يستخدم الأميون الإنترنت (الذين تبلغ نسبتهم في بلادنا حوالي 7%** في الفئة العمرية بين سن 15 و45 سنة)؟ وماذا عن غير الأميين ممن لا تستهويهم الكتابة أو لا يطالعون الصحف المطبوعة أو الإنترنت، من ذا الذي يعبر عن واقعهم وهواجسهم؟ وهل يستخدم الموظفون في الوزارات الحكومية منتديات الإنترنت؟ وما نوعية هذا الاستخدام؟ هل يشاركون بالكتابة في المنتديات أم يكتفون بالفرجة على ما يكتبه الآخرون؟ أما إذا توجهنا لمنتديات الإنترنت نفسها، فأي منتدى فيها هو الذي يمثل الرأي العام أكثر من غيره؟ هل هو المنتدى ذو الشعبية الكبيرة لكنه مملوء بالشخابيط المراهِقة أم هو المنتدى الرزين الجاد ولكن عدد زواره بالمئات فقط وليس بعشرات الألوف؟

هل يمكن، إذن، ألا تكون الإنترنت صالحة كمؤشر جيد لقراءة توجهات الشارع العماني وما يحلم بأن يقرأه على صفحات الإعلام المطبوع؟ هل تسهم الإذاعات في رسم صورة عن اهتمامات الجمهور؟ بالتأكيد إنها تفعل ذلك إلى حد ما، فهناك برامج حوارية لها قاعدة عريضة من المتابعين سواء في الإذاعتين الحكوميتين أو الإذاعات الخاصة التي تعمل معظم الوقت بنظام تلقي الرسائل النصية القصيرة. أما الإعلام العماني المطبوع فلعله يكون آخر وسيلة يمكن من خلالها معرفة ما الذي يريده الشارع من الإعلام المطبوع! إن الصفحات المخصصة لمعرفة التغذية الراجعة من الجمهور والتي تتيح له التعبير عما يجوس بخاطره هي صفحات قليلة العدد في الصحافة المحلية، كما أنها ليست يومية، ولا نعلم إذا كانت المؤسسات الصحفية القائمة قد قامت يوما بدراسة رأي الجمهور فيما تنشره من مواد وأخبار ومدى كون محتواها وإخراجها معبرا أم غير معبر عن آمال هذه الجماهير.

لو أخذنا الأمر على الظاهر وافترضنا أن منتديات الإنترنت ذات الشعبية الواسعة يمكن ان تكون الوسيط الأفضل الذي يمكن من خلاله قراءة رأي الشارع العماني ومعرفة ما يحلم أن يجده في الصحافة المطبوعة، لانحصرت الإجابة في المطالبة بالمزيد من الحرية للإعلام. قد لا يختلف إثنان على هذا الأمر، أيْ على كون "مزيد من الحرية" هو ما ينشده الجمهور في الإعلام، لكن أي نوع من الحرية هذا الذي يطالب به جمهور منتديات الإنترنت المتشكل غالبا من المراهقين والسلفيين؟

أفضى تطبيق مبدأ الحرية، وفقا للنموذج الذي اعتنقه كتاب منتديات الإنترنت الذائعة الصيت في السنوات التي تلت ظهور الإنترنت في عمان وحتى محاكمة عدد من مشرفي وكتاب سبلة العرب عام 2007م، أفضى هذا التطبيق –غالبا- إلى الميل نحو التجريح والسب ونشر الشائعات، وكأن سقف طموح العديد من كتاب منتديات الإنترنت انحصر في شتم المسؤول الفلاني وترويج شائعات عن وزير حرامي أو مختلس أو غيره، هكذا وبكل بساطة لأن الكتابة من وراء قناع أتاحت للجميع، ممن يتمتع بحس من المسؤولية أو لا يتمتع به، أن يقذف بما لديه من "سوالف" سواء حملت هدفا بنّاء من ورائها أم كانت مجرد ثرثرة لا أكثر ولا أقل. فهل يمكن القول أن المواطن العماني لا يرغب سوى في هذا النوع من الأخبار وأن مفهوم الحرية مرتبط لديه بترويج أمثال هذه الحكايات التي تجنح للتهجم على الأشخاص دونما دليل؟ من غير المنطقي قبول مثل هذه الفرضية، لأكثر من سبب، منها أنه ليس جميع منتديات الإنترنت تفتقد للرصانة، ولا جميع من يكتبون في المنتديات ذائعة الصيت يفتقدون للكياسة، فضلا عن أن كتاب هذه المنتديات –كما أوضحنا أعلاه- لا يمثلون إلا شريحة محدودة من أفراد المجتمع.

ويبقى السؤال قائما: كيف يمكن إذن، قياس الرأي العام العماني ومعرفة ما يشغله حقا من أفكار وهموم واهتمامات؟ هو السؤال الذي لن تجيب عليه سوى آليات علمية منهجية مختصة بقياسات الرأي العام، عندها فقط يمكن معرفة عما إذا كان "الوزير الحرامي" هو المانشيت الكبير الذي يرغب القارئ العماني في قراءته في صدر صحافته المحلية أم أنه يطمح إلى شيء آخر مختلف.


هوامش:
*(الوزير الحرامي) هو العنوان الذي اخترته أصلا للمقالة، لكن تم تغييره عند النشر إلى (المسؤول المختلس) لأن حرية الإعلام في بلادنا وقتها لم تكن تسمح بعناوين من هذا القبيل.
**7% تقريبا هي نسبة الأمية في السلطنة عام 2009، في الفئة العمرية بين 15 و 45 سنة.

20 August 2014

السَفَر الذي يبدأ بعد العودة للوطن

السَفَر الذي يبدأ بعد  العودة للوطن!

إلى سالم الذهلي.. عائدا من رحلة أخّرها القدر لتكون أكثر نضجا وإمتاعا

كانت لدي دوما قناعة بأن السفر الحقيقي؛ أي السفر الذي يترك أثرا عميقا في وجدان الإنسان، هو ذاك الذي يبدأ بعد العودة إلى أرض الوطن. ثمة سفر للفرجة العابرة، لا يهم المسافر فيه تفاصيل المكان الذي هو فيه لبضعة أيام فقط. لا يعنيه وضع الناس السياسي وعلاقتهم بالسُلطة في بلادهم، كما لا تعنيه أوضاعهم الاقتصادية -إلا بالقدر الزهيد الذي تؤثر فيه سلبا أو إيجابا على نفقات رحلته القصيرة-. هذا السفر هو السفر العابر، وهو لا عيب فيه سوى أنه عابر (وذلك إذا كان "العبور" عيبا بالأساس). ثمة سفر آخر طويلُ الأثرِ في الروح، هو ما يمكن تسميته بالسفر القار في النفس، أو المقيم، أو الحقيقي، أو غيرها من المسميات الشبيهة. إنه السفر الذي لا يكتفي بمجرد "تغيير الجو"، ولكنه يترك في وجدان المسافر أثرا عميقا يظل يلازمه طويلا، وفي بعض الأحيان يعيش معه حتى نهاية العمر. هذا النوع من السفر هو الذي يبدأ لحظة عودة المسافر إلى أرض الوطن، حيث يعيش المرء حالة مراجعات ذاتية واستعادات وتأملات، تجعله ينظر لمكانه الأم نظرة جديدة، ويفكر في واقعه بشكل مختلف، ويضع رؤى جديدة لقادم أيامه.


لا يستلزم السفر الحقيقي أن يبقى المسافر طويلا في رحلته، أي أن يقضي في البلاد الجديدة فترة طويلة من الزمن تجعله يشعر نوعا ما أنه أصبح تقريبا أحد أبنائها. إنها لحقيقةٌ أن المكوثَ في مكان السفر فترة أطول يعمّق لدى المسافر تجربة السفر، لكنه ليس شرطا دائما -كي يترك السفر أثرا عميقا في النفس- أن تكون مدته طويلة. ثمة رحلات قصيرة تترك هي الأخرى جرحها الحميم في الوجدان. إنه جرح ينزف عطرا وحنينا وشعرا وموسيقى. جرح يفتح مسامَ البشرة التي كانت مسدودة بالأتربة وهموم الحياة اليومية ومدى الرؤية المحدود الذي يسببه طول البقاء في المكان الواحد. هذا الجرح، وهي لغة مجازية بالطبع، هو نافذة الروح للتأمل والتلذذ واستعادة الذكرى والاستمتاع باللحظة المنقضية واللحظة الآنية. الوقوع في عشق الأمكنة خصلة روحية سامية، وفي الغالب فإن العاشق لا يدرك أنه واقع في العشق إلا بعد الابتعاد عن المعشوق. هنا تبدأ القراءة الذاتية للمكان الذي كنا فيه قبل السفر، أي موطننا الأم، لندرك أن كل ما يبدو لنا طبيعيا وعاديا ومن المسلم به هو مجرد عُرف خاص بمكاننا، ولكنه ليس بالضرورة "الصواب" أو "الخيار" الوحيد المتاح في الكون. إنه فقط استقرارنا على منظومة من المألوفات ما وَجَدتْ يوما من يهز ثقتها بنفسها، والسفر الحقيقي هو ذاك الذي يعيد النظر إليها ويشاكس استقرارها وطمأنينتها الراكدة.

أهدتني رحلتي إلى بولندا عام 1997، وهي السفر البعيد الأول في حياتي، ما لم أتوقعه يوما من مفاجآت، وفتحت لروحي منافذ ونوافذ ما كنت حتى أدرك أنها موجودة. لأول مرة أرى هواءً لونه أبيض! نعم، كان للهواء لون، ولا زلت لغاية الساعة لا أدرك حقيقة هذا اللون الأبيض للهواء الذي تكتنزه ذاكرتي. كم كان رائعا أن تلدغني لذعة برد آخر الليل وأنا عائد لغرفتي لأنام. كم كان "دافئا" ذلك البرد اللاذع. كم كان جديدا عليّ أن لا أرى العمالة الآسيوية حولي في كل مكان، فلأول مرة أدرك أن الحياة مع كل هذا العدد من الآسيويين هو ليس بالضرورة قدر جميع الأمكنة، وأنه ربما شأن غير صحي ببلادي--وأنا الذي عمري لم أنظر إليه يوما نظرة تساؤل أو تفحّص. لقد ولدتُ وكان الوضع هكذا، فلم أنتبه لأتساءل هل كان عليه أن يكون هكذا حقا. كم هو منظر لا ينسى كتابات ورسومات الشباب على دورات المياه -والممر المؤدي إليها- في النادي الليلي في تلك المدينة الضاجة بحياة الليل. إن هنا لونا من التعبير لم أألفه. ما أجمل المدينة القديمة هنا -التي لا تدخلها السيارات-، وما أعرق جامعة وارسو التي دخلتها دون أن توقفني بوابة وحرس مدججون بالمسدسات. يا للنظرة الأولى الشقية الفرِحة بالجديد. لقد سِرت في الشوارع ودخلت المسارح وعشت أجمل أربعة عشر يوما في مرحلة العشرينيات من عمري، وحين وقفت أمام النار المشتعلة دوما عند ضريح الجندي المجهول الذي يجسد بطولات الشهداء البولنديين الذين سقطوا بمئات الألوف لتحرير بلادهم في الحرب العالمية الثانية، خُيّل إلي أنني قرأت اسمي بينهم! لم أكن أدرك عند عودتي لمسقط، أنني كنت سأتغنى ببولندا لأشهر طويلة أضجرتُ خلالها الأصدقاء في لقاءات الليل التي كانت ما تزال حميمة آنذاك، فقد سئموا من حديثي عن بولندا وكأن "سُرّتي قد قُطِعت هناك" كما عقّب أحدهم! إنه السفر الحقيقي، لا العابر، هو ذاك الذي يبدأ بعد العودة للوطن، وهو ما حصل معي في التجربة البولندية، مثالا لا حصرا، والذي ما زلت أراه يحصل للأصدقاء حين يسافرون بلهفة للقاء أماكن يحبونها أو أخرى جديدة عليهم، لاسيما تلك الأماكن التي سمعوا طويلا عنها وتأخرت زيارتهم إليها.

19 August 2014

الفيديو الذي احتفظ به جميع الرجال في هواتفهم المحمولة

كُتبت في 26 أغسطس 2006م. ونشرت في وقتها في مجلة الرؤيا



الزموا أماكنكم يا أيها الجبناء!


من الذي غَرّر بك لتغرر بها؟ من الذي أوصلكَ للقناعة بأن ما قمتَ به أمر بطولي وكانت النتيجة تدمير حياة تلك المسكينة؟ من الذي منحك كل هذا الصَلَـف لترفض تصحيح الخطأ، بل لترفض الاعتراف بأن ما قمت به هو خطأ بشع قد لا يقبل الغفران؟

صُورتُها الآن على الهاتف النقال لدى كل إنسان. فيديو كليب مدته دقيقة وأنتما تمارسان الجنس. أنت الذي يقوم بالتصوير لذا لا يظهر منك إلا جزء محدد من جسدك تظن أنه سر رجولتك، ليتك خُلقت بدونه أيها الوغد! أنت جبان للدرجة التي لا يظهر فيها وجهك أو صوتك في ذلك الفيلم القصير، أما هي فقد حرصتَ أنت على تصوير كل ما يمكن لكاميرتك أن تحصل عليه، شاملاً وجهها بتفاصيله الكاملة، لكي تنشر الفيلم بعد ذلك لمن تعرف ومن لا تعرف وتقول: انظروا، لقد نلت منها، هذا هو الدليل.

نعم، لقد تعرّفَ الناس عليها كما خططت أنت لذلك بدم إجرامي بارد. تعرف عليها أصدقاؤك وعيّروا أخاها الذي هو صديقهم. كَتَم الأخ الأمر متوسلا للآخرين أن يعدموا ذلك الفيديو. الأخ لم يجرؤ على مفاتحة أخته بما شاهده، كان كل ما يتمناه أن لا يشاهد والدهما الفيلم. لكن الفيديو انتشر داخل عمان كلها. "فتاة الولاية الفلانية".. كل عمان تعرف الآن أنك أيها البطل الصنديد قد هتكت عرض فتاة وثقت بك. كل عمان تعرف أنك نذل خسيس حتى وإن لم يخبرك أحد بذلك.. قد يمدحك بعضهم علانية، لكن منهم من يتساءل: هل فكر هذا السافل في أخواته وهل تمنى لهن قَدَراً مشابهاً؟ نعم. هل تتمنى أن تقع أخواتك ذات يوم فريسة لخسيس مثلك يتلاعب بعواطفهن؟ قد تقول أن أخواتك "متربيات أحسن تربية"، نعم هن متربيات وكذلك البنت التي خنت أنت ثقتها ونشرت صورتها. هي أيضاً متربية أحسن تربية ولم تمنح ثقتها من قبل لرجل غيرك. هي متربية للدرجة التي وثقت فيك ثقة عمياء.. لكن الحقيقة أنك أنت الذي لم تتم تربيته جيداً. لقد رباك المجتمع على نحو خاطئ. علمك أن التشهير بالأعراض حق مكفول للرجل، وأن الذكورة تقاس بمقدار ما يهتك الفحل العربي من أعراض وبمقدار البيوت التي تنهار علي يديه!

أنت لست أول من يفعل ذلك. كثيرون مثلك فعلوه. لكن ذلك لا يعني أنك برئ. أنت مذنب بكل سبق وإصرار. أنت مذنب ويجب أن تنال عقابك: أنت خائن للثقة. أنت مذنب بجرح مشاعر فتاة بريئة وثقت بك. أهكذا تكافئها بعد أن خاطرت بسمعتها وحياتها لأجلك؟ يا لك من ناكر للجميل. القاضي يريد إرغامك على الزواج بها، وأنت ترفض محتداً أنها غير شريفة! هل أنت هو الشريف إذن يا أيها الخسيس؟ نعم، أنت لست أول من يتنكر لبنت أحبته ووثقت به. أنت رجل يحميك المجتمع الذكوري إلى حد بعيد، لكن ليس دائما أيها المتغطرس، فليست كل الجرائم تمر بدون عقاب! قد لا يكون الزواج بالفتاة المغرر بها والمشهر بها أفضل حل في العالم، لكنه أفضل حل في مجتمعنا. نعم أنا مع القاضي الذي يحاول إرغامك على الزواج وأنت ترفض بتكبر، ولو كنت مكان القاضي لأجبرتك على الزواج وبعد إتمامه سأودعك أيضاً السجن لكي لا تكرر فعلتك مع ضحية أخرى.
* * *

سيقول البعض أن المشكلة هي في كاميرا الهاتف أو في تقنية البلوتوث. هذا ليس صحيحاً أبداً، فالبلوتوث والكاميرا منتشران في العالم كله ولكن لا أحد مثلنا نحن العرب يوظفهما هذا التوظيف السييء. إن المشكلة في عقلياتنا التي تتعامل مع هذه الأجهزة. إن المشكلة هي في ثقافتنا الذكورية التي تجعل الرجل شبه معصوم عن الخطأ وتكون المرأة هي المخطئة دوما حتى عندما تكون هي الضحية. عندما تسود الثقافة الذكورية في مجتمع ما فإنها تُعلي من قيمة الرجل وتقلل من شأن المرأة. يصبح الرجل متفوقاً في الامتيازات دون وجه حق، وتتحول المرأة إلى أداة بيد الرجل. لماذا تقبل المرأة العربية هذا الدور؟ لماذا تقبل أن تكون أداة في يد شاب لا يتفوق عليها بأي شئ يذكر؟ أنتِ أيتها الضحية التي انتشرت صورتك في الفيديو كليب وأنت في أكثر لحظاتك إخلاصاً لرجل تحبينه، لماذا وافقتِ أن يقوم بتصويرك؟ ألأنك تحبينه؟ ألا تعرفين من هم رجال هذا المجتمع؟ ألا تعرفين أن ثقافة مجتمعهم تيسر لهم سبل النجاة بحياتهم حين تقع الكارثة، وأنك أنت وحدك ستكونين الضحية دائما؟ أنت مغرر بك لأنك صغيرة. مغرر بك لأنك أحببت من لا يستحق حبك. لكنك ستكونين دائما الضحية الأبدية إن ظللتِ مستسلمة لسلطة الرجل عليك. كوني قوية في قول "لا" أمام نزوات الشباب. لا سلطة لهم عليك ولستِ مرغمة لتنفيذ ما يطلبونه. قولي "لا" ولا تسمحي باستغلالك لكي لا تظلي دوما ضحية أبدية. عليك أن تتعلمي كيف تقولين "لا" وإلا سيظل الرجل هو صاحب الامتياز الدائم. سيظل هو من يحدد لك أقدارك ويرتب لك أدوارك شاملاً دور الضحية. قولي "لا" لكي لا تظلي دوماً غير شريفة ويظل هو الشريف والبطل في عيون الجميع رغم أنه هو الآثم.
* * *

أنتَ لست بطلاً يا خائن الثقة..أنت أناني وليس لديك أدنى حس بالمسؤولية. وإذا كان ثمة رجال يشدون على يدك ويثمنون ما فعلته فاسألهم هل يقبلون ذلك في زوجاتهم وأخواتهم. كل واحد منكم أيها الأشاوس النشامى الصناديد يفتخر بأن لديه ثلاثون وأربعون وخمسون عِلاقة. وكل واحد منكم يظن أن زوجته وأخواته في منأى عن إقامة علاقات مع الآخرين. ولكن هل فكرتم أيها الأذكياء أنه إذا كان لكل منكم ثلاثون علاقة، فكيف يمكن أن توجد فتيات لم يلمسهن أحد! يا لتفكيركم المضحك. إنكم تتجاهلون ذلك دون ريب لأنكم غير قادرين على مواجهة الحقيقة. لا تستطيعون تصور أن تكون قريباتكم مغرراً بهن كما تغررون أنتم بقريبات الآخرين! إن المشكلة ليست في العلاقة إذا كانت برضا الطرفين، المشكلة هي في استغلال طرف واحد لتلك العلاقة أبشع استغلال. أنتم أيها الاستغلاليون لستم أبطالا ولكنكم فزاعات مملوءة بالقش. أنتم بشكل ما ضحايا ثقافة ذكورية غررت بكم وألبستكم ثوب بطولة وهمية. أنتم لستم أبطالا حقيقيين، كما أن كونكم ضحايا لا يغفر لكم جرائمكم، إنه لا يمنع أن تكونوا مجرمين. إنكم حين تلتقطون صورة الفتاة فأنتم تفعلون ذلك بنية مبيتة لنشر هذه الصور لاحقا. أنتم تكذبون على من أحببنكم بقلوبهن الصادقة وتضمرون الخيانة والغدر بهن. إن الخيانة في دمائكم، والطعنة من وراء الظهر تفعلونها بدم بارد وبلا حس بالمسؤولية. ثم أنكم تتهربون حين تقع المشكلة وتدّعون البراءة وأنكم الضحايا. لكنكم لستم ضحايا هذه المرة.. هذه المرة أنتم صناع الجريمة وأنتم من يحق عليكم عقاب المجتمع. أنتم تستحقون عقابا يعادل بشاعة جرائمكم. إن المرء يتمنى إدخال تشريعات جديدة في القانون لمواجهة مثل هذه الجرائم المستحدثة، فالتشهير بشرف البنات في مجتمع كمجتمعنا لا يقل بشاعة عن الاغتصاب في آثاره التدميرية المزمنة. بقدر ما يتمنى المرء أن ينال القانون منكم غير أن الردع الحقيقي لا يبدأ بيد القاضي، إنه يبدأ بالفتاة العربية نفسها. إنه يبدأ بمقدرة هذه الفتاة على الرد على من تسول له نفسه منكم الاعتداء على كرامتها، وأن لا تمنح نفسها طُعما سهلا لأحد منكم. إن عقابكم يبدأ بانقلاب الفتيات عليكم ورفضهن أن تكونوا متسيدين عليهن بعد الآن. إنْ لم تصل الفتاة العربية على هذه القناعة فأنتم ستستمرون في طغيانكم الأبدي، لا القاضي يستطيع أن يوقفكم، ولا الأعراف والتقاليد. لا أحد غير الفتيات الشجاعات أنفسهن يمكن أن يعدلن من أوضاعهن بأن يقلن لكم في الوقت المناسب: كفى، الزموا حدودكم أيها الذكوريّون، أنتم لا تدينون لنا بشيء وليس لكم فضل علينا. كفى. الزموا أمكانكم يا أيها الجبناء.


هامش:
الذكورة X الذكورية
الذكورة: أن يكون جنس الإنسان ذكرا
الذكورية: هي حالة الإعلاء من شأن الذكور في مقابل التقليل من شأن الإناث. وهي أيضا سيطرة الذكور على مجتمع ما اعتقادا منهم أنهم أفضل من الإناث.

18 August 2014

اللذعةُ الخطأ

نُشرتْ في جريدة الشبيبة بتاريخ 31 مارس 1997م


اللذعةُ الخطأ

"كلنا على خطأ اللذعة مشّاؤون"
صالح العامري


(1)
عن ترهلِ البطنِ وضمورِ حبلِ السُرّة
سأدوّن بضعةَ أسطر.
عن الفقاقيع السابحة في الشرايين والأوردة.
عن الدم الأصفر (لفرط الغبار).
عن القصبة الهوائية المهترئة.
عن آلام المفاصل بعد دقيقتين من الـ (...).
عن النَفَس اللاهث عند صعودي السُلّمَ المتعجرفَ
الذي لا يُوصِلُ أبدا إلى قلبها.
عن حيرةِ طفلٍ أرضعته الأرضُ خواءَها
فانتفخ.
          لن أدوّن أيَّ سطر!

(2)
ليس هنالك ما يعد سهوا
في أفعالِ امرأةٍ ما.
فإذا انكشفتْ ركبتُها..
فإن ذلك يعني
أن الحزن الذي يخيم على المدينة
سوف يمطر قمحا
يوما ما.

(3)
الصلصةُ الحمراءُ (على جانبيْ فمي)
-وأنا أكرعُ فخذَ الدجاجة المشوية-
تجعلني أبدو أليفا
مثل دراكولا!

(4)
تلك الرُكبةُ ليست لي.
لو كانت
ماذا أنا فاعلٌ بها؟

(5)
سأفعلها كغضروفٍ صَدِئ
في أسفل الركبة.
سأخذلُ الساقَ والقَدَم
فيجثو البعيرُ إلى الأبد.

(6)
الليلُ.. لا يعني الظلامَ في جميع الحالات.
أحيانا، يعني الوقتَ الذي يستحيلُ فيه القلبُ عظيما
كظلِ مَن في السماوات.
الليلُ، في الحقيقةِ
يعني الضوء.

(7)
على طَرَفَي ثغرها ثغرتان
حتما سأعبئهما بالقبلاتِ
يوما.
عندما يشقشق القلبُ
كنبعِ ماءٍ، يوما.
سأفتحُ فيها ثغورا جديدة
وأصلّي
أنْ أخبَّأ فيها!

(8)
لم يعد السبتُ أولَ أيامِ الأسبوع
فالأيامُ ثوابتٌ على ما قبل البدء.
بَيْدَ أنّ الآدميَّ اكتسب عبر التجربةِ
القدرةَ على معرفة الفرق الحسيّ بين الليل والنهار،
من حيث:
درجة الحرارة
نسبة الرطوبة
سرعة الرياح
والأحلام المزعجة.

(9)
كلُّ مُزَيّنٍ قصّ شَعري
لابد أنه شعر بالامتعاض
ولو لوهلة!

(10)
ليس عجيبا إذن
أن يتناقصوا واحدا إثر آخر.
ومع ذلك..
أنا لا أشعرُ بالفقد!

(11)
وهكذا
لم تكن فرجينيا وولف موهومةً حين كتبتْ أنّ أهم ما في الأمر:
"غرفة المرء الخاصة".

(12)
سيكون النَوالُ سخيّا
على قدرِ الجفا.

17 August 2014

اللاهون في الجحيم

فيلم: ووك-أباوت
Walkabout

ووك-أباوت Walkabout (وأجتهد هنا في ترجمة العنوان إلى "التطواف الهائم") هو ثاني فيلم للمخرج البريطاني نيكولاس روج Nicolas Roeg، وقد رأى النور عام 1971. قبل ووك-أباوت أخرج روج فيلما واحدا حمل اسم "الأداء" تعاون في إخراجه مع مخرج آخر هو دونالد كاميل Donald Cammell، ولذا فإن ووك-أباوت هو الفيلم الأول الذي يخرجه نيكولاس روج لوحده بلا تعاون مع مخرج آخر، إلا أن تجربة روج السينمائية أقدم من ذلك بكثير.


نيكولاس روج بالأصل مدير تصوير، أي الشخص المسؤول عن جماليات التصوير والإضاءة والألوان وتناسقها في الفيلم السينمائي. كمدير للتصوير، تميز روج عن الآخرين، إذ كانت له دائما رؤاه الحساسة لمكونات اللقطة السينمائية، وقد شارك كمدير تصوير في عدة أفلام لها اليوم أهميتها في تاريخ السينما. من الأفلام التي عمل فيها روج في مجال التصوير السينمائي فيلم "لورانس العرب" عام 1962 مع المخرج ديفيد لين. حيث كان نيكولاس روج مسؤولا في هذا الفيلم تحديدا بشكل كامل عن كافة تفاصيل مشهد تفجير القطار وهو أحد المشاهد الرئيسية في الفيلم. تدور أحداث فيلم "لورانس العرب" في البادية العربية، حيث تحظى الصحراء بحضور باهر وأساسي كشخصية من شخصيات الفيلم. إن حضور الآفاق الممتدة المعروفة بالـ لاندسكيب Landscape ، مثل الصحارى، يعد ثيمة أساسية في عدد من أفلام روج، وهو ما سيتضح أكثر عند الحديث عن فيلم ووك-أباوت.
* * *
يجسد ووك-أباوت مسألة رئيسية في سينما نيكولاس روج، ألا وهي التصوير في الفضاءات المفتوحة والسفر خصيصا إلى أماكن جديدة لتكتشفها كاميراه وتلتقط بصيرته السينمائية أبعادها الجمالية. في السبعينيات لوحدها أخرج روج أربعة أفلام يدور كل واحد منها في بلد مختلف. أو بالأدق، يدور في بلد جديد خارج بريطانيا موطن المخرج ومقر إقامته. ففي أفلامه التالية: "ووك-أباوت"، "لا تنظر الآن"، "الرجل الذي هوى إلى الأرض"، وأخيرا "توقيت سيئ"، في هذه الأفلام الأربعة ذهب روج إلى أربع بلدان مختلفة للتصوير. ذهب بالتسلسل إلى: صحراء أستراليا، القنوات المائية في مدينة البندقية الإيطالية، جنوب غرب أمريكا، ومدينة فيينا. أي أن أفلام السبعينيات جميعها التي أخرجها روج قد قام بصناعتها خارج المملكة المتحدة!
يبحث روج عن شيء خاص. عن مكان خارج البنايات الشاهقة والغرف الضيقة. يبحث عن أمكنة جديدة على عينيه مثلما هي جديدة على عيني المشاهد. وقد نُقِل عن روج التساؤل التالي: "كيف نستطيع أن نزعم أننا نفهم من نحبهم فهما كاملا، إن لم نضعهم في إطارهم المكاني الكبير؟". يضع روج المكان كمفتاح لفهم الشخصية الإنسانية. هناك مؤلفون وصناع أفلام يختبِرون شخصياتهم بوضعها في مواقف خطرة لفهم تصرفاتها، لكن ذلك لا يقدم لنا نظرة بانورامية عن سلوك الشخصية في السراء والضراء، فهو يكتفي برصد ردة فعلها في الظروف الحالكة. أما نيكولاس روج فيختبر شخصياته من خلال علاقتهم بالمكان الذي يعيشون فيه. لعل الشخصية وما تقوم به ليس الهدف الأصلي للحبكة، لعل المكان هو بيت القصيد، وما الشخصية إلا مطية للتعرف على جماليات الأمكنة وخواصها.
* * *
تدور أحداث فيلم ووك-أباوت في أستراليا. جزء بسيط جدا منه يقع في مدينة سيدني، أما الجزء الأكبر فتدور أحداثه في الصحراء الأسترالية المعروفة بالـ آوت-باك OutBack. كلمة ووك-أباوت والتي يتسمى الفيلم باسمها، عبارة عن لفظة حديثة لوصف طقس قديم خاص بسكان أستراليا الأصليين. جرت العادة العتيقة في مجتمع سكان أستراليا الأصليين، على أنه حين يصل الفتى سن البلوغ، فإنه يغادر عشيرته ويهيم وحيدا في الصحراء مدة من الزمن تمتد عدة أشهر لا يختلط فيها بأي تجمع بشري من السكان. هذا الطقس هو طقس الـ ووك-أباوت، وبترجمة قد لا تكون دقيقة يمكن تسميته بـ "التطواف الهائم". غرض التطواف الهائم هو تعليم الفتى أصول الاعتماد على النفس للبقاء حيا في بيئة شحيحة الموارد. يحمل الفتى في فترة تطوافه خلاصة ما تعلمه من قومه من فنون الصيد والبحث عن الماء في الصحراء القائظة. يطبق الفتى هذه العلوم، فإن اجتاز هذا الامتحان الصعب ونجا من مهالك الصحراء فإنه يصبح خليقا بدخول عالم الرجولة.


تبدأ أحداث فيلم ووك-أباوت بعيدا عن هذا كله، بعيدا عن الصحراء وسكان أستراليا الأصليين. يبتدئ الفيلم بأُسْرة (بيضاء) تعيش في مدينة سيدني ذات البنايات الشاهقة. لا حوار في بداية الفيلم ولكن خليط من الموسيقى وصوت الراديو واللقطات السريعة لحياة مدينة مزدحمة خانقة.  نفهم من السياق أن الأب –رب الأسرة- يخطط للذهاب للصحراء الأسترالية البعيدة كل البعد عن حياة المدينة، لا نعرف بالضبط هل هو منقول للعمل في أحد المواقع هناك أم أنها مجرد رحلة خلوية. كل ما نعرفه من اللقطات التالية أن الأب يأخذ ابنته ذات الأربعة عشر ربيعا، وابنه ذا الأعوام التسعة وينطلقان إلى صحراء الآوت-باك الأسترالية الشاسعة.
في مكان مهجور بعيد عن كل شارع أو ملمح للحضارة البشرية، يقف الجميع في استراحة لتناول الطعام. الطفل الصغير يلعب بمسدس أطفال متخيلا نفسه في معركةٍ ما كما يفعل الأطفال الذكور ببراءة. الابنة تنزل لتغتسل في بركة ماء بالجوار. أما الأب فيخرج مسدسا ويصوبه نحو الطفل. نسمع طلقات رصاص. يتداخل صوت إطلاق الرصاص الفعلي مع صوت تقليد إطلاق الرصاص الطفولي الذي يمثله الفتى وهو يلعب. إن الجد والهزل يختلطان، وبراءة الطفولة تجابه عالم الكبار في إيقاع مونتاجيّ لماح. بعد كل أصوات طلقات الرصاص الحقيقي والوهمي التي سمعناها، نرى الأب وقد أضرم النار في سيارته وأطلق رصاصة على رأسه. لن نعرف أبدا سبب ذلك طوال الفيلم، لكن بإمكاننا التخمين أن المدنية المعاصرة قد نالت منه وأنه لا يريد أن يمضي أبعد من ذلك.
* * *
أب ميت. سيارة محترقة. وفتاة في الرابعة عشرة من عمرها مع أخيها ذي الأعوام التسعة متروكان وحيدين في صحراء شاسعة. ذلك هو توصيف المشهد لغاية الآن. وحين نقول صحراء شاسعة فنحن نعني ما تعنيه الكلمة حقا. فصحراء أستراليا واسعة لدرجة أن المرء يمكن أن يقطع مئات الأميات قبل أن يصادف في طريقه إنسانا آخر.
هنا تبدأ معاناة الأخوين للحفاظ على حياتهما. يبدآن المشي على غير هدى. ينفد ما لديهما من طعام. يبدأ التعب في النيل منهما، وتخيفهما حيوانات الصحراء وزواحفها، أما تسلق الصخور والتلال فيوهن جسديهما. تتبّع كاميرا فريق نيكولاس روج تفاصيل رحلة الشابين في مديح بصري لجماليات الصحراء ومخلوقاتها رغم المعاناة التي تحيق بالشخصيتين البريئتين المتروكتين لموت وشيك إن لم تتحقق معجزة ما. تأتي المعجزة على هيئة فتى من سكان أستراليا الأصليين، فتى شبه عار خلا من خرقة بسيطة وقد لف حول وسطه سحلية اصطادها مؤخرا. الشاب الأسمر هو فتى في مرحلة الـ ووك-أباوت، أو التطواف الهائم معتمدا على ذاته فقط ومعتزلا كل العالم من حوله. ثلاثة أبرياء من حضارتين مختلفتين، ما أكثر ما نالت المتفوقة صناعيا من الأخرى من سفك للدماء وإبادة تاريخية! لا لغة مشتركة بين الثقافتين، لكن الشاب الأسمر يفهم أن الفتى والفتاة بحاجة إلى شَربة ماء وإلا لهلكا عطشا. لا يبخل الشاب بمفاجئته حين يريهما أن الماء مخزون في الأرض تحت قدميهما وأن عملية حفر بسيطة ستأتي بالماء وتنقذهما! ورغم غياب اللغة الملفوظة بين الأطراف، تلتحق الأخت وأخوها بالشاب الأسمر ويلازمان خطاه في هيامه في الصحراء، فلعله يقودهما إلى شارع مسفلت يمكن أن يستقلا منه سيارة تعود بهما إلى المدينة، إلى حيث ينتميان.
* * *
تأخذ رحلة الفتية الثلاثة معظم وقت الفيلم. لنزور معهما سحر الصحراء الأسترالية وتشكلاتها الفريدة بين رمال جافة تارة وواحات مياه مؤقتة تارة أخرى. بين الطيور والسحالي والثدييات النادرة، وبين الأراضي القاحلة التي لا تحتوي سوى هياكل حيوانات نافقة.
الفيلم أيضا بحث في العلاقة بين حضارتين. هو تجربة بريئة من أمنا الطبيعة: حيث ثلاثة أطفال من حضارتين مختلفتين تلتقي طفولتهم في الأرض البكر، فهل هناك أيضا سيد وعبد في رحاب الطبيعة؟
يتحدث الكاتب لي هيل Lee Hill في مجلة "حواس السينما" عن شخصيات نيكولاس روج واصفا إياها بأنها شخصيات لا تدرك أنها تعيش في الجحيم لأنها تقضي معظم وقتها في حالة لهو، لكن حين تنتبه إلى ذلك يكون الأوان قد فات وتكون هي قد اجتازت نقطة اللاعودة. ذلك أيضا ما يحدث لشخصيات فيلم ووك-أباوت، فالفيلم ينتهي بقفزة إلى المستقبل حيث الفتاة تعيش في سيدني وقد تزوجت وتعيش حياة مدينية عادية جدا، أي رتيبة. ووسط تلك الرتابة تتذكر أنها حظيت يوما في مراهقتها بحياة أخرى في الفردوس في الصحراء الأسترالية في حضن الطبيعة الخالصة، قبل أن ينتهي بها المطاف في جحيم المدينة الرتيب.

لا أسرار في هذه القرية!

لا أسرار  في هذه القرية!

مِن أمتع مناخات الأفلام السينمائية بالنسبة لي، تلك الأفلام التي تدور أحداثها في بلدة أو قرية صغيرة، بحيث نعايش في الفيلم أفرادَ قرية كاملة، العديدَ منهم، بعاداتهم وطباعهم وأحزانهم وأفراحهم ووقائع حياتهم اليومية. ليس مهما لديّ أن تكون قرية حقيقية يسميها الفيلم بالاسم، ويمكن العثور عليها في "خرائط جوجل"، أو أنْ تكون قرية متخيَّلة. ليس مهما أيضا أنْ تكون قرية معاصرة، ولا أنْ تدور الأحداث في الماضي. المهم هو أنْ يأخذنا الفيلم إلى حياة عدد هائل من البشر. عدة قصص لعدة أشخاص تتداخل مصائرهم وتتشابك. المهم أن أعيش مع الفيلم وكأنني أحد سكان تلك القرية: أعرف أسماء الجميع هناك، وماذا يعملون، وبماذا يغتابهم جيرانهم، وما شكل الحانة المفضلة التي يذهب إليها الأزواج الغيورون والمُحبَطون، ومن هي أجمل النساء التي تغار منها جميع سيدات تلك البلدة. إنها حياة ثرية أعيشها بقضها وقضيضها في واقعية تامة، وكأنني عشتُ حياتي جميعها في تلك القرية. لكن الحقيقة، أنني لا أعرف أحدا هناك، ولذا أنا أستمتع بالتلصص على ما يجري لهؤلاء الناس، وأن أحتفظ بمسافة تعصمني من الاكتواء بلهيب ما يعانونه، فـ "القرية الصغيرة جحيمٌ فسيحٌ" كما يقول المثل الأرجنتيني.


من هذه النوعية من الأفلام، شاهدت بالأمس الفيلم البريطاني/الأمريكي (من ناحية جهة الإنتاج) "شوكولاته" (إخراج: لاسي هالستروم. إنتاج: 2000). من بطولة الممثلة الفرنسية القديرة جولييت بينوش. رغم أن الفيلم كان أقرب للأُمثولة fable tale –ولكنّ أبطالًه بشرٌ وليسوا حيوانات- (وهذا يعني ضمنيا أنه سينتهي بخلاصة أخلاقية moral)، إلا أنه لم يكن فيلما وعظيا إلا بالقدر اليسير جدا. أكثر ما أحببته في الفيلم أنه ينتمي بالضبط لنوعية أفلام "القرية الكاملة" التي أحب مشاهدتها. كما أحببتُ رسالته الداعية إلى انفتاح النفس على الآخر، والانتباه لدائرة الانغلاق، وأزمة التأويل الجامد لتعاليم الدين. عموما كان الفيلم في مجمله جيدا لولا أنه لم يحوِ الكثير من المفاجآت في قصته، ولإدراكي سلفا أن نهايته ستكون سعيدة؛ وهو أمر قد يكون طوباويّا في قصة من النوعية التي يعالجها هذا الفيلم.

تتمركز أحداث الفيلم –لن أحرق النهاية على أحد- حول الشخصية الرئيسية "كارولين"، صانعة الشوكولاتة، التي تأتي نازحة إلى قرية فرنسية "هادئة"، برفقتها ابنتها، وكأن رياح الشمال القوية الباردة قد أحضرتهما إلى القرية. "القرية" هي الكلمة المفتاح في هذا الفيلم. إنها قرية هادئة يعيش فيها الناس فيما يؤمنون أنه "السكون والطمأنينة" Tranquility. تحت وهم الطمأنينة توجد قلاقل كثيرة وأسرار ونار تتلظى تحت الرماد. يوجد: زوجات يسئ الأزواج معاملتهن. العمدة الذي يُسيّر رجلَ الدين ويوجه خطبَه الدينية لصالح الرؤية السياسية للعمدة. رجل الدين الملتزم بالنصوص الحرفية، والذي يقسّم العالم إلى عُصاة ومرضيّ عنهم. الأم التي تربي طفلها الصغير على الخنوع. الزوج السِكّير القاسي الذي ستسعى المؤسسة الدينية-السياسية لاحقا إلى إصلاحه بنور الرب. الجدة التي حرمتها ابنتها من رؤية حفيدها زعما من الابنة أن الجدة لديها تأثير سيئ على أخلاق الحفيد. ثم هناك العنصر المحفز الذي سيخلط أوراق اللعب: الأم العزباء الجميلة "كارولين" التي طرأتْ على القرية، والتي لا تذهب للكنيسة، لكنها تصنع "شوكلاتة" تذوب لها أفئدة الرجال والنساء. كل الخلطة السحرية لأفلام "القرية الكاملة" موجودة في هذا الفيلم، باستثناء مجنون القرية، وهو شخصية كلاسيكية في كل فيلم من هذا النوع، وفي كل قرية حقيقية صغيرة، فهو هنا غائب. عدا ذلك فكل شيء موجود، لاسيما البُغض والتدخل في شؤون الآخرين، وهي السمة الأخلاقية الأولى في السلوك الجمعي لأية قرية صغيرة.

رغم أن أحداث الفيلم تدور في قرية متخيلة، إلا أنه ليس صعبا أنْ نرى مجتمع تلك القرية منعكسا في قرى كثيرة نعرفها بالاسم. ما أشبه تحالف العمدة ورجل الدين بكافة أنظمة وطننا العربي. ألسنا نعرف قرىً، بل ومدنا، بل ودولا كاملة، تعيش على هذا التحالف، من أجل حفظ "طمأنينة" متوهمة؟ طمأنينة على السطح، ونار تحت الرماد؟ ألسنا نعرف زوجاتٍ لا يُبلّغن عن اعتداءات أزواجهن عليهن لاعتبارات اجتماعية مختلفة، فيما القرية كلها تعرف ذلك، ومع ذلك يغض الجميع الطرف عما يحدث؟ ألسنا نعرف جميعا قرى يُضطَهد فيها الأشخاصُ المختلفون، ويحارَب فيها جالبو السعادة من فنانين وتنويريين (الذين تجسد فنهم ورؤاهم التنويرية في هذا الفيلم "الشوكولاتة" اللذيذة المُبهِجة)، بتواطؤ من قِبل العادات والقيم البالية، وبإيعاز من تحالف السلطتين السياسية والدينية؟ ألسنا نعرف قرى لا ينشغل رجالها ونساؤها بشئ غير النميمة، ثم يبتسمون في وجوه الآخرين عندما يصادفونهم في الطريق أو المتجر؟  إن القرى هي أكثر مكان تظهر فيه الكراهية بوضوح، لا لأن حجم الكراهية فيها أعلى من المدن. ولكن لأن القرى يعرف فيها الجميع بعضهم بعضا وترتبط حيواتهم اليومية ببعض بشكل مباشر. القرى لا مكان فيها للفردانية، لذا فتأثير الآخرين وتدخلهم في حياة الفرد واسع، وهو ما لا يلمسه المرء في المدينة بشكل ظاهر للعيان. وفيما تُحيل كلمة قرية عند كثير من الناس إلى بساتين خضراء، فإنها بالنسبة لي شخصيا، تكاد ترادف كلمة "بغضاء"، ولذا لا تغادر أذنيّ يوما مقولة كارل ماركس: "بعيدا عن هذا الريف البائس"! حقا أحِب أن أشاهد أفلاما عن قرى بكاملها، لأنني لا أتعرف في الفيلم على عالَم شخص واحد ومعاناته وجُوّانيّاته، لكنني أعيش مع الكثيرين دفعة واحدة. أتعرف على ألف حكاية وحكاية، وألف طموح موؤود وألف طموح متقد. نعم أحب أن أشاهد أفلاما عن القرى، ربما لأنها ليست المكان الذي أحب أن أعيش فيه فترة طويلة، ولأنها المكان الذي عليّ أنْ أكافح دوما لأنجو منه!

16 August 2014

عندما تذوي الروح

كُتبت في 27 يونيو 2011. ونُشرت في وقتها في جريدة الرؤية.

عندما تذوي الروح

(1)
"لو كان لي أن أعيد حياتي، لما سلكتُ نفس هذا الدرب". لا توجد فكرة تسيطر عليّ هذه الأيام أكثر من هذه الفكرة. أكان ينبغي أن أصدق "الحداثيين" في أوهامهم فأضيّع أجمل سنوات عمري في دهاليزهم، ولم أخرج إلا بعزلة حزينة والكثير من المعارك والتشوهات؟ كم أكره كل بيت شعري قرأته لكل واحد منهم تقريبا خلال العشرين سنة الماضية؛ لقد جعلوني أوشك أن أكره الشعر. كنتُ حقا سأكره الشعر لولا أني وجدتُ "الشاعرية" في السينما، فأنقذتني من هراء الشعراء!
أكان ينبغي أن أتعرف على الشعراء قبل معرفة علماء الأحياء والأنثروبولوجيا؟ أكان ينبغي أن أتعرف على "قصيدة النثر" قبل أن أتعرف على نظرية النشوء والتطور بعشرين عاما كاملة؟ أكان ينبغي أن أمتلئ بكل هذه الخزعبلات عوضا عن أن أمتلئ بكتابات ريتشارد دوكينز وستيفن هوكينج؟ أكان ينبغي أن أعرف شذرات من نقد الشعر قبل أن أتأصل فكريا بالقراءة في العلوم الطبيعية؟ أكان ينبغي أن ألتقي بمتعاطي الثرثرة الليلية والتنظير في الحداثة بدل أن ألتقي بعشاق العلم والمعرفة في العلوم الطبيعية؟ أكان ينبغي أن أصبح بهذه البدانة الجسدية والترهل الفكري، حيث كل ليلة تموت كتلة من خلايا دماغي متسممة بالعصارة الصفراء في جلسات المنظّرين، عوضا عن أن تشع روحي بالرشاقة منتقلة من كتاب لعالم أنثروبولوجي إلى كتاب آخر لعالم فيزيائي أو فلكي معاصر؟ أكان لابد أن أعرف تشارلز داروِن متأخرا كل هذا الوقت—حين لم يعد البقاء هو الأصلح لي لأنني لم أعد الأصلح للبقاء وتهتُ عن درب الانتخاب الطبيعي للمعرفة العميقة بالكون من حولي؟!

(2)
لو كنتُ أستطيع أن أعيد عقارب الزمن للوراء لاخترت السفر للدراسة في أمريكا فور انتهائي من "الثانوية العامة"، ولوضعتُ إتقان اللغة الإنجليزية –أقرب ما يكون للحديث بها كأهلها- هدفا أولَ لي، وكنتُ درستُ شيئا نافعا في الحاسب الآلي مثلا أو البيئة أو علم الحفريات، أو ربما درستُ الإخراج السينمائي، المهم أي شيء إلا هذه الصحافة التي لم تكن سوى تجربة بليدة في مناخ بليد. لو كنتُ قد أتقنتُ الإنجليزية كأهلها لكنتُ الآن دودةَ قراءة. أقرأ بسلاسة عن كل فيلم سينمائي أشاهده وأحبه، كما أقرأ كتب ريتشارد دوكينز بلغتها الأم فور صدورها، ولكنتُ قد اقتنيت مجلة "ناشيونال جيوجرافيك" عددا عددا وقرأتها كلمة كلمة، ولكنتُ من مُريدي المجلات العلمية، ولكنتُ طرحتُ أسئلة تعنيني على مخرجي السينما الأستراليين –وغير الأستراليين- في المهرجانات السينمائية التي التقيتهم خلالها في أستراليا. لو كنتُ قد تأسستُ علميا في الغرب في سن باكرة، لكانت حياتي اليوم أكثر تنظيما وإنتاجية، ومعرفتي أغزر، بل وحتى صحتي كانت ستكون أفضل، إذ لم يكن أزهى سنوات حياتي سينقضي في مجذمة "تشرشل" الحزينة.

(3)
ماذا سأفعل الليلة خلاف ما أفعله في كل ليلة؟ بمن سألتقي في خريفِ عُمرٍ جنيتُ فيه أصدقاء بأقل من أصابع اليد الواحدة؟ بمن ألتقي حين يعز اللقاء بهم—كعادة الغالبية العظمى من الليالي؟ أي فيلم سأشاهد والروح منطفئة عن فتح نوافذها للجَمال والفن؟ أهي الأُسْرة من يفعل ذلك بالمرء، حينما يقع في فخ الروتين المتكرر والباعث على الكآبة المستديمة؟ أهو الإفلاس المادي والرضوخ تحت وطأة الدَين لعمرٍ كامل قادم حتى يسدد المرء قسط بيته؟ أكان لابد من شراء بيت؟ أما كان أجدر لكل تلك النقود أن تذهب لإنتاج فيلم سينمائي أقول فيه كلمتي لهذا العالم –لِلا أحد تحديدا- ثم أمضي؟ أكان لابد أن يعيش المرء في بلد نصف ما يحبه ممنوع أو مفقود فيها، وألا يرى مستقبلا مطمئنا لشيء من حوله، حيث لا يترعرع هنا بضراوة مخيفة سوى هيمنة المتشددين دينيا—أعداء الحرية والإنسانية والحب والجَمال؟ أكان لابد أن يقضي المرء نصف حياته في وظيفة لا ترتبط بشئ من اهتماماته، وألا يجد فرصة للتعبير عن اهتماماته حتى كهواية أو ممارسة فردية، حين لا يجد كثيرين ليشاركوه ما يحب؟ أكان لزاما على المرء أن يعيش كناسكٍ مجبورٍ على العزلة فيما روحه تضج بحب الحياة والرغبة فيها؟ لماذا كان على الحياة أن تكون حقا في مكان آخر، وأن تكون نبوءة كونديرا صحيحة هذه المرة، خلافا للكثير من شطحات الكتاب وأهل الكلمة؟!

(4)
يا بابلو نيرودا: أشهد أنني لم أَعِش!
يا أيها الفانون السعداء بحياتكم: لو كان لي أن أعيد حياتي لما اخترتُ نفسَ هذا الدرب.